تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة مسيرة عداء لأحكام الإسلام
تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة مسيرة عداء لأحكام الإسلام

إن الحرب على الإسلام بدأت منذ ظهوره فمنذ أن نزل هذا الدّين العظيم على رسول الله e  حاربته قريش، ثم تتالت عليه الحروب لكنه ظل قائما محكما بقيام دولة الإسلام أكثر من 13 قرنا.

0:00 0:00
السرعة:
July 06, 2018

تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة مسيرة عداء لأحكام الإسلام

تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة
مسيرة عداء لأحكام الإسلام


إن الحرب على الإسلام بدأت منذ ظهوره فمنذ أن نزل هذا الدّين العظيم على رسول الله e حاربته قريش، ثم تتالت عليه الحروب لكنه ظل قائما محكما بقيام دولة الإسلام أكثر من 13 قرنا.


ومن أهم المكائد التي نصبت لدولة الإسلام لإسقاطها في التاريخ ولمنع قيامها في الحاضر هي التلاعب بمفاهيم الإسلام وضرب صفائها ونقائها وإدخال الغموض والضبابية والمغالطات عليها مع صنع أفكار ما أنزل الله بها من سلطان وجعلها مفهوما في عقول المسلمين، وذلك بإدخال الطابع الإسلامي عليها بالتلبيس والتلفيق ليقبلها المسلمون، ثم إن هذا كان من أبرز خطط الغرب الحاقد على أمة الإسلام لإسقاط دولتها وإبعادها عن دينها وحضارتها بل ومنع عودتها من جديد.


ثم استمر الغرب في هذه الحرب وهذا الأسلوب حتى بعد إسقاط الدولة وذلك بإدخال ثقافته الغربية على المسلمين من خلال قوانين وأنظمة تحكمهم ومن خلال دمج هذه الثقافة بالإسلام مع تدهور فهم المسلمين لأسس دينهم، وذلك لإيجاد جيل ذي عقيدة إسلامية تقتصر على العبادات فلا تؤثر على الغرب ولا على أنظمته الفاسدة القائمة علينا.


وفي هذا نذكر مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في 13 آب/أغسطس 1956 وهي من أهم المخططات الغربية لمحاربة الله ورسوله وتطويع الأحكام الشرعية للمعاهدات الدولية ولحقوق الإنسان والمرأة والطفل بما يفكك الأسرة وينسف حكم الزواج ويشيع الفاحشة والرذيلة في المجتمع ضمن مخطط الغرب، وتميزت كذلك صياغتها بالاضطراب والتلفيق والخلط والضبابية والغموض والتلاعب بالألفاظ مما مكنها من الالتفاف على الأحكام الشرعية ودس السمّ في الدسم وتمرير أحكام الكفر في جلباب الاجتهاد الشرعي، ورغم أن كليهما قد طفح بكمٍّ هائل من الجرأة والصفاقة إلا أن المجلة عجزت عن استهداف بعض المسائل القطعية تاركة غصة في حلق واضعها لم يستطع أن يكتمها حين قال بورقيبة لوزيره الأول محمد المزالي "إن قضية المساواة في الإرث بقيت في القلب ورغم محاولتي لم أجد آية قرآنية واحدة تمكنني من تحقيق حلمي".


إن ما عجز عنه بورقيبة بالأمس يتجرأ عليه وريثه الباجي قايد السبسي اليوم من خلال مجلة الحقوق والحريات الفردية تحت إشراف لجنة الحريات الفردية والمساواة التي بثت سمومها من خلال قوانين تمس المسائل القطعية في الإسلام كقانون المساواة في الميراث بين المرأة والرجل وزواج المسلمة من غير المسلم. كما تضفي عليها بالمكر والخبث والمغالطات الطابع الديني ليقبلها المسلم وكأنها من الإسلام.


فنجد في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الصادر في 1 حزيران/يونيو 2018 حججا من القرآن لتقنين حرية المعتقد، فقد جاء في التقرير على صفحته الثامنة ما يلي "هذه الحقيقة أكدها الإسلام بوضوح عندما رسخ حرية المعتقد ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وفي صفحته التاسعة "تعتبر حرية المعتقد مدخلا في غاية الأهمية وذلك في مجتمع عقائدي مثل المجتمع الإسلامي". فتقنن حرية المعتقد التي تسمح اعتناق أية عقيدة والتخلي عنها متى شاء مع ممارسة الإنسان شعائره الدينية دون خوف. كما تضمّن هذا التقرير في صفحته الثامنة ضربا لفكرة الخلافة (تم طمس معنى أساسي في القرآن ويتعلق بالخلافة فهذا المصطلح خص به الإنسان لتحديد دوره في الوجود ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾) ويضيف التقرير (وبدل الانطلاق من هذا المفهوم الشامل تم تحويل وجهة المصطلح نحو رسم صورة قاتمة تجعل من الحاكم خليفة للإله وتطلق يديه وإرادته في المجتمع والدولة كما تحول الخلافة إلى خلافة مطلقة وصفها الجاحظ بالملك العضوض) ليبين هذا التقرير عداء واضعيه الصريح مع نظام الخلافة القطعي والثابت في الإسلام في حرب معلنة على دعوة الخلافة ضمن سياق أمريكا والمنظمات الدولية الغربية الصليبي على مقدسات المسلمين وأحكام دينهم.


وقد عمد التقرير أيضا إلى ضرب مفاهيم قطعية في الإسلام من مثل الكفر والردة والخروج من الإسلام وذلك من منطلق الحرية التي يعتبرونها مقصدا أصليا من مقاصد الإسلام، ومما جاء في ذلك من تقرير اللّجنة في الصفحة التاسعة (وتأكيد مسؤولية الإنسان عن أفعاله ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ وأنه ليس مجرد آلة تنفيذ للإرادة الإلهية ولا يصح الحديث عن المسؤولية إلا إذا اقترنت بالحرية وبهذا المعنى بدأت تتأصل فكرة الحرية في الضمير وفي الوعي الإسلامي) ليطمس هذا التقرير مفهوم العبودية لله والتي هي أساس الإسلام العظيم ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ في اتباع أعمى لمبدأ العلمانية في فصل الدين عن الحياة وليعود بنا هذا التقرير في ما جاء فيه إلى عبادة العباد لا عبادة رب العباد!


إن ما تقوم به لجنة الحريات الفردية والمساواة ما هو إلا سير في طريق الحرب الصليبية التي تقودها دول الغرب وعلى رأسهم أمريكا على مقدسات المسلمين وأحكام دينهم، فهم لا يتعودون إلا أن يكونوا موظفين للاستعمار ركّز فيهم شخصيته وربّاهم على كُره كل ما هو إسلامي ليخرجوا على أمتهم ناطقين باسمه ومعلنين حربه على ديننا بالوكالة.


إن هذه الجرأة من هؤلاء الحكام على الإسلام العظيم ستظل قائمة بقيام هذا الدستور الذي صيغ على أعين الصهيوني نوح فيلدمان وتحت إشراف منظمة الأمم المتحدة الإنمائية واحتفل بصياغته رؤوس الكفر في العالم وعلى رأسهم أمريكا أعداء الإسلام والمسلمين والذين يكنون الحقد والبغض لأحكام الله وشريعته. فهذه المشاريع السامة ما هي إلا إفرازات دستور 2014 العلماني الذي وضع حجر الزاوية في الإعراض عن حكم الله... فدستور 2014 هو أصل هذه القوانين ورفض تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بدون رفض الدستور وواضعيه والقائمين عليه لن يرد عدواناً على أحكام ديننا ولن ينتصر لشريعة الإسلام ولدين هذا الشعب المسلم.


وها نحن نرى رغم السموم التي بثّت في تقرير اللّجنة باسم الإسلام والفكر الإسلامي إلا أنها لقيت كل الرفض من الأهل في تونس. فبالرغم من التغريب الذي عاشه وسياسة الاستعمار الغربية التي مورست عليه إلا أن أفكار العقيدة الإسلامية لا زالت ضاربة جذورها في قلوب هذا الشعب الذي بيّن رفضه لهذا المشروع بل ولواضعيه ومؤسسيه وبأنه شعب يتطلع للتغيير والتحرير من عبودية العباد، لا ولكن ها هم يلهونه بمثل هذه القوانين التي تولد ميتة ليتسنى لهم تمرير مشاريع الاستعمار وبيع البلاد والعباد ورهنها لسياسة صندوق النقد الدولي ولمنظمات الغرب أس البلاء والحرب على الإسلام والمسلمين.


أيها الأهل في تونس! لن ينتهي عداء هؤلاء الأقزام الرويبضات على ديننا ما دمنا نحتكم إلى سياسة الغرب الرأسمالي ومناهجه ونرتهن لقروضه وشركاته، وما دمنا نعرض عن حكم ربنا كاملا ليكون المحدد للعلاقات في المجتمع...


نعم لن ينتهي هذا العداء ما دامت دولة المسلمين غائبة، فلنعمل على تحرير بلادنا من الاستعمار وعملائه ونسير مع المخلصين لإقامة دولة الإسلام؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فبها يعز الإسلام وأهله.


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير


الأستاذة فاتن الشعري

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر