تقصير الأمة وسبيل الخلاص
April 26, 2024

تقصير الأمة وسبيل الخلاص

تقصير الأمة وسبيل الخلاص

هل الأمة مقصرة؟

سؤال تكرر في الفترة الأخيرة تفاعلا مع أحداث غزة: هل الأمة مقصرة؟ وهل اعتبارها مقصرة هو جلد لها؟

نعم، الأمة مقصرة، ولكن هذا التقصير لم يظهر في أحداث غزة، مع أن المطلوب منها ومن أبنائها أكبر بلا شك، ولكن الأمة مقصرة، منذ أن غاب سلطان الإسلام، ولم تسعَ إلى استعادته، فحكمها أراذل الناس وبقيت بلا إمام ولا جنة ولا بيعة، ونبيها الأكرم ﷺ يقول: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». ولذلك هي تدفع فاتورة هذا التقصير بدماء أبنائها على رقعة واسعة من الأرض منذ استفاقت على فاجعة هدم الخلافة مطلع القرن الماضي والتي مهدت لاحقا إلى زرع كيان يهود في خاصرتها.

الأمة مقصرة قطعا منذ ذلك الوقت، وإلى اليوم، حتى وإن وُجد فيها من يسعى لإقامة الدولة وتنصيب الإمام. وهي تكاد تستفيق كل يوم على فاجعة جديدة نتاجا لهذا التقصير، وما يحصل في غزة ليس عنا ببعيد. وما دام الساعون إلى إقامة الدولة واستعادة سلطان الإسلام لم يحققوا الكفاية، ولم يتموا هذا الواجب العظيم، فالأمة في كلّيتها أو في مجموعها مقصرة، ومطالبة بتحقيق الكفاية، ولا يمكن اعتبارُها غيرَ مقصرة إلا حين تقوم بواجبها كأمة صاحبة رسالة، فتستأنف حياتها الإسلامية، وتحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم.

بل حتى وإن لبّت الأمة نداء المستضعفين في غزة أو سوريا أو بورما أو تركستان الشرقية، وتحركت من أجلهم، ثم عادت واستكانت ولم تعمل على استعادة سلطان الإسلام كاملا، والحكم بما أنزل الله، فهي تبقى أيضا مقصرة ويبقى في ذمتها جملة من الأحكام الشرعية الغائبة عن معترك الحياة، في مقدمتها ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله الذي أنيطت به الجيوش.

ومع ذلك، فقد أثبت الواقع أنه لا يمكن تحرير الأرض، ولا صون الأعراض والمقدسات، في غزة أو في غيرها، دون أن يكون للإسلام شوكة وسلطان، والقاعدة تقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". ولذلك فإن الأمة مقصرة تقصيرا كبيرا، والمطلوب منها عظيم، إلى أن يعود للإسلام سلطانه، وللمسلمين قائدهم وإمامهم، فتعمل على تضميد جراحها وإنهاء جميع مآسيها، في غزة وفي غير غزة، ومن ثم السعي إلى نشر الإسلام في ربوع الأرض. فالأمر لا يتطلب وقفة مساعدة لبلد شقيق والتبرع ببعض الأموال، إنما يتطلب وقفة حازمة لدين الله تقفها الأمة بوصفها أمة. والقول بأنها مقصرة هنا، لا يُقال من باب جلد الأمة، إنما هو توصيف لواقع.

ما المطلوب إذن؟

وعليه فالمطلوب اليوم، من القادة الربانيين والدعاة وحملة لواء الإسلام، هو رفع المعنويات، وشحذ الهمم، وتحريك العزائم، وتذكير الأمة بضرورة حسن الظن بربها، وتشويقها للقائه، وترغيبها برضوانه والجنة وترهيبها من عذابه والنار. قال ﷺ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا».

والأهم هو الحرص في هذا كله على إثارة الفكر فيها وجعلها تفكر على أساس العقيدة الإسلامية لا غير، لتحدد العقيدة وحدها اتجاه سلوكها الجماعي، لأن إثارة العملية الفكرية في الأمة هي أساس النهضة.

وهنا لا يصح الوقوع في جلد الأمة، وإغراقها في السلبية، كاعتبارها أمة غثائية فاشلة، غير قادرة على الفعل، وكونها عبئا وعالة على غيرها من الأمم، دون توجيهها وتقديم الحلول لها، فهذا عين ما تروج له الأبواق العميلة للاستعمار في سياق الحرب النفسية على الأمة، بل يجب تحفيزها ودفعها نحو المطلوب من خلال قيادتها فكريا بمنهج النبوة، واستحضار النماذج الإسلامية المشرفة من الصحابة والفاتحين، وإذا فشلنا في ذلك فلا نحملها مسؤولية فشلنا، بل نعيد المحاولة إلى أن ننجح بإذن الله.

فالأمة كغيرها من الأمم تتبع القيادة... ومتى فُقدت القيادة أو قصرت، فالعتب لا يقع على العامة فحسب فهم بطبيعتهم تبع، بل يقع كذلك على من حمل نفسه مسؤولية قيادتها.

بعبارة أخرى، الأمة لن تقود نفسها بنفسها، بل هناك من يتصدر أمر قيادتها ورعاية شؤونها، وإذا لم يحركها القائد ويوجهها في اتجاه معين ومحدد، فإنها لن تتحرك من تلقاء نفسها، وهذا من بديهيات العمل السياسي بل من سنن التغيير.

وحتى نقف على عظم المسؤولية، فإن لدينا أمة بمجموعها مقصرة، وقادة يسعون إلى قيادتها بالإسلام، وهذا يحملهم مسؤولية البحث عن مواطن التقصير لتداركها وتوجيه الناس في الاتجاه المطلوب.

كيف نباشر فعل التحرر؟

لقد وجدت الأمة نفسها بعد طوفان الأقصى مكشوفة الظهر للمستعمر، عارية تماما عن كل أدوات القوة التي تمكنها من مباشرة فعل التحرر، وهذا جعلها في حالة من الصدمة والذهول.

ولكن كيف لها أن تحقق التحرر والسيادة والاستقلال؟ وكيف ستصبح الفاعل الأخطر على مستوى المآلات الاستراتيجية إن لم تلتف حول قادتها الواعين المخلصين؟ كيف ستقلب المعادلة لصالحها إن ظلت مكتفية بارتماءات عاطفية تجاه أقرب من يرفع أمامها شعارات الإسلام دون بحث في مضامين تلك الشعارات ودون وضعها في ميزان الإسلام؟ كيف ستغير الأمة واقعها إن ظلت تخير السير في أيسر الطرق وأسلمها دون أن تدفع ضريبة هذا التغيير؟ والأهم، كيف ستسترجع الأمة خيريتها، من كونها خير أمة أخرجت للناس، دون وعي على أحكام الإسلام ودون أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودون اختيار أقدر الناس وأكثرهم وعيا وإخلاصا ومن هم على الحق ظاهرون؟ قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾. وجاء في الحديث قوله ﷺ: «وَإِنَّ دِينَ اللهِ لَنْ يَنْصُرَهُ إِلا مَنْ أَحَاطَهُ اللهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ». رواه البيهقي في الدلائل.

إن القضية اليوم خطيرة للغاية، وهي قضية مصيرية وجودية، وإن قلب المعادلة ضد قوى الكفر والطغيان هو أمر ممكن متى أحسنت الأمة اختيار قادتها عن وعي عام بالمشروع الحضاري للإسلام فتلتف سريعا حول هذه القيادة، وتعطيها صفقة يدها وثمرة قلبها.

إن الناظر في حال الأنظمة اليوم، يجدها تعيش حالة انكشاف تام أمام الأمة، من كونها جزءاً من المؤامرة، تنوب عن الكافر المستعمر في احتلال بلاد الإسلام، وحماية كيان يهود، فنجدها فاعلة في اتجاه التآمر، عاجزة في اتجاه التحرر، وهي القبة الحديدية الفعلية لهذا الكيان الوظيفي لليهود، بل جميعها كيانات وظيفية جاءت من مشكاة واحدة وصنعت على عين الكافر المستعمر لتديم هيمنته على بلاد الإسلام وتمنع وحدة المسلمين على أساس دينهم.

هذه الخيانة الموصوفة، جعلت الأنظمة الساقطة أخلاقيا في حكم الزوال والأفول مع تأجيل التنفيذ، بل يتوقع أن يكون سقوطها مدويا ومفزعا لكيان يهود وللغرب من ورائه، ولا يُتصور اجتثاث هذا الكيان دون إسقاط حاجز الأنظمة التي توفر له الحماية.

هذا الانكشاف، شكل بعد طوفان الأقصى وعياً ينسحب على كل أفراد الأمة، من كبيرها إلى صغيرها، إن لم يكن بالفكر فبالإحساس. كما أن الأمة صارت واعية على أمهات القضايا التي تدفعها دفعاً نحو التحرر من ربقة الاستعمار، وفي مقدمتها قضية فلسطين، التي عدلت عليها الأمة بوصلتها باحثة عن الانتصار لذاتها وتحقيق كينونتها واستعادة دورها الريادي سيرا على نهج أسلافها وقادتها العظام.

هل قلب المعادلة ممكن سياسيا؟

إنه بالإمكان قلب الطاولة على الأنظمة، وجعلها تعيش عزلة أكبر أمام شعوبها في ظل الظروف الراهنة، تمهيدا للحظة الحسم النهائي، وذلك من خلال التركيز على صناعة الرأي العام الإسلامي وأخذ القيادة الفكرية في الأمّة، ومن خلال الدندنة حول أفكار الإسلام الرئيسية، وإنضاج الرأي العام عليها، وذلك من قبيل الوحدة الإسلامية، الدولة الإسلامية، الخلافة الإسلامية، الجهاد تحت لواء الخليفة وقيادته، مع رفض المشاريع الوطنية القطرية وحظائر سايكس بيكو وتصويرها للناس على حقيقتها، من كونها سبب كل الأزمات التي نعيشها.

فإنضاج الرأي العام بالإسلام وحسن إعداده للعيش في ظل سلطان الإسلام، هو بذرة التحرك الواعي المنتظر، وثمرته طوفان للأمة لا يبقي ولا يذر، وهو رصيد نافع بلا شك، وإن تباطأت أو تأخرت الجيوش في نصرة الإسلام والمسلمين لحكمة لا يعلمها إلا الله، فلسنا مكلفين بالنتائج إنما نحن مكلفون بالعمل، وسيتكفل الله سبحانه بالنتيجة. ولا نكترث مطلقا لكلام من يلومنا على طلب النصرة من الجيوش في بلاد الإسلام، ثم نجده يستجدي بدلا من ذلك قوى الكفر على غرار الأمم المتحدة ومجلس الأمن والحلف الأطلسي والمجتمع الدولي الويستفالي! فهذه كلها أدوات وأسلحة الاستعمار في حربه الصليبية المعلنة على الإسلام وأهله.

الحاجة الملحة إلى دولة من طراز خاص

أمتنا تدرك اليوم أن الأنظمة عميلة وخائنة وفاشلة، وعاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة، ولم تعد تنتظر منها نصرة لفلسطين والحال أنها تنكل بشعوبها وتسحقهم إلى الهاوية. بل صارت تدرك أيضا، أن هذه الكنتونات ليست دولا بالمعنى الحقيقي للدولة، بل هي حظائر استعمارية أو حدائق خلفية للاستعمار شيدت على مقاس الكافر المستعمر لتؤخر نهضة الأمة، في غفلة من أجدادنا، وها نحن ندفع ضريبة هذه الغفلة إلى اليوم، ولذلك لن نجد معارضة إذا قلنا للناس إن لبنان ليست دولة، أو أن تونس ليست دولة، بالمفهوم الحقيقي للدولة التي لديها كامل مقومات السيادة، وأن المطلوب للخروج من الواقع المتردي هو وجود دولة، ولكن ليس أي دولة، بل دولة للمسلمين تدافع عنهم وتقوم على أساس الإسلام، ولا شيء غير الإسلام. هذه الفكرة، ستجد لها قبولا واسعا أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد الأحداث الأخيرة، فقد مُعست الأمة معساً وسُحقت سحقا، وهي تنتظر من يخلصها من جحيم الرأسمالية العالمية ومن تنكيل الأنظمة الحالية. والكفر الشامل لا يواجه إلا بالإسلام الشامل، لا ببعض أحكامه المجتزأة من سياقها الفقهي والتاريخي والحضاري، وهذا لا بد له من دولة وكيان تنفيذي، ولا يكون ذلك إلا بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

خاتمة

ختاما، هذه الأمة غافلة، نعم. مقصرة، نعم. مستضعفة، نعم. جريحة، نعم. ولكنها أمة موعودة بالنصر والتمكين، وهي تسير اليوم رغم الآلام والجراح والقيود في سياق التمكين لهذا الدين بإذن الله وعونه، وتبحث سبل التحرر وعمن يقودها ويخلصها من هذا الواقع الأليم، ويكابد العناء في سبيل نهضتها وعزتها. بعبارة أخرى، الأمة تبحث عن عيون الأمة، وعن صفوة الصفوة فيها. بل إن أشد المستضعفين فيها اليوم، هم أئمة التغيير وقادة الغد بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.

ومع أنها أمة موعودة إلا أن الوعد الرباني بالاستخلاف والتمكين، جاء موجها في كتاب الله العزيز لعباده المؤمنين (أي من لهم قدر أعلى من الإيمان والعمل الصالح) ليشمل باستخلافهم ونيلهم هذا الشرف بقية الأمة، حيث قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

وعليه لا سبيل لخلاص الأمة إلا بالعودة إلى دينها، بكماله وشموله في دولة يرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء. عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلّاً لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ».

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر