ثورة الشام والنظام العالمي المنهار
July 11, 2018

ثورة الشام والنظام العالمي المنهار

ثورة الشام والنظام العالمي المنهار

لم يصل النظام العالمي في التاريخ الحديث لمرحلة الهاوية والانحدار والتساقط كما هو اليوم حيث نشهد بكل وضوح مظاهر تخبطه وتهاونه ودلائل السقوط الذي يقترب منه رغم كل مساعيه للهروب من حتفه اليقيني هذا.

لا نتحدث عن الانهيار المالي العالمي الذي تنبأ به الاقتصاديون كأمثال ريكاردز الذي تنبأ بيوم أسود أشد من الخميس الأسود في 24 تشرين الأول/أكتوبر عام 1929 والذي أدى لشل أمريكا وتبعها العالم ونتج عنه انهيارات في القطاعات المالية والصناعية أدت لبطالة أكثر من 30 مليون عامل. بل نتحدث عن سقوط مدوٍ للنظام الرأسمالي الظالم الذي لم تبق أسباب لبقائه.

والجدير بالذكر أنه لو تأخر إسقاط الدولة الإسلامية في إسطنبول خمس سنوات لانتصرت على أعدائها الغربيين ولقضت على جيوشهم نتيجة الخميس الأسود هذا الذي سقطت فيه الرأسمالية وبان عوارها، ولكن لله حكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى. بل ربما نستطيع القول إن هذا الانهيار أتى نتيجة الحرب العالمية ضد الدولة الإسلامية التي أسقطها الغرب فكان غضب من الله تعالى على أولئك الذين ظنوا أنهم خرجوا منتصرين من حربهم مع الله تعالى فأسقطوا شريعته وأزالوا الدولة التي بناها الرسول عليه الصلاة والسلام.

والمتتبع لأحوال العالم إبّان إسقاط الدولة العثمانية وما كانت عليه الدول من تناحر فيما بينها واتفاق مع بعضها ضد المسلمين، لوجد تشابهاً كبيراً بين تلك الفترة وبين ما يمر على العالم هذه السنوات، حيث نجد الدول المتناحرة جَمَعها كرهُها للإسلام وللمسلمين فالتقوا رغم كرههم لبعضهم واجتمعوا على المسلمين لقتلهم والتنكيل بهم. وما دفعهم لإسقاط أقنعتهم التي تواروا خلفها منذ الحرب العالمية الأولى تحت مسميات الحرية والديمقراطية إلا ثورات العالم الإسلامي عامة وثورة الشام خاصة.

لقد أضافت ثورة الشام لأبجديات العلاقة بين الشرق والغرب حروفاً وكلمات لم تكن معروفة من قبل، بل غيّرت حتى طريقة التعاطي بين الفرقاء، فكيف لثورة ضعيفة هشّة أن تصمد سنوات قاربت على الثماني بل وتفرض أبجديتها على العالم كله ثم تصيبه بالشلل الفكري والعسكري ثم تجره لاتباع شروطها والأكل على مائدتها والنوم في أحضانها؟

كيف لشعب أصابه التعب والإنهاك من عذابات نظام بعثي ملحد أن يقف بقوة يتحدى العالم أجمع بصدر عار وبهامة مرفوعة تنظر إلى السماء وتنشد القيادة، محلقاً كالعُقاب في سماء الغدر واللاإنسانية؟

لم تكن ثورة الشام ظاهرة عابرة ولن تصبح أبداً نسياً منسياً، فمن يدقق في منطق التاريخ يرى من مظاهر التقلب بين هزيمة ونصر العجب العجاب، فكم من منتصر سقط في هزيمة منكرة كان نصره سبباً لها، وكم من مهزوم ارتقى لنصر مظفر كانت هزيمته هي الحلقة المهمة في مسيرة انتصاره؟

فلو لم يُلقَ يوسف عليه السلام في الجبّ لما أصبح زعيماً في مصر، ولو لم يُلق موسى الرضيع عليه السلام في اليمّ لما قاد قومه في وجه الطاغوت، ولو لم يحاربه قومه لما انتصر نوح عليه السلام بسفينته وصار الأب الثاني للبشرية. وهكذا هي سنن الكون لا ندركها إلا بعد أفولها ولا يستقي منها المرء فحواها إلا بعد أجيال من حدوث ما حدث.

لقد خان إخوة يوسف أباهم وغدروا بيوسف لكنه انتصر عليهم وكان سيداً للجميع، وقد خان بنو إسرائيل موسى وغدروا به فعبدوا الطاغوت ونسوا الله، فنصره الله عليهم. وقد عادى إبراهيم أباه وقومه فوضعوه في النار ليحرقوه فنصره تعالى عليهم وهو فرد ضعيف فكان أبا المسلمين، وكذلك كان إخراج رسول الله وصحبه عليه الصلاة والسلام من مكة إيذاناً بنصره رغم ضعفه وقلة عدد أتباعه. وهذا ما نراه اليوم من خيانات وغدر في ثورة أدارت ظهرها للنظام العالمي فرماها أهل الكفر كلهم عن قوس واحد، فهل أسقطوها؟

انتقلت ثورة الشام من مرحلة إلى أخرى خلال سنواتها المتتابعة ولم تقف عند حال واحد مما يؤكد حيويتها وقوتها الخفية، فلو ثبتت على حال كما ثورة تونس وثورة مصر لتم القضاء عليها بسرعة، لكنها كانت بقوة إلهية عجيبة تتبدل وتتحول من حال إلى حال ومن ضعف إلى قوة كالذي يغذي عدوه من خلال ضربه بطاقة متحولة يتلقفها ويبتلعها ثم يقوى بها ضد عدوه.

لقد سُقط في يد الواقعيين - الذين اتخذوا الواقع مصدراً لتفكيرهم ولحياتهم - حين رأوا ترنح ثورات العالم الإسلامي وسقوط بعضها وتراجع بعضها الآخر فكفروا بها قبل أن تكفر بهم، فكانوا والثورات تلك ككير المدينة ينفثهم كما ينفث خبثه خارجها. لكنهم لو علموا أن الإسلام يفرض عليهم أن يجعلوا الواقع الذي هم فيه موضع تفكيرهم لا مصدره لتمكنوا من الوصول للنصر بسرعة تشبه سرعة الفتوحات الإسلامية التي أدهشت العالم كله.

لقد تعاقب على وأد ثورة الشام قوى كثيرة لا عدّ لها، لم يكن أولها تنظيم الدولة الذي زيّف اسم الخلافة وشوّه عظمتها، ولن تكون حوران وخيانات ضفادعها آخرها، ولكنها لم تتمكن منها رغم قضها وقضيضها، فأضافت ثورة الشام للتاريخ علوماً احتار فيها أهل الكفر وتاهت قراراتهم، فما بال هذه الثورة لا تتوقف ولا يُقضى عليها ولا تموت رغم إعلان فصائل منها موتها السريري؟ ومن القاتل ومن المقتول هنا؟ فالنعوش التي يحملها الروس والإيرانيون والأمريكان وحلفاؤهم في الظلام لجنودهم المغدور بهم لا تعطي صورة النصر الذي يزعمون! بل والمنتصر عادة هو من يوقف القتال ويستولي على الأرض التي انتصر عليها ويعود أدراجه إلى قواعده، لكننا نرى في الشام جيوشاً منتصرة تنهزم بيأسها وتتعثر في عودتها فيزداد صراخها وعويلها مما ينم عن هزيمة نكراء قد لا تتضح لنا إلا بعد انقشاع غيوم الخوف والحيرة بشمس الإيمان بالله والتوكل عليه حق توكله.

ازدادت ثورة الشام صموداً فازدادت الحالة الاقتصادية في العالم سوءاً، أشهرت أمريكا سيفها التجاري في وجه أوروبا فزحف المارد الصيني ليأخذ مكاناً له حيث يغيظ أصدقاءه الألد في أمريكا. تخبط ترامب في أموال دول الخليج فهبطت أسهمه وضعف اقتصاده، وبدل أن يعالج المشكلة من الجذور أتى للبثور يضمد جراحها فضيّق على البنوك وعلى رؤوس الأموال بدعوة محاربة (الإرهاب) فانتكس الوضع الاقتصادي العالمي وصار الرأسماليون يبحثون عن ملاذات آمنة لأموالهم فلا يجدونها إلا في أحضان العم سام الذي هو سارقهم وناهبهم والمنكل بهم.

وضعٌ عالمي يسير من سيئ إلى أسوأ؛ فلا المال آمن ولا أصحابه موثوق بهم، ولا بنوك تحمي الاستثمارات ولا حكومات لها من أمر بلادها شيء! هو استعمار عالمي غير مباشر لحكومات قزمة في دولٍ صارت معظمها دول موزٍ لا تهش ولا تنش! مما دفع حكومات ومتنفذين من الذين يملكون أكثر مما تملك دولهم للعمل على إسقاط النظام الاقتصادي العالمي حتى لا يزداد فجوراً فوق فجوره فيحرق نفسه ويحرقهم معه.

وفي نهاية المطاف، يبحث العالم عن بدائل فلا يجد! ويبحث العقلاء عن نظام عالمي أفضل فيعلمون أنه الحق من ربهم، وينظرون إلى البلاد فلا يرون قلوباً نابضة رغم أساها إلا في الشام، فتبقى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تهز أسماع العالم: اللهم بارك في شامنا.. الملائكة باسطة أجنحتها فوق الشام...

أما الاقتصاد العالمي الساقط لا محالة فتقول له ثورة الشام ما قاله سبحانه وتعالى: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾. صدق الله العظيم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس هشام البابا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر