تصاعد الصراع الإيراني الطاجيكي
October 04, 2017

تصاعد الصراع الإيراني الطاجيكي

تصاعد الصراع الإيراني الطاجيكي

(مترجم)

 اتهمت وزارة الداخلية في طاجيكستان إيران بتمويل الإرهابيين خلال الحرب الأهلية في البلاد. "إن جرائم القتل بحق السياسيين والعلماء والصحفيين المعروفين في طاجيكستان قد ارتكبت بدعم مالي من طهران وبناءً على تعليمات من نائب وزير الدفاع السابق في طاجيكستان عبد الحليم نزار زودا" - هذا ما تم عرضه في الفلم الوثائقي الذي عرض على التلفزيون الطاجيكي مساء يوم 8 آب/أغسطس.


وقال راديو أوزودي "إن وزارة الداخلية الطاجيكية أعلنت عن إنتاج هذا الفلم على أساس اعترافات تم الحصول عليها خلال التحقيق مع ثلاثة من أنصار الجنرال عبد الحليم نزار زودا".


ولتوضيح أسباب الهجوم الإعلامي الذي قامت به سلطات طاجيكستان على إيران التي كانت تعتبر دائما أقرب حليف لرحمون والتي لها علاقات وثيقة في العديد من المناطق، يجب مراعاة ما يلي:


1) العلاقات الوثيقة بين البلدين تشكلت مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عندما كانت إيران، كدولة أجنبية، أول من اعترف باستقلال طاجيكستان وفتحت سفارتها في ذلك البلد. وعلاوة على ذلك، تطور التعاون بين البلدين بسرعة، وأثناء الحرب الأهلية أعلنت السلطات الإيرانية الحاجة إلى استعادة السلام والوئام في طاجيكستان. وفي خريف عام 1994 في طهران، وقعت الأطراف المتنازعة - حكومة طاجيكستان والمعارضة الطاجيكية الموحدة - اتفاقا لوقف إطلاق النار، تم تمديده بعد ذلك عدة مرات.


2) بعد تحقيق السلام بين المعارضة والسلطات الحالية في عام 1997، وبدعم من طهران، بدأ تدفق الاستثمارات الإيرانية، وكان التعاون الاقتصادي بين البلدين ينمو بسرعة من سنة إلى أخرى. وكان حجم الاستثمار الإيراني الأكبر منذ فترة طويلة. وقال رئيس لجنة أملاك الدولة في طاجيكستان دلاتالي سيدوف في عام 2011: "إن أكبر مستثمر في الاقتصاد الطاجيكي اليوم، كما هو الحال في العام الماضي، لا يزال إيران، التي كانت حصتها من الاستثمارات في اقتصاد بلادنا للربع الأول من هذا العام 97.4 مليون دولار". وفي الفترة من 2007 إلى 2012، استثمرت إيران أكثر من مليار دولار في الاقتصاد الطاجيكي.


وبالإضافة إلى ذلك، أيد الرئيس رحمون البرنامج النووي الإيراني، قائلا في عام 2010 "نحن نؤيد البرنامج النووي السلمي الإيراني على جميع المستويات كشريك استراتيجي" (RBC 4 كانون الثاني/يناير 2010). وكانت إيران، بدورها، قد وقفت مع طاجيكستان في العام نفسه، مهددةً أوزبيكستان بتجميد حركة القطارات الأوزبيكية عبر إيران حتى تسمح طشقند للشاحنات بالمرور عبر طاجيكستان بسلام.


3) استمرت العلاقات الوثيقة بين الدول حتى اعتقلت السلطات الإيرانية الملياردير الإيراني باباك زاندزاني بتهم اختلاس مليارين و60 مليون يورو من أموال الموازنة التي تخص وزارة النفط الإيرانية. وفي شباط/فبراير 2014، أمر ونظم الرئيس الإيراني حسن روحاني بنفسه التحقيق في سرقة أموال الميزانية التي أدارت العمليات المتعلقة بباباك. ووفقاً للجانب الإيراني، فقد تم سحب هذه الأموال من خلال المصرف الوطني لطاجيكستان، هذه المعلومات نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية في آب/أغسطس 2014 بالاستناد إلى وزير صناعة النفط في إيران بيزان نمدار زانغاني. وكانت هذه بداية هبوب الرياح الباردة على العلاقات بين طاجيكستان وإيران.


ولكن وفي وقت لاحق اشتد الصراع عندما دعت إيران في عام 2015 زعيم حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان محي الدين الكبيري إلى مؤتمر يسمى "الوحدة الإسلامية" إلى جانب وفد من طاجيكستان برئاسة المفتي الأعلى صدموكارم عبدلكودرزودا. وعلاوة على ذلك، ففي القاعة التي عقد فيها المؤتمر، كان المفتي يجلس إلى جانب الكبيري، الذي كان موجوداً في الوقت ذاته تحت التحقيق الطاجيكي. واعتبر هذا الحدث في طاجيكستان "خطوة غير ودية، وعدم احترام لطاجيكستان"، وتم تسليم مذكرة احتجاج إلى السفير الإيراني. ووصف رئيس مجلس العلماء في طاجيكستان إيران بأنها "شريك مع الإرهابيين".


بعد كل ذلك، قيدت طاجيكستان استيراد السلع الإيرانية، وبدأت الشركات الإيرانية الكبيرة والصغيرة بغلق أبوابها في البلاد، وتوقف إصدار تأشيرات بشروط تفضيلية لأهل إيران في مطار دوشنبيه. وانخفض حجم التجارة بين هذين البلدين إلى 292 مليون دولار في عام 2013 وإلى 114 مليون دولار في عام 2016.


ذكرت وكالة أفيستا في 31 تموز/يوليو 2017 بالاستناد إلى وزير النقل في طاجيكستان خدويور خدورزودا أن إيران تمول 20% فقط من المبلغ الإجمالي للأموال التي وعدت بها لتطوير التقييم الاقتصادي لبناء القسم الطاجيكي من مشروع السكك الحديدية من المشروع الدولي "كاشغار هيرات".


4) أجبر تباطؤ العلاقات بين البلدين، مع الأخذ في الاعتبار الوضع الاقتصادي الحالي في طاجيكستان، أجبر نظام رحمون للبحث عن مستثمرين جدد لدعم اقتصاد البلاد وتنفيذ عدد من مشاريعها، بما في ذلك استكمال محطة روجون للطاقة الكهرومائية. وأثناء البحث عن المستثمرين الجدد، جاءت طاجيكستان بالقرب من السعودية، مع السلطات التي عقدت معها السلطات الطاجيكية العديد من المحادثات. ووفقاً لخدمة الصحافة لرئيس طاجيكستان في 22 تموز/يوليو 2017 فقد أجريت محادثة هاتفية، لم يتم الإبلاغ عن تفاصيل المحادثة، بين رحمون وملك السعودية سلمان بن عبد العزيز آل سعود.


ما هي أسباب اتهامات التلفزيون الطاجيكي لطهران؟ الجواب على ذلك هو:


في 5 آب/أغسطس 2017، تولى الوفد الطاجيكي بقيادة وزير الطاقة والموارد المائية أوسمونيالي أوزمونزودا المشاركة في تنصيب الرئيس الإيراني حسن روحاني. ومع ذلك، فإن وسائل الإعلام الطاجيكية لم تقل شيئاً عن تفاصيل الزيارة التي قام بها الوفد الطاجيكي لإيران، في حين أفادت وكالة مهر الإيرانية في 6 آب/أغسطس بأن اجتماعاً عقد بين أوزمونزودا ووزير الطاقة الإيراني الحميد تشيتشيان. وفي مساء 8 آب/أغسطس وعلى تلفزيون الدولة الطاجيكية، كان هناك فيلم وثائقي اتُّهمت فيه إيران بتنظيم عمليات اغتيال شخصيات عامة بارزة في طاجيكستان في التسعينات، أثناء الحرب الأهلية وبعدها.


وبالتالي، يمكن الافتراض أن رحمون لم يتمكن من جذب الاستثمارات الإيرانية لتنفيذ عدد من المشاريع، وبعد ذلك فقد الجانب الطاجيكي أخيراً الأمل في إيران كمصدر للاستثمار. وحدث كل ذلك خلال زيارة الوفد الطاجيكي في 5 آب/أغسطس إلى إيران. ولذلك، فإن سبب عرض الفيلم المناهض لإيران هو أن تظهر طاجيكستان لمنافسي إيران الإقليميين أنها تشاجرت مع إيران، وهي مستعدة للتعاون مع الدول العربية.


ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أن المال من البلدان العربية ليس له آفاق بعيدة المدى لطاجيكستان، وبالتالي العلاقات مع إيران يمكن أن تتغير جذرياً مرة أخرى في أي لحظة إذا وجدت المناسبة الملائمة.


لقد نهب النظام العلماني المتوحش في طاجيكستان البلد منذ فترة طويلة، وحكم على الشعب بالفقر. باع رحمون وعائلته البلاد للأجانب، فقد باع الأرض وثرواتها للصينيين، وباع شعبه للعبودية الروسية.

والآن، وعلى غرار الطغاة الفاسدين، فهو غير قادر على التعامل مع الاقتصاد، ينتقل متشنجاً إلى الاستثمارات الدولية والقروض وإصدار السندات الحكومية دون إمكانية الرجوع. أي أنه اتضح أن محور دوران سياسة طاجيكستان الخارجية هو محاولة بائسة ومخزية للطاغية رحمون أن يتسول من البلدان الغنية للحصول على المزيد من المال لإطالة عمر نظامه. ألا يشعر هذا الحاكم بالخجل من نفسه؟ نسأل الله أن يرد كيده في نحره.


إلى أي مدى سيتحمل المسلمون أولئك الحكام؟

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عمر فارسي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر