ثورات شرعية أم فتن مُضلّة
May 19, 2011

  ثورات شرعية أم فتن مُضلّة

كثيرا ما نسمع هذه الأيام من منتقدي الثورات في العالم الإسلامي حديثاً عن وصف ما يجري بأنه فتنة، ويحاول بعض المنتقدين إلباس دعواهم لبوساً شرعيا ليضفي عليها نوعاً من القدسية أو الموضوعية لتجد آذاناً صاغية عند بعض الناس، فيما يرى الأعم الأغلب من الناس أنّ ما يجري هو ثورات على الظلم والفساد للتخلص من جور واستبداد الحكام الطواغيت.

وحتى نكون منصفين في نظرتنا لكِلا الطرفين لا بد من محاكمة الرأيين بميزان العدل الذي لا يزيغ عن الحق، ألا وهو ميزان الشرع الحنيف، وكذلك لا بد من إدراك الواقع السياسي الذي أفرز هذه الآراء حتى يكون حُكمنا شرعياً مستنداً إلى فهم الواقع فهماً دقيقاً، فلا نغترّ بقول هؤلاء ولا نميل مشاعرياً تعاطفاً مع هؤلاء، لأن المؤمن كما قال عليه السلام «كيّسٌ فَطِن» فلا ينخدع بالشعارات البراقة، ولا ينساق وراء بدع المضلّين.

إنّ الذين وصفوا هذه الثورات بأنها فتن كانوا صنفين من الناس: الصنف الأول هم علماء السلاطين الذين يدافعون عن الحكام يفصّلون لهم الفتاوى المشبوهة للحفاظ على كراسيهم وبقائهم جاثمين على صدور الناس، يتبعهم في ذلك أبواق الأنظمة القمعية من إعلاميين وصحفيين وكتّاب وسياسيين ومن لفَّ لفّهم من المنتفعين من وجود هذه الأنظمة، والصنف الثاني هم بعض المخلصين من العلماء الذين رأوا أنّ اقتتال المسلمين فتنة يجب إيقافها أو الابتعاد عنها حقناً لدماء المسلمين، يتبعهم في ذلك بعض المخلصين من المسلمين الذي لا يحبّون أن يروا دماء المسلمين تُراق، وخاصّة على أيدي إخوانهم من المسلمين.

وقد استند القائلون بالرأي الثاني على أحاديث الفتن التي وردت في كتب الصّحاح، ومنها قوله عليه السلام: «تكون فتنٌ، النائمُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الراكب، والراكبُ فيها خيرٌ من المُجْري، قتلاها كلُّها في النار...» (رواه أحمد)، وقال عليه السلام «ستكون فتنُ غِلاظٌ شِدادٌ، خيرُ النّاسِ فيها مُسْلِموا أهلُ البَوادي، الذين لا يتَنَدّون من دماء الناس ولا أموالهم» (رواه الطبراني) وكذلك قوله عليه السلام: «إن بَيْنَ يَدي السّاعَة فِتناً كقِطَعِ الليل المُظْلِم، فتنٌ كقطَعِ الدّخَان، يموتُ فيها قلبُ الرجُل كما يموت بَدَنُه، يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبحُ كافراً، يبيعُ أقوامٌ خَلاقُهم ودينهم بعرضٍ من الدنيا» (رواه أحمد).

لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث السابقة حالة الفتنة التي يجب اعتزالها وعدم الخوض فيها وهي حالات كما قال الفقهاء: منها اقتتال طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحد منهما، وعدم ظهور المُحقّ من المُبطِل في القتال، وهذه لا يجوز الإشتراك فيها كما قال الإمام أبو حنيفة: (إذا وقعت الفتنة بين المسلمين فينبغي للرجل أن يعتزل الفتنة ويلتزم بيته)، وقال الشوكاني: (هي القتال لطلب المُلك) أي صراع غير مشروع على السلطة، أما إذا كانت الدولة طرفاً في النزاع وكانت الرئاسة فيها سلطة شرعية، وجب نُصرة صاحب السلطة كما ورد عن الإمام مالك قوله: (إذا خرج خارج على الإمام العدل- مثل عمر بن عبد العزيز -، وجب الدفع عنه، فأما غيره فَدَعْه، ينتقم الله من ظالم بِمثلِه) (أحكام القرآن).

مما سبق نتبيّن أن الإشتراك في الفتنة الواقعة بين طائفتين ظالمتين من المسلمين يَحْرُم شرعاً ولا يجوز المشاركة فيه لتضافر الأدلة على ذلك وإجماع علماء الأمة على حُرمة المشاركة فيه، قال عليه السلام: «إذا رأيتَ النّاسَ يقتتلون على الدّنيا، فاغمد بسيفكَ على أعظمِ صخرةٍ في الحَرّة، فاضرب بها حتّى يتكسّر، ثم اجلس في بيتِك» (رواه الطبري)، ولكن واقع الثورات التي تدور في العالم الإسلامي اليوم، لا علاقة لها بموضوع الفتنة، فهي ليست قتال بين طائفتين ظالمتين من المسلمين على أمر من أمور الدنيا، ولا هي قيام على حاكم شرعي أخذ بيعته من الأمة حتى يوصف المطالبون بالإصلاح أنّهم «بُغَاة»، بل إن واقع هذه الثورات لا يتعدّى خروج الناس للمطالبة بأدنى حقوقهم الشرعية من تحقيق العدل ورفع الظلم عنهم، ومحاسبة المجرمين الفاسدين. وقد أوصلت وحشية الأنظمة هذه الثورات إلى المطالبة برحيل هذا النظام المجرم أو ذاك القمعي عندما أوغلت بدماء المسلمين العزّل.

إذا فما هو واقع هذه الثورات في الفقه الإسلامي؟ وهل يجوز خروج الناس للمطالبة بحقوقهم الشرعية، بل هل يجوز حتى قتال تلك الأنظمة المستبدّة ورفع السلاح في وجهها إذا لزم الأمر؟ وهل يأخذ أولئك الخارجون على النظام حكم «البُغَاة» ؟ وغيرها من التساؤلات الشرعية التي تحتاج إلى الوقوف عندها.

إنّ السلطة في الإسلام للأمة، تعطيها للحاكم بموجب عقد بينها وبينه على أن يحكمها بكتاب الله وسنة رسوله، قال عليه السلام: «من بايع إماماً فأعطاهُ صفقةَ يده وثمَرَةَ قلبه فلْيُطِعهُ إن استطاع» (صحيح مسلم)، وقال أيضاً: «..ولو استُعْمِلَ عليكم عبدٌ يقودكم بكتاب اللهِ فاسمعوا وأطيعوا» (رواه مسلم)، وقال: «وإن أُمّر عليكم عبدٌ حبشيٌ مُجَدّع، فاسمعوا وأطيعوا ما أقام فيكم الصلاة» (صحيح مسلم). هذه الأدلة وغيرها الكثير تدلّ على وجوب طاعة الإمام المسلم الشرعي الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وتُحّرم الخروج عليه، قال عليه السلام: «من خَرجَ من الإمامِ شِبراً ماتَ ميتةً جاهليّة» (صحيح البخاري)، أما واقع حكام المسلمين اليوم، فلا يوجد بينهم من تولّى أمر المسلمين بطريقة إسلامية، وليس بينهم من حكم بكتاب الله وسنة رسوله، بل جميعهم ودون استثناء، من جاء على ظهر دبابة أمريكية، أو بريطانية أو فرنسية، أو قام بانقلاب عسكري على من سبقه وجثم على صدور الناس عقوداً دون رضاهم، ومنهم من قتل أباه وجلس مكانه، ومنهم من ورث الملك غير الشرعي عن أبيه وجدّه، ومنهم من جاء بانتخابات مزوّرة بنسبة 99.9% مستخفاً بعقول الناس، أما حكمهم بالإسلام، فليس منهم من حكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إنّ أحسنهم حالاً من ادّعى في دستور الدولة، أنّ الإسلام مصدر رئيس من مصادر التشريع، ومع أنه يدّعي أنه مصدر من مصادر التشريع، إلا أنه لا يُطَبّق إلا في الطلاق والزواج والميراث على أحسن تقدير. وعلى ذلك يكون حكم هؤلاء الحكام في أحسن الأحوال أنهم «مغتصبي سلطة» يقول الدكتور محمد خير هيكل في كتاب (الجهاد والقتال في السياسة الشرعية): (لا يصبح المتغلّب خليفة بمجرّد السيطرة على السلطة، بل إذا رضي الناس وبايعوه، أصبح خليفة حينئذٍ بهذه البيعة، وإذا رفضوا بيعته، بقي حاكماً مغتصباً للسلطة....وأما المغتصب فإنه يظلّ مغتصباً مهما تقادم العهد على هذا الإغتصاب).

وعلى ذلك نسأل، هل يجوز خروج الناس في المظاهرات للمطالبة بحقوقهم الشرعية؟ وهل الثورات التي تجري في العالم الإسلامي اليوم شرعية؟ وللإجابة على هذا السؤال يذهب الدكتور محمد هيكل إلى ما هو أبعد من ذلك فيقول: (يقول عليه الصلاة والسلام: «من قُتِل دون ماله فهو شهيد» وجاء في مسند أحمد بن حنبل قول النبي «من قُتِل دون مظلمته فهو شهيد» واغتصاب السلطة من الأمة هو مَظْلَمَة من المظالم، ومن حقها أن تقاتل في سبيل استرجاع ما اغتُصِبَ منها، ومن يُقتل في هذا القتال فهو شهيد! ويقول عليه السلام في حقّ المغتصِب بصورة عامّة: «على اليد ما أخذت حتّى تؤديه» ولفظ «ما» في الحديث يفيد العموم، فيشمل كلّ ما أُخِذَ ظُلماً واغتصاباً من مالٍ أو أرضٍ أو سلطة أو أيّ شيء. والواجب على هذه اليد المغتصبة أن تُعيد ما أخذته إلى أصحابه، وإلا فإن الإسلام قد شرع القتال في مواجهتها لردّ ما استولت عليه).

وعلى ذلك يتبيّن أن خروج الناس للمطالبة بحقوقهم من تلك الأنظمة المستبدة هو خروج شرعي، حتى ولو طالبت بسقوطها، مع أن تلك الثورات لم ترفع السلاح ابتداءً في وجه الأنظمة، بل خرجت مطالبة بحقوقها بدعاوى سلمية، ولكن أولئك المجرمين هم الذين طاردوا المسيرات بالرصاص والمدافع والقتل والتنكيل، فلا يقال أن المطالبين بحقوقهم هم من تسبب في إراقة دماء الأبرياء، وبالتالي فإن خروجهم سبب فتنة، لا يقال ذلك أبداً، لأن صاحب الحق لا يقال عنه معتدي، ولا يقال لمن يُقتَلُ برصاص المجرمين أنه سبب فتنة، بل إن القاتل هو الذي يجب أن يحاسب على إجرامه وليس المعتدى عليه الذي يطالب بحقه المسلوب، بل إن وصف المطالبين بحقهم بأنهم أهل فتنة هو وصف مضاعف الإجحاف، أولها لأنه يريد أن يحرمهم من المطالبة بحقهم ويمد في عمر الإستبداد والظلم، والثانية، أنه يصفهم بأنهم مسبّبي فتنة، وذلك غاية الظلم.

على أنّ طريقة تنصيب الحاكم المسلم وإقامة حكم الله في الأرض باستئناف الحياة الإسلامية لا تكون بحمل السلاح في وجه الأنظمة المستبدّة، ولا بالخروج للمطالبة بإسقاط الحاكم فقط، بل بالخروج للمطالبة بإسقاط النظام الفاسد الظالم واستبداله بنظام الإسلام الكامل، لا ديمقراطية ولا وطنية ولا قومية، بل نظام خلافة عادل شامل، يُنَصّب فيه الحاكم المسلم بالبيعة الشرعية التي تعطيها الأمة للإمام عن رضىً واختيار، يحفظ الأمة وتحفظه الأمة، يقيم حدود الله بالعدل، ويردّ الحقوق إلى أهلها، يعيد للأمة مكانتها بين الأمم، يسير بها وتسير معه لقيادة العالم إلى عدل ونور الإسلام الذي طالما تاقت البشرية إليه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير الأستاذ أبو زيد

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن