February 06, 2014

تقرير الأمم المتحدة حول أطفال سوريا يفتقر إلى الجدية ويدين المجتمع الدولي

نشرت الأمم المتحدة مساء أمس الأول تقريرا أمميا قدم لمجلس الأمن عن استفحال مشكلة الاعتداء على الأطفال في سوريا، واتهم التقرير ما أسماه "بجانبي الصراع" بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد الأطفال.

ويتناول التقرير الفترة بين الأول من آذار/مارس 2011 إلى 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، ويصف بشكل مفصل الأهوال التي تفوق الخيال ومعاناة الأطفال في سوريا.

وبالرغم من أن التقرير مؤرخ بتاريخ 2014/1/27 إلا أنه لم ينشر على موقع الأمم المتحدة إلا في مساء الثلاثاء2014/2/4


ذكر التقرير متابعة المجتمع الدولي، الذي ديدنه النفاق، لأحوال أطفال سوريا والجرائم التي تمت أمام أعينهم ووقفوا على تفاصيلها المروعة.

فقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن قوات النظام تحتجز الأطفال الذين لهم صلات بالمعارضة وتعذبهم، وقال إن "المعاناة التي تكبدها الأطفال في سوريا منذ بدء الصراع كما يوثقها هذا التقرير لا توصف ولا يمكن قبولها".(موقع الأمم المتحدة)

يقول هذا بعد ثلاث سنوات دموية فاقت فيها جرائم السفاح حد الخيال، والأمم المتحدة تماطل وتعطيه الفرص، ثلاث سنوات من التسويف والمماطلات وهم يرون أمام أعينهم تفنن السادية البعثية ومواليها في صنوف التعذيب.

فقد ذكر تقرير الأمم المتحدة ما تداوله الناشطون منذ فترة والذي وثق استخدام النظام للتعذيب الجسدي ضد الأطفال، ومن ذلك الجلد بالسياط والصدمات الكهربائية (التي توجه لمناطق حساسة في جسد الطفل) وسحب أظافر اليدين والقدمين، وقطع أصابعهم أو الضرب بمطرقة على الظهر أحيانا حتى الموت، وحروق بالسجائر، والاغتصاب أو التهديد بالاغتصاب، والضرب بالقضبان المعدنية، وأشكال التعذيب النفسي مثل الحرمان من النوم، والحبس الانفرادي، وعمليات الإعدام الوهمية، ومشاهدة تعذيب الأقارب إلى آخر هذه القائمة السوداء.

هذه هي الأمم المتحدة وهذا هو موقفهم من أهل سوريا؛ فقد عرفوا عن السفاح وزبانيته كل هذا (وما خفي أعظم) ثم صافحوه وهادنوه وتفاوضوا معه كَنِدٍّ سياسي محاولين بذلك إعطاء الجزار شرعية فُقدت منذ ثلاثة أعوام، ويحاولون بذلك تجميل صورة الذئب البشري أمام الرأي العام العالمي.


إن هذا التقرير يدعي في ظاهره دعم أطفال سوريا بينما هو في الحقيقة يساوي بين المجرم والمدافع عن حقه، ويدعي النظرة الموضوعية الحيادية، والحيادية منه براء.

فهل الحيادية أن يكون الطرفان متساويين في الجرم حتى تتم المفاوضات ويبدأ الجميع بصفحة بيضاء؟ ماذا عن الأرض التي ارتوت بدماء زهرة شباب الشام، وماذا عن أعراض حرائرها التي انتهكت؟ وماذا عن أعراض أطفالها التي تتاجرون بها اليوم لغسل عاركم؟


جاء في موقع الأمم المتحدة "القوات الحكومية مسؤولة أيضا عن الاعتقال والاحتجاز التعسفي، وسوء معاملة وتعذيب الأطفال، في حين أن جماعات المعارضة المسلحة مسؤولة عن تجنيد واستخدام الأطفال في القتال وأدوار الدعم، فضلا عن القيام بعمليات عسكرية، بما في ذلك استخدام تكتيكات الإرهاب، في مناطق مأهولة بالمدنيين، مما أدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال".

كأن الأمم المتحدة هنا تهدر دماء أطفال سوريا وتنسب الجرم الكبير لأطراف متعددة حتى يضيع الحق وينشغل كل طرف بإلقاء اللوم على الآخر.

هم يقولون أن قوات النظام قتلت الأطفال واغتصبتهم وأن المعارضة المسلحة جندت هؤلاء الأطفال، فماذا عن الأمم المتحدة؟ ماذا عن مجتمعكم الدولي الذي كفر به عقلاء الشام منذ أول يوم حين قالوا "يا الله ما لنا غيرك يا الله"؟ إن جرم المجتمع الدولي المتآمر على أطفال سوريا أكبر من جرم بشار؛ فقد أمد في عمر نظامه البائد وأعطاه الفرص وهو يتفرج على هذه الأهوال التي لا توصف، إن المجتمع الدولي أقرَّ هنا في تقريره أنه شيطان أخرس.

بعد سرد هذه الويلات والجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية أتت توصيات بان كي مون وكأنها تسخر من جراحاتنا وتستهين بحجم المصاب، فقد دارت التوصيات في فلك التقارب ووقف العنف وكأن هذا العنف هواية اتخذها من يرفض حكم الجزار من باب التسلية والترويح عن النفس! ومن بين توصياته: "دعوة جميع الأطراف إلى وقف كافة الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال التي ورد ذكرها في التقرير، ووضع حد لجميع الهجمات العشوائية على المناطق المدنية، بما في ذلك أساليب الإرهاب، والغارات الجوية، والأسلحة الكيميائية، والمدفعية الثقيلة، والسماح بممر إنساني، والإفراج فورا عن النساء والأطفال المختطفين".(موقع الأمم المتحدة).

وقد ظهر سكرتير الأمم المتآمرة على أهل سوريا على حقيقته وأثبت عبر هذه الثرثرة أن الهيئة الفاشلة التي لا ينال المسلمين منها سوى تبرير الظلم ومساندة المجرمين وتدبير المؤامرات لا تكترث لأطفال سوريا.

وهذا المجتمع الدولي الذي مرت عليه منذ أيام ذكرى مجازر رواندا حيث قتل الهوتو التوتسي على قارعة الطرق وقتل في أقل من 3 أشهر، من نيسان إلى تموز (أبريل - يوليو) 1994 حوالي مليون شخص هم ثلاثة أرباع عدد التوتسي.

قتل الناس في مشاهد صدمت سكان الأرض بينما تسارعت الدول الغربية في إجلاء رعاياها، واقتصر التدخل بعد ذلك على المتابعة عن بعد والتباكي على مصير هؤلاء الأفارقة المتناحرين.

بالرغم من أن المجتمع الدولي تابع مقدمات وتطور الإبادة العرقية عن كثب إلا أنه برر صمته وتجاهله وفشله الذريع بأنه أُخذ على حين غرّة ومرت الأحداث متسارعة أمامه فلم يحرك ساكنا لأن الوقت لم يسعفه! فماذا عن سوريا وقد أمضى السنوات الدموية الماضية وهو يدوّن ويحصي الموتى، وينمق الكلمات، ويذرف دموع التماسيح هنا وهناك على أطهار الشام وأخيارها... ويردد بان كي مون هذه التوصيات الفارغة مستمرا في سياسة المماطلة، في الوقت الذي تتساقط فيه أشلاء المزيد من الأطفال وتتعلق الأنظار في السماء مترقبة براميل الموت والغدر من بشار.


إن هذا التقرير صفعة في وجه جنيف2 ومن روج له، فمثل هذا التآمر والفشل في العلاج وتضييع الحقوق هو نتيجة حتمية لتضييع حق الله والتحاكم لغير الشريعة الغراء، ركضوا للدائرة المستديرة ليجلسوا إلى من ارتكب هذه الجرائم.

فلتكن هذه الدائرة المستديرة رمزاً لهذه المؤامرة على أطفال سوريا دون تفريق بين المجرم والشيطان الأخرس وسماسرة هذا المشهد الدموي.


وإن هذا المجتمع الدولي المشلول الذي يستندون إليه نحروا شعارات حقوق الطفل التي حملوها من الوريد إلى الوريد.

فقد ملأت صور ومشاهد الأطفال المصابين والمختنقين والذين ينتشلون من بين أكوام الحطام صفحات الإعلام البديل، واعتاد الناس رحلة المقابر لدفن أطفالهم، واحتل الموت والبرد والجوع الموقف، فأصبح من نجا من أطفالنا يحاكون واقع الموت والدمار حولهم وينسجون من صنوف اللهو الطفولي أشكالاً مأساوية تصدم الضمير الحي، فاقترن هذا المجتمع الدولي بالقتل والدمار وهتك الأعراض.

وإن من حضر وشارك ودعم جنيف2 لا يختلف عن واضعي هذا التقرير أو من يقبل بمبدأ المقارنة بين السفاح ومن يريد التخلص من شروره فهم جميعا متآمرون على أهل سوريا.


أما آن الأوان لهذه الجيوش أن تغضب وتغسل عنها العار.. إذا لم تغضب الجيوش لمثل هذا، فبالله متى تغضب؟! ثم ماذا نقول لأطفالنا في الشام؟! أنقول أن جنودنا نسوا القتال والحمية وتبرأوا من نجدة المستضعفين أنقول أن جنودنا مترفون منعمون يكاد الواحد منهم أن يُعصر من فرض اللين! أنقول جنودنا مجندون لحماية الطغاة تابعون لعقيدة عسكرية أساسها عاش الملك وعاشت أعلامه الملونة! فلننشر هذا التقرير الخبيث على صفحاتهم ومواقعهم لعل شيئاً فيهم يستيقظ، ولنذكرهم أن كل طفل تعرض لأذى هو خصيمهم أمام رب العباد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.. إن هذا العار سيلاحقكم للممات وستتذكر الأجيال القادمة تآمر الأوغاد على ذراري المسلمين وجيوشهم مرفهة تنعم برغد العيش وتحمي الفراعنة وهم أدرى الناس بفسادهم.. فماذا أنتم قائلون لربكم!! بالله ماذا؟


ما أقرب الفحم للألماس الحر فكلاهما مشترك في الأصل الكربوني والنمو البلوري، لكن شدة الحرارة والضغط لفترة طويلة يحولان الكربون العادي لتركيبة فريدة من نوعها تتميز بأنها أصلب عنصر أحادي عرفه الإنسان، كلمة (diamond) مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة "Adamas" وتعني الصلابة أو "مُحال التطويع".

هذا العنصر الصلب البراق أصبح أسطورة عند الإنسان، وقد حاول أن يوجد ظروفاً مشابهة لصنع الألماس في مصانع فأنتج للأسواق أحجاراً براقة في 4 أيام فقط إلا أنها لم تصل للأصل بحيث تكشفها كل عين حاذقة.

هذه الرحلة الأسطورية من الضغط والحرارة وطول الرحلة هو ما يميز الأصل عن التقليد.

وهذا ينطبق على أهل الشام الأحياء منهم والأموات، فهم طراز فريد من البشر متفرد عن غيره مثل عقد الألماس الحر، وإن صراعهم الأسطوري مع المجرم السادي لم يزدهم إلا نقاءً وثباتاً.

هذه الشام الماسة هي عقر دار الإسلام التي لم يركع أهلها ولم تستسلم أمهاتها وهن يرين رأي العين ما يحدث لأبنائهم.

إن هذه الأرض المباركة هي فسطاط المسلمين، يجتمع عليها أهل الخير والصلاح في آخر الزمان وتهف القلوب إليها فيرونها ماسةً بهية وكم تركت وراءها من ركام من الفحم البخس.


﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر