تحرك أهلنا في الجزائر والسودان وفي كل مكان
تحرك أهلنا في الجزائر والسودان وفي كل مكان

إن تحرك أهلنا في الجزائر والسودان وفي كل مكان فيه خير كثير بإذن الله، وإن كان الشر الجاثم على صدورهم وصدورنا لا يستهان به، فقد عمّر وعشش في بلادنا منذ أكثر من مئة عام، فحكم الكفار بلادنا مباشرة وغير مباشرة، صنعوا هياكل دويلات - إدارات استعمارية - وجاؤوا بنخبة خائبة طائعة لهم وحكمونا من خلفهم.

0:00 0:00
السرعة:
April 28, 2019

تحرك أهلنا في الجزائر والسودان وفي كل مكان

تحرك أهلنا في الجزائر والسودان وفي كل مكان

إن تحرك أهلنا في الجزائر والسودان وفي كل مكان فيه خير كثير بإذن الله، وإن كان الشر الجاثم على صدورهم وصدورنا لا يستهان به، فقد عمّر وعشش في بلادنا منذ أكثر من مئة عام، فحكم الكفار بلادنا مباشرة وغير مباشرة، صنعوا هياكل دويلات - إدارات استعمارية - وجاؤوا بنخبة خائبة طائعة لهم وحكمونا من خلفهم. فقام الناس يتحدّون هؤلاء الظلمة وما يمثلون من أنظمة فاسدة ظالمة قائمة على نظام رأسمالي استعماري لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.

إن القوة الحقيقية بأيدي الناس وفي تجمعهم واجتماعهم على كلمة سواء، على وجوب الحكم بما أنزل الله باستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بالإسلام صدقا وحقا وعدلا، ولكن ينقص الناس شيءٌ من الوعي، فالتغير الجذري لا يتم بتغيير الأشخاص فحسب، فلا بد من تغييرهم وتغيير النظام الذي يطبقونه من أساسه، بأنظمته وقوانينه وأفكاره والأشخاص الذين يمثلونه ويطبقون أنظمته وقوانينه وفلسفته على الناس، وإن لبس هؤلاء لبوسا إسلاميا زائفا مثل البشير وزمرته، أو ثوريا مثل جبهة التحرير الجزائرية...

وعدم الوعي عند الناس يتمثل بدعوتهم للدولة المدنية والديمقراطية والعدالة (الاجتماعية) وجميع الشعارات غير الإسلامية، هذه الشعارات الزائفة المنبعثة من الثقافة الرأسمالية، التي غزى بها الاستعمار بلادنا وحكمنا بها وهو حريص أشد الحرص على ألا يخرج هو ولا ثقافته من بلادنا مهما كلفه الأمر، حيث إن التكلفة هي إهراق المزيد من دماء المسلمين وتخريب بلادهم ونهب خيراتهم، كما نشاهد ما يحصل في مصر وسوريا وليبيا واليمن على سبيل المثال.

إن تغيير الأشخاص لا يعدو أن يكون إلا مثل تغيير دابة المعصرة التي تدير الرحى، فحين تهرم يبدلها قيّم المعصرة وتبقى الرحى تدور بدوران الدابة الجديدة، والرحى هنا هو النظام المطبق على الناس، والدابة هي الحاكم العميل للغرب الكافر، وقد نفهم أهمية الأشخاص من عمل الرسول الله e، حين بعث الصحابي محمد بن مسلمة رضي الله عنه لقتل كعب بن الأشرف، ومن هروب عبد الرحمن الداخل من يد العباسيين إلى الأندلس وأخذ الحكم فيها بصفته من بيت الحكم الأموي.

وفي حالنا لا بد من تغيير النظام الرأسمالي، ومن يطبقه علينا في بلاد المسلمين، والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم حقا وصدقا بكتاب الله وسنة رسوله e بدون مداهنة ولا مداورة ولا تدرج.

إن الكافر المستعمر حين يرى أنه يتعامل مع أناس قليلي الوعي - الذين يطالبون بتغيير أشخاص الحكام وبطانتهم ولا يحرصون على تغيير النظام الذي يطبقونه والذي لا يمت للإسلام بصلة - يقبل بهم مؤقتا وقد يعطيهم الحكم ريثما يحتوي حركة الناس، ويصبح لدى الكفار تغيير الحاكم الذي أفنى حياته في خدمتهم أولوية ولا يلتفتوا إلى ما قدم لهم من خدمات، كما حدث في مصر، فحين أصر الناس على ذهاب مبارك، أمره أسياده بالرحيل فرحل، وحين لم يستطيعوا تزوير الانتخابات بين مرسي وشفيق، تُرك مرسي - فك الله أسره - ليحظى بكرسي الرياسة، وكأنه ظن أن من يحظى بالكرسي يحظى بالحكم! ولم يتصرف كعلماني ولا كمسلم، العلماني يدوار ويناور ويداهن، وسياسته تقوم على أن الغاية تبرر الوسيلة، والمسلم تقوم سياسته على تحكيم شرع الله بدون مداورة ولا مناورة، يهدم ويبني في اللحظة نفسها، يهدم مدماكاً من أنظمة الكفر ويبني مكانه مدماكاً في النظام الإسلامي، وإن تعذر عليه ذلك ينتظر حتى تتوفر الفرصة والإمكانية المناسبة لحكم الإسلام، ولا ينخرط في معمعة المجهول على غير هدى، ليتسنى للأمريكان إعداد عملائهم والانقضاض عليه وعلى المسلمين، بوضع لا سابقة له، قتلا وتشريدا وسجنا، بيد شيطان يتعوذ إبليس منه ومن أفعاله، وإن كان السيسي قد خدع المسلمين وخدع مرسي - فك الله أسره - وإذا لم يكن لمرسي خيار في تعيين السيسي وزيرا للدفاع، فلا تجد عذرا لتعيينه وزيرا للداخلية من لواءات مبارك، وخصوصا محمد إبراهيم، فقد حدث السيد أيمن نور في مداخلة له في فضائية الجزيرة - بتصرف - أنه قد كلف من الرئيس محمد مرسي فك الله أسره بإحضار تقرير أو إحصائية من مديرية السجون، وكان محمد إبراهيم مديراً لمصلحة السجون، فرفض إعطاءه أي شيء للرئيس مرسي وأخبره أنه مستعد لإعطائه له شخصيا ما يطلب، فقال السيد أيمن نور أنه رئيس جمعية ما فكتب طلباً باسم تلك الجمعية وأعطاه محمد إبراهيم ما طلبه، وذهب أيمن نور وحدث الرئيس مرسي بما حدث، ويقول أيمن نور إنه تفاجأ حين عين مرسي محمد إبراهيم وزيرا للداخلية... انتهي كلام أيمن نور. مع أنه من الحكمة تعيين رجل مدني وزيرا للداخلية وإحالة جميع الرتب العالية في وزارة الداخلية إلى التقاعد لولائهم لنظام مبارك وجرأتهم على تعذيب المسلمين والاستهانة بهم، ومن الخطأ الفادح الاستعانة بهم.

ويذكر في التاريخ أنه عندما استولى العباسيون على السلطة من الأمويين قاموا بدعوة الأمويين للصلح، وتم التخلص منهم، ولم ينج سوى من فر إلى الأندلس، واستولى على الحكم هناك وأقام دولة بادعاء أنه من العائلة الحاكمة. وحين عين محمد علي باشا واليا على مصر تخلص من المماليك بأن دعاهم إلى القلعة على طعام ثم قضى عليهم ولاحق من فر إلى الأقاليم. وفي أول وزارة شكلها الجيش المصري بعد انقلاب 1952 أخذ عبد الناصر وزارة الداخلية ليتمكن من معرفة مفاصل حكم مصر، ورمّج 500 ضابط من ضباط الجيش المصري الذين لا يثق بهم، وحاصر وصادر أموال سياسيي العهد الملكي واستولى على أملاك العائلة المالكة ولم تظهر أموالهم في خزينة الدولة. ويحدث محمد فوزي - بتصرف - أنه ليلة الانقلاب، كان يتحرك مع سريته أو كتيبته فالتقى بوحدات مشتركة في الانقلاب، فدعوه للمشاركة معهم فامتنع، وحين نجح الانقلاب كان ينتظر ترميجه لكنهم أبقوه في الجيش ليصبح قائدا عاما وكلف باعتقال المشير عبد الحكيم عامر.

إن ما يطلق عليه الدولة العميقة في الثقافة الرأسمالية، لا عمق فيها ولا شيء مخفي وإن كان اسمها يوحي بذلك، حيث إن المصالح والإدارات والدوائر والوزارات ينقسم العاملون فيها إلى فئتين؛ فئة آمرة ناهية ترسم السياسة وتنفذها، وهؤلاء هم النخبة الحاكمة، ومن في حكمهم أو يعمل لينضم إليهم أو يحل مكانهم وهؤلاء هم السياسيون أو الوسط السياسي، بمعنى آخر هم من يتعامل بالسياسة ويعرف دهاليز السياسة ويخبر أساليب الحكم. والفئة الثانية تقوم بالأعمال الإدارية وتنفيذ الأوامر وهؤلاء يعملون تحت يد من يملك الأمر والنهي ومن يرسم السياسة، ينتظرون الأوامر ولا يتصرفون بإرادتهم كالعسكري الذي ينتظر أوامر قائده ليتحرك ولا يتحرك بدون أوامر. على رأي المثل العامي (من يتزوج أمي فهو عمي!). فالوسط السياسي - السياسيون والحكام ومن في حكمهم - الذي يجب التخلص منه، وهم أولئك الذين يمثلون العهد البائد المراد التخلص منه، وهم معروفون وظاهرون، ويجب منعهم من التدخل في أمور الدولة الإسلامية التي يجب إنشاؤها مكان هذه الدويلات التي أنشأها الكفار حين تآمروا على الدولة الإسلامية، وأسقطوها قبل ما يقرب من مئة عام، بسجنهم مثلا وتجريدهم من قوتهم ومنع تحركهم، وليس لهم قوة ذاتية بل إن قوتهم تأتي من مناصبهم واتصالهم مع الكفار أعداء الأمة الإسلامية. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إبراهيم سلامة

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر