تداعيات سورة المسد على قريش والمسلمين الأوائل وعلى طغاة اليوم وحملة الدعوة
March 12, 2021

تداعيات سورة المسد على قريش والمسلمين الأوائل وعلى طغاة اليوم وحملة الدعوة

تداعيات سورة المسد على قريش والمسلمين الأوائل وعلى طغاة اليوم وحملة الدعوة
(مترجم)


خَرَجَ النبي ﷺ إلى البَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إلى الجَبَلِ فَنَادَى: «يا صَبَاحَاهْ» فَاجْتَمعتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقالَ: «أرَأَيْتُمْ إنْ حَدَّثْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمَسِّيكُمْ، أكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟» قالوا: نَعَمْ، قالَ: «فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقالَ أبو لَهَبٍ: ألِهذا جَمَعْتَنَا تَبّاً لَكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾.


نزلت هذه السورة في مكة عندما أراد النبي ﷺ أن يعلن عن نزول الوحي لقريش من خلال تذكيرهم أولاً بأمانته وصدقه، ولكن قام الأقرب إليه عمه أبو لهب بالإهانة والتخريب الصريحين لخطابه في الوادي. اشتهر أبو لهب بعدائه لابن أخيه الذي كان عادة ما يحبط خطاب الرسول ﷺ وهو يحمل رسالة التوحيد إلى قريش. وزوجته أم جميل كانت متآمرة على النبي ﷺ حيث كانت تعرف باسم حمالة الحطب كما جاء في سورة المسد بسبب ضررها للنبي بإلقاء الأشواك والخشب في طريقه. كتب الحسن البصري وقتادة أنها كانت ترتدي قلادة ثمينة وكانت تقول: "واللات والعزى، سأبيع هذا العقد وأنفق ثمنه لإشباع عدائي ضد محمد". كما جادل العلماء بأن هذا وصفها بأنها ناشرة الإشاعات كما اعتادت أن تنشر افتراءً خبيثاً للإضرار بالرسول ﷺ في جميع أنحاء مكة.


وهكذا عندما شتم أبو لهب النبي ﷺ، أُنزلت الآيات فلعنه الله سبحانه وتعالى هو وزوجته، وتليت هذه الآيات بجرأة من رسول الله ﷺ إلى زعيم قريش الثري والمؤثر، وهذا لم يُعثر محمداً ﷺ ولا أخافه. إن هذه الآيات تكررت من كل من سمع السورة بمن فيهم المؤمنون وغير المؤمنين، سورة قصيرة ولكنها قوية؛ فقد توعدت بهلاك أبي لهب وزوجته في نار جهنم، وأن لا ثروته ولا حتى أولاده الذين يتباهى بهم أمام قبيلته لن يكونوا شفعاء له يوم القيامة.


وقد أثر تكرار الناس لهذه السورة على الرأي العام لأنها كانت اتفاقاً من الله سبحانه وتعالى الذي دافع عن رسوله من توبيخ العم الشرير. لقد مات أبو لهب بالفعل موتاً مُهَرّياً وبشعاً في عزلة، بل إن دفنه كان أمراً مخزياً. هذه هي الحقيقة التي أخبر عنها الله لتشهد عليها كل مكة. فشعر المسلمون بالطمأنينة من الآيات القرآنية وشهد المشركون تحذيرا للنخبة القبلية.


ومنذ ذلك الوقت، تعرض المسلمون للذم والتهجم من أولئك الذين يعارضون رسالة التوحيد. ونحن نرى الملاحقة والمضايقات ضد تلك الدعوة للإسلام، فهي مستمرة ودائمة وتأتي في جميع الأشكال من الأساليب التقليدية إلى الاعتداء والقذف والسجن، إلى أكثرها معاصرة كحجب المواقع الإعلامية ورقابة المنشورات على الإنترنت.


من هم أبو لهب وزوجته في عصرنا هذا؟


هم يظهرون بأشكال مختلفة، من أفراد حاقدين إلى أنظمة مستبدة إلى ثأر قديم لا يزال يشن حرباً ضد حملة الإسلام. ولا يوجد فرق في التعقيد والتواطؤ في بلاد المسلمين أو في البلاد غير الإسلامية، حيث إن الأفراد الذين يديمون حملة الكراهية والدمار يتغلغلون عبر جميع الحدود. ويتجلى ذلك في الأجندات الغربية الاستعمارية التي تقوم على إزالة الإسلام من حياة المسلمين لحصرهم بشكل صارم في ممارسة العبادات الفردية في الحياة الخاصة مع خنقهم القمعي لعامة الناس والموارد الطبيعية.


واجه رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم عقبات صارمة في طريق نشر دعوة الله سبحانه وتعالى من العزلة والنفي والتعذيب والافتراء والملاحقة والقيود المختلفة في الحركة والرزق بسبب تمسكهم بدينهم الجديد. وهذا أيضاً يُشاهد اليوم مع حملة الدعوة، وخاصة مع أعضاء ومؤيدي حزب التحرير، من المؤسس والجيل الأول ومن تلاهم من أعضاء تحملوا التعذيب والملاحقة والموت في سبيل الله والإسلام.


في عهد قريش، رفض المسلمون الأوائل الممارسات والمعتقدات الجاهلية، ودعوا إلى التوحيد والإيمان بالله ورسوله ﷺ وعابوا عبادة الوثنية والممارسات العربية الشائعة في عصر الجاهلية. وبعد هدم دولة الخلافة، عاب المسلمون اللاحقون المبادئ التي صنعها الإنسان من الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية، وإحكام قبضة الأنظمة الملكية والديكتاتورية التي أقيمت في جميع أنحاء البلاد الإسلامية التي أرستها الأنظمة الغربية لتأكيد هيمنتها من بعيد. وفي كلتا الحالتين، واجه المسلمون رد فعل عنيف من مثل هذه المعارضة لأنها أخلت بالوضع الراهن للمتنفذين والأثرياء في كلا العصرين. وكما ذُكر أعلاه، فإن التكتيكات المستخدمة تكاد تكون معكوسة لمنع انتشار الدعوة إلى الإسلام ولإخماد تأثير دعوتهم على الجمهور، أي التأثير على الرأي العام.


مثلما تليت سورة المسد على قريش التي أثارت جنوناً في مجتمعهم وحادثة بحث زوجة أبي لهب عن الرسول ﷺ حاملة حجراً بيدها ولم تر سوى أبي بكر رضي الله عنه، فانظروا إلى حملة الدعوة اليوم يقرؤون السورة نفسها في مواجهة الأخطار والمفاسد. قبل ذلك كان في مواجهة المشركين، عبدة الأصنام، الباعة المتجولون بالربا الذي يقصم الظهر إلى الأعمال البذيئة للمجتمع في الجاهلية. في حين إن حملة الدعوة اليوم يعارضون أتباع وأركان الأنظمة الوضعية والمشرعين والأتباع الجشعين للإمبريالية.


على سبيل المثال، أبو لهب المعاصر يشمل استئصال مصطفى كمال الهائل للدولة الإسلامية إلى مجازر عبد العزيز بن سعود، والقذافي الليبي، الطاغية الشهير الذي حكم بقبضة من حديد لمدة 40 عاماً، وصدام حسين العراقي الذي شن حرباً ضد المسلمين بمن فيهم الأكراد بلا رحمة، وكريموف من أوزبيكستان الذي ترسل مستعمرات السجون سيئة السمعة رعشة إلى أسفل العمود الفقري. والمجازر الكاملة التي ارتكبها حافظ الأسد (40 عاماً من الطغيان في سوريا) وغيرهم من الحكام سيئي السمعة أيضاً. والقائمة تطول منذ عام 1919 إلى اليوم من الحكام المجرمين الذين لا يرحمون أحداً من المسلمين. كما فرضت الحكومات الغربية بما في ذلك دول الاتحاد السوفيتي السابق عقوبات على المسلمين وتعبيرهم مثل القانون الجنائي الروسي الذي ينص على أن مختلف النصوص الإسلامية محظورة ولها عواقب وخيمة على حركة الشباب والمسلمين التابعين لحزب التحرير من جراء أحكام السجن اللاإنسانية الطويلة. والحرب الأمريكية على الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر والمملكة المتحدة 7 تموز/يوليو مهدت الطريق لإضفاء الشرعية على استهداف المسلمين والإسلام من إقامة الأمن الداخلي والمنع وفقا لذلك، جاءت هذه مع نتائج كارثية، وضرب الأمثلة كثير ولكن لا تقتصر على إنشاء معسكر الاعتقال في خليج غوانتنامو والقواعد العسكرية، وشن الحروب المروعة في العراق، وأفغانستان، وأكثر من ذلك. ومع ذلك، فإن هؤلاء وغيرهم الكثير من المسلمين عارضوا نظامهم ويدعون إلى تطبيق الإسلام بالكامل بدلاً من أنظمتهم، تخيلوا عواقب هذه المواقف الجريئة. لقد واجه العديد من المسلمين موتهم نتيجة التضحية بأرواحهم الغالية في سبيل الله.


ما هو نوع الشخصية اللازمة لتكون قادرة على معارضة مثل هذه المؤسسات عميقة الجذور في الماضي أو الحاضر؟ ما هي الشخصية التي يجب أن تكون قادرة على تلاوة سورة المسد أمام الطغاة؟ وأن تكون قادرة على الالتزام بحديث الحبيب ﷺ: «يَا عَمُّ، وَاللهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالقَمَرَ فَي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ الله أَوْ أَهْلُكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ».


عندما تلا النبي ﷺ الآيات، لم تكن لديه سلطة حقيقية ولا حماية من غضب المشركين واستمر هذا لثلاثة عشر عاماً في مكة. وقد تكرر هذا بعد عام 1924م، ولم يكن للمسلمين سلطة حتى اليوم. مائة عام بدون درع حام إلا أن شباب حزب التحرير يقرأون هذه الآيات ومئات الآيات الأخرى بجرأة كل يوم دون خوف أو كلل. لدينا جموع من المسلمين يتأقلمون مع وضعهم الراهن ويندمجون في المجتمعات الغربية، ومع ذلك فإن هناك مجموعة منفصلة وتظل قائمة تدعو إلى إعادة تطبيق الإسلام من خلال إقامة دولة الخلافة لاستعادة العدالة والمجد الذي كان من قبل. إن حزب التحرير، حزب سياسي مبدؤه الإسلام، تأسس عام 1953 على يد الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله. إن عمل حزب التحرير هو حمل الدعوة الإسلامية من أجل تغيير أوضاع المجتمع الفاسد ليتحول إلى مجتمع إسلامي، وما يتجلى في هذه التصرفات السياسية هو تربية الأمة على الثقافة الإسلامية لصهرها بالإسلام وتطهيرها من العقائد الفاسدة والأفكار الباطلة والمفاهيم الخاطئة بما في ذلك تأثير أفكار الكفر وآرائه.


يجب أن تستلزم صفات المسلمين القناعة الحقيقية بعقيدة الإسلام بأن الله تعالى رب العالمين وأننا عباد مخلصون لتطبيق قانون الله وسنة الرسول ﷺ. ويجب تطوير العقلية بشكل كامل للحفاظ على الإيمان بأن الحياة والرزق بيد الله وحده للسماح بالتوكل الكامل على الله والتحرر من الخوف والخنوع على أيدي الطغاة. حتى قبل ذلك، يجب أن يأتي نظام الحياة من الخالق لأن الأنظمة الوضعية من صنع الإنسان جلبت فقط البؤس للبشرية، لذلك يجب أن تعود شؤون الأمة إلى أصلها تحت درع الخلافة، وهي أمور تُحكم وتُقاس بمعايير إسلامية خالصة خالية تماماً من قوانين الكفر المستحدثة. ويجب أن يؤخذ القرآن على أنه الدستور والبوصلة للمسلمين. علاوة على ذلك، يجب أن يكتنف حامل الدعوة الإسلامية الصبر والمرونة والصمود والرضا في المسار الذي يسلكه المسلم حيث ستجزى جميع المصاعب بالأجر والثواب يوم لا ينفع مال ولا بنون. يجب أن تكون خصائص الاستقامة والثبات موجودة، وإلا فقد يتعثر المرء ويتردد في مواقف المواجهة، فلا يكفي مجرد الإيمان دون اختبار. قال رسول الله ﷺ «الساكت عن الحق شيطان أخرس». يجب أن يكون لدى حملة الدعوة سلوك لا هوادة فيه أمام اللمعان الزائف للأنظمة، وبما أن المجتمع قد يؤثر


عليه أو يبطئ أخلاقيات عملهم؛ حب دعوة الإسلام يجب أن يشعر به المحيطون بحامل الدعوة، أن يشعروا بصدق الدعوة، أن يشعروا برعاية الأمة الإسلامية القريبة والبعيدة دون أي نوايا أو مصلحة ذاتية، ليدعو إلى أن يكون الحكم لله وحده.


كل هذا لتمكين حامل الدعوة من الانخراط في صراع فكري وسياسي ليكون جزءاً من حزب من أجل تحقيق هدف مثلما أحاط الصحابة رضوان الله عليهم بالرسول ﷺ، وثقافته سمحت للصحابة بالصمود أمام كل المصاعب مع اليقين التام بتحقيق وعد الله وأن يكون الصحابة رجال دولة المستقبل بعد أن غُرست فيهم العقيدة كاملة. ولم تكن هناك عودة إلى الوراء بعد أن جاءت الآية لإعلان الإسلام علانية لقريش. بينما اليوم يوجد هجوم عالمي لا يمكن إنكاره على الإسلام والمسلمين، كما يمكن رؤيته في كل بلد مسلم بشكل أو بآخر. وبالتالي، لكي يبلغ المسلمون هدف المجتمع الإسلامي، يجب أن يكون هناك حزب مبدئي سياسي يثقّف أعضاءه ليكونوا مثل الصحابة الكرام الذين قرأوا آيات الله تعارض المجتمعات والزعماء الظالمين. يجب أن يجمع هذا الحزب بين الفكر والطريقة لتحقيق مثل هذا التغيير الجذري.


بينما نتلو آيات التحدي والمعارضة وإنكار الكفر وطرقه، فإن هذا يحتاج إلى أن يكون حافزاً للتغيير والنهضة الإسلامية وإلا فإننا نقرأ ببساطة دون فهم متدبر. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ويقول: ﴿إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾. ويقول أيضا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً﴾.


من القرآن الكريم، نحن كحملة دعوة، نأخذ قوتنا وتوجيهنا لتجميع أنفسنا وننحاز إلى الحقيقة ومواجهة أبي لهب اليوم وغدا ونعمل بجد لإعادة تأسيس مجتمع إسلامي من خلال إقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. هذه الأعمال سوف تشهد لنا يوم القيامة حيث لا ينفع مال ولا بنون. ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
منال بدر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر