تجريم "التطبيع" في تونس، حملة انتخابية متواطئة مع الصهيونية
November 13, 2023

تجريم "التطبيع" في تونس، حملة انتخابية متواطئة مع الصهيونية

تجريم "التطبيع" في تونس، حملة انتخابية متواطئة مع الصهيونية

قامت سردية وصول قيس سعيد إلى الحكم على فكرة أساسية، هي اعتبار قضية فلسطين قضية محورية تحظى بأولوية مطلقة ضمن اهتمامات الرئيس، الذي لم يمنعه ركوب موجة الثورة بشكل متأخر، من التمسح بها وبشهدائها ومن معانقة واحتضان جرحاها واستحضار أهم تواريخها وأحداثها والمبالغة في الدفاع الكلامي عن أهدافها، محاولا الحفاظ على عادة زيارة "سيدي بوزيد" سنويا، لرمزيتها في إطلاق شرارة الثورة.

سردية "العلوّ الشاهق" هذه، اقتضت أن يجد الأستاذ قيس سعيد نفسه أمام مرشح متورط - حسب ما نشرته وسائل الإعلام آنذاك - في التخابر مع ضابط سابق في جيش كيان يهود (يدعى آري بن مناشي)، بل في التعاقد معه لدعمه كمرشح في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية التونسية سنة 2019.

وهكذا، سارع المشاركون في الانتخابات إلى إنقاذ البلاد من مرشح الصهيونية (نبيل القروي) ليجد قيس سعيد الطريق أمامه مفتوحا إلى قصر قرطاج، بعد أن جعل من قضية فلسطين جزءاً لا يتجزأ من حملته الانتخابية واشتهر في الداخل والخارج بمقولته الشهيرة: "التطبيع خيانة عظمى". يومها صدع حزب التحرير بالقول إن قيس سعيد هو الوجه المزين للنظام.

ثم لم تكد تخلو مناسبة وطنية إلا ويستحضر فيها الرئيس فلسطين، وأهمية فلسطين بالنسبة إليه، حتى يكاد المتابع يجزم أنه من سيقود معركة تحريرها! ولكن ماذا فعل الرئيس مع أول اختبار عملي لكل هذه الشعارات الانتخابية التي لا يزال ينفق من رصيدها المتآكل إلى اليوم طمعا في المرور والبقاء؟!

الجواب ظهر بوضوح في موقفين:

الأول مساء استهداف مستشفى المعمداني في غزة، حيث جمع مجلس أمنه القومي، ولكن بدل توجيه خطابه إلى الجيش الذي يقوده وإلى بقية جيوش المنطقة، ليذكرها بواجبها في الذود عن الأرض والعرض والتحرك نحو نصرة غزة (لا سمح الله)، سارع إلى جعل دماء مئات الأبرياء من أهل غزة، حبرا لصياغة خطاب حماسي يضع السم في الدسم، ويمرر حل الدولة الفلسطينية الهزيلة وعاصمتها شرقي القدس، وهو الحل الذي تنادي به قوى الكفر وعلى رأسها أمريكا. بل راح يشيد بمنظمة التحرير الفلسطينية التي صدعت رؤوسنا بالشعارات الفارغة، مع أنها الأداة الأولى في تصفية قضية فلسطين وإلى الأبد، ويتغنى بالكلمة الأمينة التي تعبر عن الطلقة الشجاعة، مع أننا لم نر جيشا ولا طلقة ولا حتى أمانة في الكلام، بل رأينا كيف حول النظام في تونس أبناء الجيش إلى حرس وعسس على الحدود الاستعمارية والشركات البترولية الأجنبية، وأحيانا على مصبات النفايات المنزلية، على وقع صيحات تعلو من قصر قرطاج بين الحين والآخر، تدق حرب التحرير الوطني ضد من يريدون تفجير الدولة من الداخل. وأي دولة هذه الذي تسوم الناس سوء العذاب وتقتات على موائد القروض الربوية، وتقمع شبعها إذا طالب بأبسط حقوقه على غرار ما حدث في عقارب أو في جرجيس.

أما الموقف الثاني، فهو السقوط السياسي والأخلاقي المدوي، في علاقته بمشروع قانون تجريم التطبيع، تزامنا مع تزايد الهجمات الصهيونية الدموية على قطاع غزة، حيث كنا نعتقد أن تمرير هذا القانون هو مجرد شكليات لحفظ ماء الوجه واستكمال المتاجرة بقضية فلسطين تمهيدا لانتخابات 2024، وظننا بعد النقاشات المطولة داخل البرلمان أن الجبل إذا تمخض فإنه سيلد فأرا، ولكن فوجئ الشعب بسحب قانون تجريم التطبيع بالطريقة نفسها التي حدثت أيام "العشرية السوداء"، وبعجز البرلمان المتمسح بالثورة كذلك عن تمريره، تحت ذريعة الخوف من الإضرار بالمصالح الخارجية لتونس! ليؤكد رئيس البرلمان نقلا عن رئيس الدولة بأن الأمر يتعلق بخانة الاعتداء على أمن الدولة الخارجي، وأن مسألة "تجريم التطبيع" اتخذت طابعا انتخابيا لا أكثر ولا أقل!

وبعبارة أوضح، فإن رئيس الدولة أوكل إلى رئيس مجلس نواب الشعب مهمة نيابته في إيصال الفكرة إلى الشعب، ليقول لهم إن مسألة "تجريم التطبيع" هي مجرد حملة انتخابية في لحظة نضال ثوري مزيّف لكسب الأصوات لا أكثر ولا أقل، ولسان حاله يقول: هل انتظرتم أن نجرم التطبيع فعلا وأن نعادي كيان يهود علنا، وأنظمتنا ما أنشئت إلا من أجل حراسة هذا الكيان وحماية مصالحه ومنع وحدة الأمة وجهادها لتحرير فلسطين؟!

بهذه المواقف المخزية المتنكرة لأهل فلسطين، تسقط ورقة التوت عن نظام العمالة في تونس، كما سقطت في عيون الناس كل الأنظمة التي تشارك كيان يهود جرائمه بصمتها وتواطؤها وخذلانها عن نصرة إخوانها في غزة، على غرار مصر وسوريا، لتشكل جميعها قبة حديدية تحمي "الصهيونية" وتكرس الحدود الاستعمارية، وتعيد الذاكرة بشعوب الأمة إلى سبب البليّة، وهو سقوط دولة الخلافة العثمانية على أيدي مجرم العصر مصطفى كمال أبو العلمانية، مثلما تذكرهم بمقدمات ذلك من وعد بلفور إلى تطبيق اتفاقية سايكس-بيكو الاستعمارية، بما أفضى لاحقا إلى تغييب الإسلام وأحكامه عن قضية اعتبرت مجرد قضية فلسطينية، وفي مقدمة ذلك، أحكام الجهاد في سبيل الله تحت راية الإسلام لإزالة كيان يهود، فهذا هو السبيل الوحيد لمواجهة الصهاينة، لا بقوانين مستمدة من دستور متنكر للإسلام في التشريع...

وعليه، فإن الطلقة الوحيدة التي أطلقها الرئيس قيس سعيد، كانت صوب هذا النظام العلماني المتمسح بقضية فلسطين والمتاجر بها وبدماء شهدائها، أما غيرها من الطلقات ومن الصواريخ، فهي طلقات كلامية فارغة تكشف زيف الديمقراطية والوطنية، وتدق آخر مسمار في نعش هذه المنظومة العلمانية البالية، لتؤكد مرّة أخرى بما لا يدع مجالا للشك بأن قيس سعيد ليس سوى الوجه المزين للنظام الجمهوري العلماني في تونس، واستمرارا لبقائه خطرا جاثما على صدور المسلمين في تونس. هذا النظام الفاجر الذي أرعبته دعوات تحريك الجيوش، فلم يكتف بالجبن والتخاذل في نصرة غزة، بل أرسل أعوانه لاختطاف شباب حزب التحرير واعتقالهم ظلما وعدوانا وتنكيس راية رسول الله ﷺ، بدعوى واهية مضللة مفادها أنها راية حزبية! بل ليستأسد بعضهم على النساء والمشايخ في تظاهرات نصرة غزة، فيقوموا بافتكاك الرايات بالعنف، وفق منطق: أسد عليّ وفي الحروب نعامة!

أما تحرير فلسطين، فهو شرف لا يناله أمثال السيسي وبشار وكل من تقرب إليهم أو سار على نهجهم، فهؤلاء سيجرفهم طوفان الأمة قريبا بإذن الله، وإنما هو اصطفاء رباني لا يقدر عليه إلا رجال أولي بأس شديد، يجعلون كلمة الله هي العليا، ويتحقق على أيديهم وعد الله سبحانه بدخول المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرّة ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

ختاما، وبمناسبة حديث الرئيس عن متواطئين مع الحركة الصهيونية يهدفون إلى "إرباك الدولة" بعد مسرحية تهريب "الإرهابيين" من سجن المرناقية، نذكره بأنه لا يزال يحتفظ على موقع الرئاسة بفيديو زيارته إلى مركز إدارة العمليات في الضفة الشرقية من قناة السويس، والذي فوق تضمّنه لعلم كيان يهود، فإنه يضم عددا من بروتوكولات حكماء صهيون التي يستند إليها أول مؤتمر صهيوني يؤسس للدولة اليهودية إثر انعقاده في سويسرا سنة 1897، والتي يحرسها نظام السيسي ضمن حراسته العلنية لكيان يهود، وفي مقدمتها البروتوكول الثالث: (كل ما يسمى "حقوق البشر" لا وجود له إلا في المثل التي لا يمكن تطبيقها عملياً). وهذا كلّه وأكثر موثق بالفيديو ويراهن فقط على غفلة الأمّيّين (ويقصدون بها غير اليهود)، فهل هناك عاقل سيصدق بعدها أن من دخل إلى هذا المركز سيخرج مدافعا عن قضية فلسطين تحت راية الإسلام؟!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر