تحرير فلسطين بالكامل على يد جيوش المسلمين هو وحده القادر على إنهاء الإبادة الجماعية!  محاضرة أُلقيت نيابةً عن القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
November 30, 2023

تحرير فلسطين بالكامل على يد جيوش المسلمين هو وحده القادر على إنهاء الإبادة الجماعية! محاضرة أُلقيت نيابةً عن القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

تحرير فلسطين بالكامل على يد جيوش المسلمين هو وحده القادر على إنهاء الإبادة الجماعية!
محاضرة أُلقيت نيابةً عن القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير


(مترجمة)


اليوم، تردّدت أصوات النساء المسلمات في جميع أنحاء العالم؛ من البلاد العربية إلى أوروبا، ومن آسيا إلى أفريقيا، ومن أمريكا إلى أستراليا، متحدات في صوت واحد، ودعوة واحدة لإخواننا وآبائنا وأبنائنا في جيوش المسلمين للارتقاء إلى واجبهم الإسلامي المتمثل في كونهم المدافعين عن هذه الأمة وحماتها؛ للارتقاء إلى مستوى التزامهم الإسلامي، ليس فقط بإنقاذ رجال ونساء وأطفال غزة من حمام الدم هذا، أو الدفاع عن مسلمي الضفة الغربية من إرهاب هذا الكيان الصهيوني الإجرامي، بل بتحرير كل شبر من الأرض المباركة بأكملها، تحرير فلسطين من هذا الاحتلال القاتل؛ فهذا ما يريده الله سبحانه وتعالى!


لأن أرض فلسطين المباركة لا تقتصر على غزة والضفة الغربية، ولا تقتصر على حدود 1948 أو 1967، أو أي خطوط تعسفية تستحضرها حكومات الغرب أو الأمم المتحدة لتخبرنا ما هي الأرض الفلسطينية وما ليست كذلك؛ الحدود والخطوط التي لا تساوي ولا تشرع إلاّ الذبح واغتصاب الأراضي وسجن وتعذيب الأطفال والطرد الجماعي للفلسطينيين من وطنهم، وجبل الجرائم الأخرى التي من خلالها ظهر هذا الكيان الصهيوني العنصري غير الشرعي؛ الحدود والخطوط التي تسمح باستمرار وجوده وتنكيله بمسلمي فلسطين. كلا! فأرض فلسطين كلها أرض مقدسة، باركها الله سبحانه وتعالى، أرض مسرى نبينا الحبيب ﷺ، أرض الأقصى، الأرض التي خضعت لحكم الإسلام والشريعة. وبقيت كذلك قروناً، والتي تخصّ هذه الأمة إلى يوم القيامة! وبالتالي فإن الواجب الإسلامي هو تحرير كامل أرض فلسطين المباركة، فإن الله سبحانه لا يرضى أن يحتفظ المحتل الغاشم بغنائم الحرب التي حصل عليها بالقتل الجماعي والتطهير العرقي، مهما مضى من الزمن!


أخواتي العزيزات، غزة اليوم أصبحت مقبرة للنساء والأطفال، فحجم المذبحة الجماعية لا يوصف، فقد قتل الآلاف من الأطفال والرضع، وتيتم آلاف آخرون، وأسقطت قنابل الفسفور الأبيض، التي تحرق الجلد، على المدارس، والأطفال في الحاضنات يعانون من نقص الأكسجين بسبب الحصار الوحشي. إن تسونامي المعاناة الإنسانية يفوق الخيال. لقد نشأنا على سماع قصص النكبة المفجعة، والآن نشهد النكبة مباشرة على شاشاتنا.


ما الذي يمكن أن يضع حداً لهذا الاحتلال الهمجي والإبادة الجماعية الذي يعتبر قتل الأطفال بمثابة استراتيجية حرب ويسعى إلى إبادة الفلسطينيين؟ هل هو المزيد من قرارات الأمم المتحدة؟ لقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة 140 قراراً تدين الكيان الصهيوني منذ عام 2015 فقط؛ أي أكثر من ضعف القرارات ضد جميع الدول الأخرى مجتمعة، ولكن ماذا حققت؟ الأمم المتحدة ليست مستعدة حتى لحماية مدارسها وملاجئها وموظفيها في غزة! فهل نحتاج إلى المزيد من مؤتمرات القمة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وإلى المزيد من الخطب والبيانات الفارغة، وإلى الدبلوماسية من جانب زعماء العرب وغيرهم من زعماء المسلمين؛ ألم نشهد 75 عاماً من هذا؟! فماذا جلب غير الوقت والغطاء لهذا الاحتلال المتعطّش للدماء لارتكاب المجازر الجماعية واغتصاب المزيد من الأراضي؟


لا أيّتها الأخوات! الشيء الوحيد الذي يمكن أن يواجه قوة إبادة جماعية وينهي سبعة عقود من الإرهاب الذي عانى منه مسلمو فلسطين هو جيش شجاع تجسّد في جنوده الإيمان، أحبّ الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ، وفهم مبدأه الإسلامي، وواجب الاستجابة لأمر ربهم: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.


فما الذي يمكن أن يوقف التطهير العرقي للفلسطينيين على يد هذا الكيان الصهيوني العنصري ويعيدهم إلى وطنهم إلا اقتلاع كل شبر من هذا الاحتلال الغاشم على يد جيش إسلامي يدرك واجبه الإسلامي في تحرير كامل أرض فلسطين.


أخواتي العزيزات، لا نهاية لسفك الدماء، ولا نهاية لآلام ومعاناة المسلمين في فلسطين، ولا نهاية لدموع الأمهات الحزينات والأطفال الأيتام دون تعبئة جيوش المسلمين لتحرير فلسطين كلها من هذا الاحتلال الهمجي الذي لا يفهم إلاّ لغة الإرهاب والقتل الجماعي. هذا هو الحلّ الإسلامي والعملي والدائم الوحيد لإنهاء هذا الكابوس الذي دام سبعة عقود، وجيوشنا هي التي تملك الدبابات والطائرات والذخائر والجنود لوقف حمام الدم هذا وتحرير بلاد المسلمين! فإذا كانت القوى الغربية قد وحدت أسلحتها وثرواتها لدعم تنفيذ الصهيونية للإبادة الجماعية، أفلا ينبغي لجيوشنا الإسلامية أن تتحد لإنقاذ إخوانهم وأخواتهم من حمام الدم هذا؟!


لكن قد يقول البعض إن تعبئة جيوش المسلمين لتحرير فلسطين حلم، وهو غير واقعي، بل مستحيل؛ لأن القوى الغربية وغيرها من الداعمين للكيان الصهيوني ستوحد جيوشها لمحاربة أي قوة محررة من بلاد المسلمين.. ولكنني أسأل: منذ متى يكون تنفيذ أي أمر من أوامر الله سبحانه وتعالى حلماً، وغير واقعي، ومستحيلاً بالنسبة لأولئك الذين لديهم إيمان؟ أليس الله هو العليم الخبير الحكيم؟ ألا يعلم ما هو الواقعي وما هو غير الواقعي؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؟


أخواتي العزيزات، ما مدى واقعية قيام دولة صغيرة في المدينة المنورة بهزيمة الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية الجبارتين؟ ما مدى واقعية أن يواجه صلاح الدين الأيوبي تحالف الجيوش الصليبية الألمانية والفرنسية والبريطانية ويحقق النصر في معركة حطين ويحرّر القدس؟ وكم كان من الواقعي أن يقاتل القائد الشاب طارق بن زياد جيش القوط الغربيين في إسبانيا الذي قيل إنه أكبر بعشر مرات من جيشه ومع ذلك يهزم عدوه، ويخضع معظم شبه الجزيرة الإيبيرية لحكم الإسلام، في أقل من عقد من الزمان؟ ما مدى واقعية كل هذا؟ ونحن كمسلمين نعلم من سيرتنا وتاريخنا الإسلامي وديننا أن قوتنا وانتصاراتنا لا تعتمد على عددنا أو ميزان قوتنا السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، فإن الله سبحانه وتعالى يحدد ما يحقق النصر عندما يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. هذا وعد الله ولن يُخلف الله وعده.


ولكن بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن أمتنا ضعيفة، فإنهم مخطئون للغاية، لأننا عملاق من حيث القوة البشرية والموارد والقوة العسكرية؛ حيث يبلغ عددنا 2 مليار نسمة، وتمتلك أراضينا الإسلامية ما يقرب من 75% من نفط العالم وحوالي 55% من احتياطي الغاز في العالم. ويمتلك الشرق الأوسط وحده حوالي 50% من احتياطيات النفط العالمية، وتسيطر قطر على ثالث أكبر احتياطي للغاز الطبيعي وكانت أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال في عام 2022. وتمتلك الأراضي الإسلامية بعضاً من أكثر المجالات الجوية والممرات المائية استراتيجية؛ مضيق هرمز بين عمان وإيران ويمر عبره 40% من نفط العالم؛ وقناة السويس في شمال شرق مصر التي تربط الأسواق الآسيوية بالبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.


ألا يكفي كل هذا لشلّ اقتصاد الكيان الصهيوني، إذا كانت هناك إرادة سياسية لذلك من حكام المسلمين؟ ألا يوفر كل هذا ما يكفي من القوة لبث الخوف في قلوب داعمي هذا الاحتلال ليعيدوا النظر في دعمهم الثابت لهذا الكيان القاتل، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى قيادات بلاد المسلمين؟ ومع ذلك، يتلقى الاحتلال اليوم 60% من نفطه من بلدين مسلمين؛ هما كازاخستان وأذربيجان. ونحو 40% من نفط الاحتلال يتدفق عبر تركيا، رغم خطابات أردوغان النارية ضد الكيان الصهيوني! لقد فرض هذا الاحتلال حصاراً وحشياً على غزة منذ 17 عاماً؛ ومع ذلك فإن حكام العالم الإسلامي الحاليين لا يملكون في قلوبهم محاصرة الكيان الصهيوني ولو ليوم واحد! في الواقع، في اجتماع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في الرياض يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر، ومع تكثيف المذبحة الجماعية للمسلمين في غزة، قامت أنظمة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب والأردن ومصر وغيرها وعرقلت مقترحات قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني، ورفضوا ما يلي: "منع نقل المعدات العسكرية الأمريكية إلى كيان يهود من القواعد الأمريكية في المنطقة؛ وتجميد كافة الاتصالات الدبلوماسية والاقتصادية مع كيان يهود؛ والتهديد باستخدام النفط كوسيلة للضغط؛ ومنع الرحلات الجوية من وإلى كيان يهود عبر المجال الجوي للدول العربية". لا حول ولا قوة إلا بالله! إن خيانة حكام هذه الأمة ليس لها حدود!


إن هؤلاء الحكام والأنظمة المزروعة في الغرب هم الذين استعانوا بمصادر خارجية للأراضي والمجال الجوي والقواعد العسكرية والموارد وحتى جيوش هذه الأمة للقوى الغربية لدعم مواقعهم الصهيونية، وخوض الحروب لصالح أسيادهم الغربيين بدلاً من إنقاذ المسلمين المضطهدين في جميع أنحاء العالم! إن هؤلاء الحكام والأنظمة هم الذين كانوا بمثابة الحرس المتقدم لهذا الاحتلال، حيث وفروا له الغطاء والحماية والدعم لاستمرار وجوده لمدة سبعة عقود مظلمة طويلة! لقد زرعوا اليأس والانهزامية في أذهان المسلمين، بحيث لا يمكننا أبداً هزيمة أعدائنا؛ من خلال خيانتهم المتوالية لهذه الأمة. وهؤلاء الحكام والأنظمة المزروعة في الغرب، هم الذين كانوا ولا يزالون، منذ هدم الخلافة في عام 1924م، العقبة الرئيسية أمام تحقيق هذه الأمة انتصارات للمسلمين ودينهم؛ بما في ذلك تحرير الأرض المباركة، فلسطين!


أيتها الأخوات، لن نحقق النصر أبداً في فلسطين أو سوريا أو كشمير أو على أي من أعدائنا في ظل استمرار حكم هؤلاء الحكام والأنظمة الخونة وأنظمتهم الفاسدة. يجب إزالتهم وجلب قيادة ونظام يفهم واجبه الإسلامي في أن يكون حارساً وحامياً ودرعاً للمسلمين؛ وفقاً لقول نبينا ﷺ «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قيادة تستجيب لأمر الله بالدفاع عن المسلمين المستضعفين أينما كانوا، وتحرير جميع أراضي المسلمين المحتلة؛ قيادة تقف بإخلاص مع ديننا والمسلمين ضدّ أعدائها؛ قيادة ستكسر أغلال الاستعمار في بلادنا الإسلامية وتحشد جيوش المسلمين للقيام بدورها الحقيقي كمدافعين عن الأمة ودينها.


القيادة الوحيدة التي يمكنها تحقيق كل ذلك هي القيادة الإسلامية الحقيقية ونظام الله سبحانه وتعالى، الخلافة على منهاج النبوة، لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ». إن دولة الخلافة هي التي ستوحّد بلاد المسلمين ومواردها وثرواتها وجيشها لبناء قوة عظمى، تمارس قوة سياسية واقتصادية واستراتيجية وعسكرية هائلة، وتستخدم نفوذها لبث الرّعب في قلوب أي أمة تجرؤ على إيذاء الناس، والمسلمين أو دينهم. إنها هذه الدولة التي أرسلت في القرن التاسع جيشاً ضخماً لإنقاذ امرأة مسلمة واحدة في عمورية بتركيا، والتي أسرها الرومان وأساءوا معاملتهم. كانت هذه الدولة هي التي استجابت لصرخات النساء المسلمات اللاتي سجنهن الملك الهندوسي الهندي الظالم في القرن الثامن، رجا ضاهر، فحشدت جيشاً هائلاً لإنقاذ هؤلاء النساء. وكانت هذه الدولة هي التي أرسلت في القرن السادس عشر أسطولاً من 36 سفينة إلى إسبانيا لإنقاذ 70 ألف مسلم من الأندلس الذين كانوا يضطهدون من قبل حكامها النصارى وقاموا بتوطينهم في أراضي الخلافة. وفي ظل هذه الدولة عاش المسلمون والنصارى واليهود جنباً إلى جنب في سلام، وتمتعوا بنفس الرخاء وحقوق الرعوية. وفي ظل هذه الدولة تحررت فلسطين قديماً من براثن الصليبيين النصارى، وفي ظل هذه الدولة ستتحرر فلسطين من جديد من براثن الصليبيين الصهاينة بإذن الله!


لكن أيتها الأخوات، هناك عائق آخر أمام تحرير فلسطين وإقامة الخلافة، وهو السم، سم القومية الذي حقنته في هذه الأمة القوى الاستعمارية الغربية التي رسمت خطوطا وهمية في الرمال وفي قلوبنا. العقول تقسمنا إلى دول قومية؛ على أمل ألا نتوحد أبداً لنصبح قوة هائلة وقوة عالمية تحت حكم الخلافة مرةّ أخرى إلى الأبد. أخواتي العزيزات، لقد استخدم حكام وأنظمة البلاد الإسلامية القومية هذه الحدود الوطنية التي تقسّم هذه الأمة كذريعة للتقاعس عن العمل، للجلوس مكتوفي الأيدي وتقييد جنودهم في ثكناتهم بينما أمتهم في فلسطين وسوريا وكشمير وأماكن أخرى ينزفون، ويتصرفون كما لو أن هذه الإبادة الجماعية هي مشكلة أجنبية لا علاقة لها بأمتهم، وكأن المسلمين هناك مواطنون أجانب في أراض أجنبية ليس لهم أي واجب تجاههم، فقط يحشدون جنودهم للدفاع عن عروشهم وأنانيتهم، متجاهلين قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، القومية والمصالح الوطنية هي السلاح الذي يستخدمه هؤلاء الحكام لتبرير اتفاقيات التطبيع والتعامل مع الكيان الصهيوني القاتل، ورمي المسلمين الفلسطينيين إلى الذئاب.


أخواتي العزيزات، إن الهجوم على المسلمين في فلسطين وفي أي مكان آخر ليس مشكلة أجنبية؛ إنها مشكلتنا كمسلمين. إن الهجوم على غزة ليس حرباً فلسطينية، أو حرباً عربية، بل هي حرب على هذه الأمة ودينها؛ إنها حربنا، وهي حرب يجب على جيوشنا الإسلامية أن تأخذ فيها الواجهة الأمامية لحماية إخوانهم وأخواتهم؛ من أجل قول نبينا ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ». أخواتي العزيزات، ربما يكون المستعمرون الغربيون قد رسموا خطوطا في الرمال لتقسيم بلادنا الإسلامية، لكنهم فشلوا في رسم خطوط في قلوبنا لتقسيم هذه الأمة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قلوبنا اليوم تنبض مع فلسطين كما كانت دائما مع هذه الأمة، بما في ذلك في جيوشنا الإسلامية، الذين ينتظر الكثيرون منهم فرصتهم للسير على خطا صلاح الدين الأيوبي وتحرير القدس.


أخواتي العزيزات، إذا كانت قلوبنا تنبض مع فلسطين، وإذا كان لدينا غضب وكراهية تجاه الكيان الصهيوني وجرائمه في حق أمتنا، فلا بد أن يكون هناك غضب وكراهية تجاه مرض القومية والحدود الوطنية وسياسة الدولة القومية التي ساعدت في تأسيس وتعزيز والحفاظ على هذا الاحتلال القاتل. إننا ندعوكم إلى التخلص من هذه الحدود الوطنية وسياسات الدولة القومية والأنظمة القومية التي تصيب بلادنا الإسلامية وتؤدي إلى تآكل أواصر الأخوة الإسلامية. ارفضوا هذه المفاهيم السامة والحواجز المصطنعة التي هي وليدة الاستعمار الغربي مثلها مثل الكيان الصهيوني، وادعوا إلى وحدة هذه الأمة في ظل نظام واحد، ودولة واحدة تنفذ أوامر ربكم؛ الخلافة على منهاج النبوة.


بالنسبة للأخوات، لا نهاية لدموع نساء وأطفال فلسطين إلا بتحريرها بالكامل، ولا تحرير إلا بتعبئة جيوش المسلمين، ولن تتم تعبئة جيوش المسلمين دون القيادة الإسلامية المخلصة لدولة الخلافة. لذا أيتها الأخوات، وجهن النداء بصوت عال وواضح إلى من هم في جيوش المسلمين، باستخدام كل وسيلة وأسلوب وفرصة متاحة لديكم؛ وسائل التواصل الإلكتروني، ووسائل الإعلام الإسلامية، والتجمعات، والاحتجاجات، وخاصة أولئك الذين تعرفونهم في هذه الجيوش للمطالبة بذلك: لتتحرك جيوشنا بشكل عاجل للدفاع عن المسلمين في فلسطين وأن يقدموا النصرة لإقامة دولة الخلافة التي ستقتلع هذا الاحتلال وتوقف الإبادة الجماعية إلى الأبد. ذكروهم بواجبهم تجاه الله وأمتهم. ارفعوا هذا النداء حتى يصل إلى آذان صلاح الدين القادم الموجود بين جيوشنا وينتظر دوره ليصبح محرر القدس التالي وبطل هذه الأمة. هذا هو مدى أهمية كلماتكنّ وأفعالكنّ أيتها الأخوات! احملن هذه الدعوة بكل جهودكن حتى تروا قريباً بإذن الله تحرير فلسطين وسوف تفرح قلوبكم عندما تسمعون تكبيرات أمتكم يتردد صداها في هذه الأرض المباركة!


وكلمتنا الأخيرة لإخواننا المخلصين في جيوش المسلمين، فنحن نعلم أن قلوبكم تنزف وأنتم ترون الرجال والنساء والأطفال المذبوحين في غزة. نحن نعرف دموع الأمهات الحزينات والأطفال الأيتام يبكون على روحكم. نحن نعلم الغضب الذي يملأ قلوبكم وأنتم تشاهدون أخواتكم يتعرضن للإهانة وتدنيس الأقصى. ونعلم أن قلوبكم تنبض مع قلوبنا مع فلسطين. إذاً، ما الذي يمنعكم من القيام بواجبكم كمدافعين وحماة ومحررين لأمتكم؟ فهل هو ولاؤكم لهؤلاء الحكام الجبناء الذين باعوا فلسطين للكيان الصهيوني، وباعوا أرواحهم لمن بذلوا عروشهم وحافظوا عليها؛ الحكام الذين أهانوا اسمكم بتقييدكم في ثكناتكم بينما تنزف أمتكم؟ كيف يمكنكم أن تتحملوا خدمة هؤلاء الحكام الذين جعلوا حياتهم المهنية من خيانة المسلمين ودينكم، وأظهروا ولاءهم للعدو علناً ومنعوكم من أداء دوركم الحقيقي كمدافعين عن المسلمين؟! ما هي أسلحتكم وتدريباتكم وقوتكم العسكرية إن لم تكن لحماية أمتكم وتحرير الأقصى؟! نساء وأطفال غزة يصرخون طلباً لحمايتكم، فهل ستستجيبون؟ ماذا ستقولون عندما يسألكم الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً﴾؟! إلى متى ستظلون صامتين وإخوانكم يُقتلون؟!


ألا ترغبون في أن تنالوا الشرف العظيم في الدنيا والآخرة بأن تكونوا الذين حرّروا أرض مسرى نبيكم الحبيب ﷺ؟ ألا تريدون احتضان الإرث المجيد للقادة المسلمين العظماء في الماضي؛ صلاح الدين الأيوبي، ومحمد بن قاسم، ومحمد الإيمان، الذين تم تكريمهم كأبطال لهذه الأمة في كل العصور لتحقيق انتصارات عظيمة لدينهم؟ ثم ندعوكم للنهوض والتحرّك وإسقاط عروش هؤلاء الحكام الخونة، والتخلي عن هذه الحدود الوطنية الكاذبة التي فرضها الاستعمار بين أراضينا والتي كانت تفرقنا وتمنعكم من أداء دوركم الحقيقي، وتوجهوا إلى القدس، ازحفوا إلى رضوان ربكم، سيروا إلى هتافات أمتكم لتحرير فلسطين، فالنصر أو الشهادة ينتظركم. وكونوا أنصار اليوم بإعطاء نصرتكم لإقامة الخلافة الراشدة الثانية، فتنالوا شرف سعد بن معاذ رضي الله عنه، الذي حضر جنازته 70 ألف ملك؛ ما يعكس حجم التكريم الذي حظي به من أعطى النصرة لدولة النبي ﷺ في المدينة المنورة. ويا أبناء جيوش المسلمين المخلصين، إن أمتكم تشتاق إلى اليوم الذي نسمع فيه هتافكم الله أكبر وأنتم تدخلون القدس وقد حررتموها وفلسطين كلها من هذا الاحتلال الخبيث. إننا نشتاق إلى اليوم الذي نراكم فيه ترفعون راية لا إله إلا الله مرةً أخرى فوق المدينة، فتجعلونها عاصمة الخلافة الراشدة الثانية بإذن الله. يا جنود جيوش المسلمين! أبواب الجنة مفتوحة لكم؛ أعظم شرف ينتظركم، كونكم من حرروا الأقصى. الله سبحانه وتعالى خلفكم! أمتكم خلفكم! إذن ما الذي تنتظرونه؟ لا تتأخروا! لقد حان وقت العمل!

د. نسرين نوّاز
مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر