ترتيب أوراق الصراع بين الأمة الإسلامية وأعدائها الحقيقيين
March 28, 2024

ترتيب أوراق الصراع بين الأمة الإسلامية وأعدائها الحقيقيين

ترتيب أوراق الصراع بين الأمة الإسلامية وأعدائها الحقيقيين

إن المتابع لما يحدث الآن في غزة وما يحدث في الشام منذ ما يزيد عن عقد من الزمان يرى بوضوح أن الأحداث الدولية والإقليمية والمحلية قد أعادت ترتيب أوراق الصراع بيننا كأمة إسلامية وبين الغرب الكافر بقيادة النظام الرأسمالي الاستعماري، فقد تحول الصراع الخفي إلى علني، وتصدر الغرب الصراع ضد الشعوب العربية والإسلامية وصارت سياسة كسر عظم يقودها الغرب بنفسه هي السياسة المناهضة، فلم تعد الأنظمة الموجودة في بلادنا هي من تقود الصراع ضد الشعوب بل تراجعت لتقف وراء العدو الحقيقي الغربي وتعينه بما تستطيع ولكن الغرب عاد ليقود الصراع بنفسه من جديد وبصورة علنية (نحكمكم أو نقتلكم)، (تخضعون أو تعدمون).

لقد أصبحت تصريحات الساسة الغربيين مباشرة ومحددة دون مواربة ولا مناورة ولا موادعة، بل بكل صراحة ويفهمها العوام والسذج، كنا نقول في الماضي لسان حالهم مفاده، أما الآن فإنهم يصرحون ويقولون بحالهم ولسانهم أننا نحن الغرب ويهود والأنظمة في كفة والأمة الإسلامية في كفة أخرى. فالشيء الأهم في هذا الصراع أنه عاد من جديد بيننا (كمسلمين) وبين الغرب الكافر المستعمر بشكل مباشر دون وسيط (الدكتاتور الحاكم).

فعندما خرج الثوار ضد المجرم بشار في سوريا خرجت روسيا لعون النظام بكل وضوح ودون مواربة، بدفع من أمريكا، وحملت روسيا معظم الجرائم التي ارتكبت هناك. ثم جاءت الحرب في غزة لتسقط آخر قناع ولتبين السيد الحقيقي الذي يقف وراء كل شيء ووراء الصراع بين الأمة وعدوها الحقيقي الغرب الكافر بقيادة أمريكا ومعها الإنجليز والفرنسيون...

فالشام وغزة الآن أعادا ترتيب أوراق الصراع وأولوياته بين الأمة وأعدائها الحقيقيين. فكيان يهود وإن كان عدوا حقيقيا للأمة الإسلامية إلا أنه أداة بيد الغرب الكافر المستعمر، والحكام والأنظمة في بلاد المسلمين وإن كانوا هم من يخنق الشعوب الإسلامية بصورة يومية ويمزقها ويفرقها إلا أنهم أداة أيضا، لأن الذي يدير الصراع الحقيقي ويضع السياسات ويخوض الحروب ويضع استراتيجيات تركيع المسلمين وإبقائهم تحت السيطرة هم الغرب بقيادة أمريكا، يعني أن الصراع اتضح للأمة بكل فئاتها من جديد، إنه صراع بين مسلمين وكافرين، أي هو الصراع التقليدي الأصيل عبر العصور.

لقد سقطت كل الأقنعة باعتراف المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، فبالأمس يرد سيناتور في أمريكا على صحفي بكل وضوح ويقول نحن كنا وما زلنا ندعم (إسرائيل) وسنبقى معها، فيسأله الصحفي: والفلسطينيون والمدنيون؟ فرد عليه السيناتور وداعا للفلسطينيين.

إن نهاية هذا الفصل في صراعنا مع المستعمرين بصورة مباشرة سيكون مؤلما ومخضبا بدماء المسلمين، وإن ما يحدث في غزة وما حدث ويحدث في الشام هو خير دليل على ذلك، ولكن للأسف فإن لكل شيء ضريبة يجب أن تدفع، وإن أول خطوات النصر تبدأ بتمييز العدو الحقيقي الذي يقف وراء الويلات والمصائب التي أصابت أمة الإسلام منذ ما يزيد عن قرن من الزمان. الصراع عاد واتضح وبان بين الأمة من جهة وبين الغرب الكافر من جهة أخرى وكان لا بد من دفع ثمن الوعي وثمن إبراز العدو الحقيقي. الغرب وأدواته من يهود وحكام المسلمين وهيئة الأمم ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والشرعة الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد كلها أدوات الغرب للسيطرة على أمة الإسلام وتركيعها وإبقائها تحت هيمنة الدول الكبرى المستعمرة بقيادة أمريكا.

هذا الوعي وإن كان مكلفا جدا وثمنه بحار من الدماء التي سفكت وستسفك للأسف، إلا أن بداية النصر تكون بتمييز العدو ومعرفته وإزالة كل الشبهات عنه حتى يتبلور الصراع معه وحتى تركز الآليات والطاقات والجهود نحو هذا العدو الحقيقي ونحو كل أدواته وأذرعه. فالثمن وإن كان مريرا ومكلفا إلا أن الأمة ولأول مرة تدفع ثمنا كبيرا ولكن مقابل أن تعي أمراً مهما وليس أثماناً في مهب الريح، بفضل الله ومنته، ولذا كانت هذه الأثمان التي دفعها المسلمون في الشام ويدفعها المسلمون في غزة هي أثمان باهظة ولكنها ليست دون مقابل.

وصدق الشاعر إذ قال:

دعي شَفَراتِ سُيوفِ الطُّغاةِ *** تُطَبِّقُ منكِ على الْمَقطعِ

فأنشودةُ المجد ما وُقِّعَت *** على غير أَوْرِدَةٍ قُطّعِ

وخلي النفوسَ العِذابَ الصلاب *** تَسيل على الأَسَل الشُّرَّعِ

فساريةُ العلمِ المستقلِّ *** بغير يدِ الموتِ لم تُرفعِ

وإن كانت هذه القصيدة قد قيلت في الجزائر وتحررها من استعمار فرنسا لها، إلا أن مسلمي الجزائر قد استبدلوا بالاستعمار الفرنسي أدواته الذين حلوا مكانه بعد مغادرته، فحكم الجزائر بعد ذهاب فرنسا أذرعها وأيديها، ثم حل أدوات الإنجليز محل أدوات فرنسا لما ضعفت، هذا هو الحال في الجزائر وغيرها من بلاد المسلمين، استبدال الاستعمار بأدواته أو باستعمار آخر.

أما الآن وبعد تجلي المستعمرين والأعداء من جديد فإن ما يتوجب علينا عمله كأمة إسلامية هو أن نخطو الخطوة التالية الواعية وهي الخطوة نحو وحدتنا السياسية الحقيقية، فلا تكفي الوحدة الروحية العقدية، بل لا بد أن تترجم هذه الوحدة العقدية بوحدة سياسية تهدم الحدود والعروش وتوحد الشعوب والطاقات والمقدرات في دولة عز وفي خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة قادمة قريبة بإذن الله.

ولذا فإن كانت الخطوة الأولى في طريق نصرنا وعزنا ووعينا قد تمت بحمد الله بتجلي العدو ومعرفته وتحديده، فيبقى الآن أن تتحرك الشعوب الإسلامية حركة واعية لاستعادة وحدتنا السياسية لكي تتم قيادة الصراع بوصفنا أمة واحدة ضد الغرب الرأسمالي المستعمر كما يتوجب وبالمستوى والوعي المطلوبين فلا تهدر الطاقات في صراعات طائفية وقوميات ووطنيات مقيتة وعداءات تافهة وسخيفة وممزقة وموهنة للأمة ومبددة لثرواتها ومقدراتها وطاقاتها.

وبالمناسبة هذا الأمر وهذا الوعي هو ما صلح به أمر المسلمين في بداية التشريع الإسلامي عندما قامت أول دولة إسلامية على الأرض في المدينة المنورة وكان قائدها رسول الله ﷺ. فقد وضع ﷺ أول دستور للمسلمين في وثيقة المدينة لما أقام الدولة هناك حيث حدد أن أساس التابعية في الدولة بين المسلمين الإسلام والإيمان. قال ﷺ: «... وَإِنَّ ذِمَّةَ اللهِ وَاحِدَةٌ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ... وَإِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، لَا يُسَالِمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ».

أليست هذه الوثيقة السياسية وهذه الوحدة السياسية التي تضمنتها ونصت عليها هي ما نحتاجه للصراع اليوم؟ وهل استطاع المسلمون الأوائل هزيمة الفرس والروم بدون تلك الوثيقة وبدون تلك الوحدة السياسية التي كان أساسها العقيدة الإسلامية؟ وهل سنستطيع اليوم قيادة الصراع مع الغرب المستعمر دون أن يكون لنا دولة تحكم بالإسلام؟

لا بد أن نتوجه بكل طاقاتنا وكل فئاتنا من مفكرين وعلماء وأحزاب ونقابات لترسيخ وحدة الشعوب الإسلامية في دولة واحدة ووحدة سياسية وإلا فإن المستعمرين اليوم الذين باتوا واضحين جليين لنا قد يعيدون الكرة باستبدال أنفسهم بأداة جديدة يختفون وراءها من جديد كما اختبأوا وراء عبد الناصر من قبل وأردوغان من بعد. لا بد من دولة تملك قرارها لقيادة الصراع مع قادة الصراع الغربيين وهذه الدولة لا بد أن يكون أساسها الإسلام، فالإسلام وحده الذي يستطيع توحيدنا وجمع شملنا. قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وقال عمر بن الخطاب هادم الإمبراطوريات وفاتح القدس: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره، أذلنا الله".

اللهم هيئ بنصرك لأهلنا في غزة والشام وكل بلاد المسلمين، وعجل لنا بخلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة تحمينا وتعزنا فيها وتحرر بلاد المسلمين بها وتقودنا بها من خير إلى خير ومن نصر إلى نصر. اللهم آمين

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فرج ممدوح

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر