تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ السادسة
تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ السادسة

  المعاناة وسرعة البديهة  إن المعاناة تعالج بطء التفكير، أي تعالج سرعة البديهة، إلا أن المعاناة التي تعالج بطء التفكير لا بد أن يضاف لها شيء حتى تعالج سرعة البديهة، ألا وهو بيان ما يطرح من دلائل على وجود سرعة البديهة فيه. فسرعة البديهة ناجمة عن سرعة الإدراك، ولا يمكن أن تأتي إلا من سرعة الإدراك، أما سرعة الإدراك فلا ضرورة لأن تؤدي إلى سرعة البديهة. 

0:00 0:00
السرعة:
August 16, 2025

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ السادسة

تلخيص كتاب سرعة البديهة - الحلْقةُ السادسة

المعاناة وسرعة البديهة

 إن المعاناة تعالج بطء التفكير، أي تعالج سرعة البديهة، إلا أن المعاناة التي تعالج بطء التفكير لا بد أن يضاف لها شيء حتى تعالج سرعة البديهة، ألا وهو بيان ما يطرح من دلائل على وجود سرعة البديهة فيه. فسرعة البديهة ناجمة عن سرعة الإدراك، ولا يمكن أن تأتي إلا من سرعة الإدراك، أما سرعة الإدراك فلا ضرورة لأن تؤدي إلى سرعة البديهة. 

ومن هنا كان الجهد منصباً على إيجاد سرعة الإدراك عند الناس، ولكن سرعة الإدراك هذه قد تنتج سرعة البديهة وقد لا تنتج، لذلك لا بد من إضافة أشياء أخرى لإنتاجها ألا وهي إضافة شيء لما يطرح، ألا وهو بيان ما فيما يطرح من أمور تدرك فعلاً. وعلى ذلك فإن المعاناة وإن كانت توجد سرعة التفكير، ولكنها لا توجد سرعة البديهة حتماً.

أما في إيجاد سرعة البديهة، وفي جعل سرعة البديهة مثمرة، ومنتجة، لا بد من إضافة شيء آخر إليها، وهو لفت النظر إلى ما يطرح، أما بيان نقصه، أو بما فيه هو من أمور خفية.

ما ينبغي فعله أولاً

تقديس التفكير أمر مستحب بل واجب، لأنه قيمة من أعلى القيم، ولأجل أن لا نقضي على انشغال الناس بالتفكير، ولا نقضي على تقديسهم التفكير، لا بد من فعل شيء، هو إيجاد أشياء إلى جانب التفكير. فمثلاً نوجد إلى جانب انشغال الناس بالتفكير إعطاء هذا التفكير واقعه، أو واقع ما يفكر فيه، فلا يفكر بالآليات. وبذلك لا نقضي على الانشغال بالتفكير، ولا نقضي على تقديس التفكير كتفكير، بل نضعه في مكانه. 

ومثلاً: جعل التفكير سائرا بحسب ما يفكر فيه، فإن كان مما ينبغي السرعة فيه فإنا نوجد السرعة، وذلك بالمعاناة، وإن كان مما يوجب البطء فيه فليكن البطء، فنعطي التفكير أن يسير بحسب ما يفكر فيه، لا بحسب ما نريده منه. أي أن تكون النفوس ليست مشغولة بالتفكير، وليست مقدسة للتفكير، وذلك قبل كل شيء لا بد أن يؤدى بشكل لا يصرف عن التفكير والانشغال به، ولا يخفف أو يقضي على قداسة التفكير.

فإذا أريد العلاج: علاج التفكير وعلاج سرعة البديهة، فلا بد من التركز على العاطفة وعلى مركزها وعلى أثرها. فانصراف الإنسان إلى العاطفة يجعله سائرا في الحياة دون ضابط، وانشغال المرء بالتفكير وحده، أو بالعقل وحده يفقده القدرة على الصمود في الحياة، لأن العاطفة هي المحرك، والعقل هو الموجه. فالمشكلة ليست بانشغال الناس في التفكير، ولا بتقديسهم له، بل المسألة هي بإرجاع العاطفة إلى مركزها. أي أن إهمال العاطفة: هو إهمال للعقل؛ لأنه بدون العاطفة لا ينتج، فهو وإن لم يهمل ولكنه صار لا ينتج، لذلك كان أول ما يجب فعله هو الانشغال بالعاطفة إلى جانب الانشغال بالتفكير.

المعاناة وسرعة البديهة

إن سرعة البديهة في الشيء الواحد أو في حادثة معينة، لا بد أن تكون ذاتية، وأن تكون لدى الشخص القدرة على فهم الحوادث والأحداث، لذلك فإن المعاناة توجد فكرة سرعة البديهة، ولا توجد سرعة البديهة نفسها، فسرعة البديهة شيء يتعلق بسرعة التفكير وسرعة الإدراك للشيء وللحادثة مع وجود فكرة سرعة البديهة عند الشخص.

سرعة البديهة لا بد أن تكون ذاتية لدى الناس، وحتى تصدر ممن لديه فكرتها، لا بد من ملاحظة أمور وأوضاع معينة في حادثة معينة، فما سبق أن بحثناه من العمل لإيجاد سرعة البديهة، إنما هو العمل لإيجاد فكرتها أو الاستعداد لها. فما نشكوه ليس فقدان سرعة البديهة فقط، بل إن ما نشكوه هو عدم وجود فكرتها كلياً، وعدم وجود الاستعداد لها، فالعمل هو لإيجاد فكرتها وإيجاد الاستعداد لها، ثم بعد ذلك يترك للملاحظة والوقائع والحوادث والصيغ أن تبعث على إيجادها.

واقع ما هو موجود فعلاً:

الواقع هو وجود التفكير البطيء، وهذا وحده غير كاف لإماتة فكرة سرعة البديهة، فلا بد من إماتة فكرة الدرس والتمحيص بشكل عام. فالتربة هي أن تكون النفس مهيأة للعلاج، مدركة لخطر المرض، والمناخ هو أن يوجَد رأي عام في ذلك. فالموضوع في أساسه هو النظرة إلى أشياء الحياة، فإذا كانت النظرة هي أن كل شيء يحتاج إلى رأي ودراسة وتمحيص، فإن سرعة البديهة، أي سرعة التفكير لا يمكن أن توجد ولا بحال من الأحوال.

النفوس لا يصح أن تصرف عن التفكير، بل يجب أن توجه إلى سرعة التفكير. فإن كانت الظروف تقتضي الدرس والتمحيص لا بد من الدرس والتمحيص، وإن كانت الظروف تقتضي ذلك، لا يصح أن يفكر بالدرس والتمحيص، بل ينتقل إلى سرعة العمل من جراء سرعة البديهة في الإدراك، لذلك كانت الظروف هي الحكم. 

يجب أن يوجَد عند الأذكياء حب السرعة في التفكير، بل يجب أن يتعودوا على سرعة التفكير، وهم بطبيعة ذكائهم ميالون للسرعة في التفكير والسرعة في الحكم. فيقال لهم أن كل فكر لا بد من السرعة فيه، فهم يعاملون معاملة خاصة. 

والحاصل يؤخذ المجتمع ككل وينزع منه فكرة الدرس والتمحيص، وذلك عن طريق ضرب الأمثلة في كل ما يحتاج إلى درس وتمحيص، وما لا يحتاج إليه، وإذا كان ذلك في الشيء الواحد في حالتين مختلفتين يكون أحسن.

المزيد من القسم فكر

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة السابعة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد احمد النادي

الحلقة السابعة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أما البغض في الله، فقد نهى الله سبحانه عن حب الكفار والمنافقين والفساق المجاهرين، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}. (الممتحنة1) 

وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور}. (آل عمران 119)

وروى الطبراني بإسناد جيد عن علي كرم الله وجهه في الجنة، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن حق: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبد فيوليه غيره، ولا يحب رجل قوما إلا حشر معهم". وفي هذا نهي جازم عن محبة أهل السوء خشية أن يحشر معهم. 

وأخرج الترمذي في سننه، وقال هذا حديث حسن، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه". وكذلك روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض". 

وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم توضع له البغضاء في الأرض" خبر أريد به الطلب، وذلك بدلالة الاقتضاء، إذ إن هناك كثيرا من الكفار، والمنافقين، والفساق المجاهرين، يوجد من يحبهم ولا يبغضهم، فاقتضى صدق المخبر أن يكون المراد بالخبر الإنشاء أي الطلب، فكأنه يقول: يا أهل الأرض أبغضوا من أبغضه الله. 

وبالتالي فالحديث يدل على وجوب بغض من أبغضه الله، ويندرج تحتها وجوب بغض الألد الخصم، الوارد في حديث عائشة المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"، ووجوب بغض من يبغض الأنصار الوارد في حديث البراء المتفق عليه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: أو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله". ووجوب بغض من يقول الحق بلسانه لا يجاوز حلقه، للحديث الذي أخرجه مسلم عن بسر بن سعيد عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء "يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله إليه". قوله "لا يجوز" معناها لا يتعدى، ووجوب بغض الفاحش البذيء الوارد في حديث أبي الدرداء عند الترمذي، وقال هذا حديث حسن صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "... وإن الله ليبغض الفاحش البذيء". 

هذا وقد وردت بعض الآثار في بغض الصحابة للكفار، منها، ما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: "... فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة، فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها، قال: فأتاني أربعة من المشركين، من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى ..." 

ومنها حديث جابر بن عبد الله عند أحمد أن عبد الله بن رواحة قال ليهود خيبر: "يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم ...". 

ومنها ما ورد في بغض من يظهر الشر من المسلمين، فقد أخرج أحمد وعبد الرزاق وأبو يعلى بإسناد حسن، والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط مسلم عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب، فقال: "... ومن أظهر منكم شرا ظننا به شرا، وأبغضناه عليه". 

فالحب في الله، والبغض في الله، من أعظم الأمور التي يتصف بها المسلم الذي يرجو رضوان الله ورحمته ونصره وجنته.

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة السابعة عشر

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة السابعة عشر

أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتخيّر ولاته من أهل الصلاح للحكم وأولي العلم المعروفين بالتقوى، ويختارهم ممن يحسنون العمل فيما يولون، ويشربون قلوب الرعية بالإيمان ومهابة الدولة، عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً"، رواه مسلم، والوالي أمير على ولايته فيدخل تحت هذا الحديث.