تخريج آلاف الحفّاظ لكتاب الله لن يغيّر حال أمّة الإسلام  ما لم يصيروا من العاملين لإقامة الخلافة
تخريج آلاف الحفّاظ لكتاب الله لن يغيّر حال أمّة الإسلام  ما لم يصيروا من العاملين لإقامة الخلافة

 ازداد في الأعوام الأخيرة إقبال المسلمين على حفظ القرآن الكريم وانبرى قسم من أبناء الأمة الإسلامية المخلصين لإنشاء المزيد من الجمعيات القرآنية والانشغال بتعليم المتعلمين لعلوم القرآن من تجويد وقراءات ورسم وضبط وتفسير، أملا في التغيير والأخذ بيد الأمة نحو صلاحها وتغيّر حالها. وقد أنشئت الجمعيات وكثرت، وكثرت أيضا معها المدارس الرقمية والمجموعات الفيسبوكية والمجموعات على الواتساب وغيرها، والشعار واحد هو خدمة القرآن العظيم.

0:00 0:00
السرعة:
February 09, 2023

تخريج آلاف الحفّاظ لكتاب الله لن يغيّر حال أمّة الإسلام ما لم يصيروا من العاملين لإقامة الخلافة

تخريج آلاف الحفّاظ لكتاب الله لن يغيّر حال أمّة الإسلام

ما لم يصيروا من العاملين لإقامة الخلافة

ازداد في الأعوام الأخيرة إقبال المسلمين على حفظ القرآن الكريم وانبرى قسم من أبناء الأمة الإسلامية المخلصين لإنشاء المزيد من الجمعيات القرآنية والانشغال بتعليم المتعلمين لعلوم القرآن من تجويد وقراءات ورسم وضبط وتفسير، أملا في التغيير والأخذ بيد الأمة نحو صلاحها وتغيّر حالها. وقد أنشئت الجمعيات وكثرت، وكثرت أيضا معها المدارس الرقمية والمجموعات الفيسبوكية والمجموعات على الواتساب وغيرها، والشعار واحد هو خدمة القرآن العظيم.

إنّه وإن كان من المثلج للصدر مشاهدة حفلات التخريج لحملة كتاب الله بالآلاف في مختلف أصقاع بلاد المسلمين واندفاع الصغار والكبار لحفظ كلام الله وتلاوته آناء الليل وأطراف النّهار بلسان عربيّ مبين سليم من الألحان الجليّة والخفيّة فإنّه وجب التذكير بأمور عظام لمن كانت مرضاة الله غايته:

١- إنّ العمل بما جاء به القرآن واجب وهو الأساس، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون القرآن للتنفيذ والامتثال لأوامر الله والانتهاء عن نواهيه، ويدعون الله أن لا يكونوا ممن يقيم حروفه ويضيّع حدوده. فالخسران كل الخسران أن يمضي المسلم عمره في حفظ القرآن أو تعليمه الآخرين وهو بعيد كل البعد عن فهم أحكامه والعمل بها، فالمعلوم من الدين بالضرورة أنّ الالتزام بأحكام الإسلام هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة. وهذا الأمر وإن كنّا نُذكّر به فتذكيرنا ليس من باب الاستنقاص من عظم أجر الحافظ وهو معلوم أيضا ممّا جاء في الأحاديث، وإنّما من باب وضع الأمور منازلها ووضع النقاط على الحروف.

فالوعي على أحكام الإسلام وواجب التلقي للتنفيذ يفرض لزاما أن يسعى الحافظ لكلام الله لإرجاع دولة الإسلام إلى الوجود وأن يكون على ثغرة من ثغور الإسلام، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يهتم لأمر المسلمين جميعا ويتتبع أخبارهم ويسعى لنصرة المستضعفين ولا يكون مفصولا عن الواقع محصورا في بوتقة ضيقة وكأنّه في واد وأمتّه في واد!!

٢- إنّ التركيز فقط على العمل الجمعياتي وتخريج آلاف الحفاظ ليس كافياً لإنقاذ الأمة الإسلامية ممّا وصلت إليه لأنّ الداء معلوم وهو غياب دولة تحكم بشريعة الإسلام، ومهما زادت الأعداد والتحق بركب حاملي القرآن الملتحقون فستبقى ثلاثة أرباع أحكام الإسلام غائبة ومعطلة، وسنُسأل عنها أمام الله، ومنها الأحكام السياسية والاقتصادية ونظام العقوبات والحدود والداخلية والخارجية وغيرها.

إننّا نعلم أنّ الكثيرين ممن انبروا للعمل الجمعياتي فيهم خير كثير وحرص كبير على خدمة الدين، ولكن من الضروري أن يكون الهدف واضحا وسبيل التغيير معلوما لديهم للنجاح في مرادهم.

لقد انشغل رسولنا الأكرم ﷺ بالعمل السياسي، ولا يخفى على اثنين أنّه عمل على إقامة دولة بل وأقامها في المدينة بعد أن احتضنه الأنصار وآمنوا بما بُعث به، والجميع يعلم أيضا كيف استطاعت الدولة حينها صهر المجتمع الأول بمفاهيم الإسلام، وكيف ارتقت به فتجسدت فيهم الخيريّة والفضيلة وعاشوا في سبيل الله حاملين لواء الإسلام إلى العالم بأسره.

فإلى متى سيتواصل تقاعس المتقاعسين عن العمل السياسي العظيم نتيجة التشويه والمغالطات التي سوقها الأعداء؟! وإلى متى يتواصل صرف الجهود الخيّرة إلى معالجة الأعراض دون تشخيص الداء وأخذ الدواء؟!

إنّه لحريّ بحملة كتاب الله اليوم أن يكونوا في الصف الأوّل للعاملين للتغيير ونهضة الأمة الإسلامية، وحريّ بهم أن يقتفوا خطوات رسول الله ﷺ في الدعوة ومقارعة الكافرين والصراع الفكري والصدع بالحق والشدّ على يد الظالمين، هذا هو ثغرهم الذي يجب أن يسدّوه ولا يكفيهم الانشغال بالتعليم أو العمل الخيري أو غيره.

٣- إنّ إصلاح الأفراد لا يُصلح المجتمع لأنّ المجتمعات تبنى على الأفكار والمشاعر والأنظمة التي تتحكم فيها وتسود في أجوائها المجتمعية، وكان لزاما إزالة هذا اللبس من الأذهان ليتضح المطلوب والدرب الذي يجب السير فيه. فأن تدعو الناس ليكونوا صالحين في ذواتهم لا يُنتج إلاّ أشخاصا صالحين، وهذا لا يؤدي بالضرورة لصلاح المجتمع، فأغلبية النّاس تتأثر بالجو العام والقوانين المطبقة عليهم، ولذلك وجب تقصدها وتبديلها إن كان السعي جادا لإحداث التغيير.

إنّ استشهاد الكثيرين في هذا السياق بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بزعم أنّ الإصلاح يبدأ بتغيير الذات فقط هو استشهاد في غير محلّه؛ فالتغيير في المجتمع لا يكون إلاّ بوجود صالحين مُصلحين مصداقا لما جاء في الحديث: «لَتَأْمُرُنَّ بالْمعْرُوفِ، وَلَتَنْهوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً، ولَتقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّه بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ». فالحديث يدلّ دلالة واضحة على وجوب سعي المسلم لتغيير الباطل الذي حوله ومنه جور الحكام والأخذ على يد الظالم، بل دعا الحديث لأطره على الحق أطراً وحذّر من مغبّة عدم القيام بذلك. وقد سئل ﷺ في حادثة أخرى: أَنَهْلِكُ، وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ». فأي خبث أعظم عند الله ممّا يحدث اليوم من تعطيل شرعه واغتصاب سلطان الأمة وتفتيت المسلمين وتكالب الأعداء عليهم؟! وماذا يفيد أن يكثر الصالحون فينا إن لم يكونوا مصلحين؟!

إنّ المدقق فيما قام به رسول رسول الله ﷺ إلى المدينة قبيل إقامة الدولة الإسلامية الأولى يدرك أنّ مصعب الخير لم ينكبّ على تحفيظ أهل المدينة الذي أسلموا القرآن ليهتدوا به وحدهم، بل كان عمله هو ومن أسلم معه تهيئة رأي عام مؤيد للإسلام بتقصد الوجهاء ودعوة المجموعات ونسف الباطل ومحاربة الفساد واستهداف الفكر والشعور المجتمعي والنظام المطبق عليهم، لذلك وجب على من كان همّه نهضة الأمّة أن لا يصرف جهوده فيما لا يحقق الهدف ذاته.

فيا حملة كتاب الله: كونوا أهلا لما تحملون في صدوركم وكونوا صالحين مصلحين تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، تقولون الحق ولو أمام سلطان جائر، ولا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، كونوا سياسيين كما كان نبيّكم ﷺ، اشتغلوا برعاية شؤون الناس واعرضوا الإسلام بوصفه البديل للأنظمة الجبرية، وسيروا قدما مستأنسين بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقوله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

تلك هي الثغور التي يجب عليكم سدّها، فوالله هذا هو الدرب الصحيح لمن أراد خدمة الإسلام وخدمة القرآن. هدانا الله وإيّاكم لما يحبه ويرضاه.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منّة طاهر

#أقيموا_الخلافة             #كيف_تقام_الخلافة                   #بالخلافة_يحصل_التغيير_الحقيقي

#ReturnTheKhilafah        #KhilafahBringsRealChange

#YenidenHilafet     #HakikiDeğişimHilafetle

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر