تسليط الضوء على الطريقة الشرعية التي يتبعها حزب التحرير لإقامة الدولة
October 09, 2025

تسليط الضوء على الطريقة الشرعية التي يتبعها حزب التحرير لإقامة الدولة

تسليط الضوء على الطريقة الشرعية التي يتبعها حزب التحرير لإقامة الدولة

إن اتباع الرسول ﷺ واجب، فالآيات القرآنية التي تأمر بالاقتداء به كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

إن واقع المسلمين اليوم شبيه بالمرحلة المكية في الدعوة النبوية، حيث يعيشون في "دار كفر" بسبب حكمهم بغير ما أنزل الله - ومصطلح الدار مصطلح شرعي مفصل في كتب الفقه - ما يستوجب اتباع المنهج المكي في التغيير، وقد سار الرسول ﷺ بثلاث مراحل رئيسية في طريقه لإقامة الدولة الإسلامية:

-     مرحلة التثقيف وبناء التكتل الحزبي:

البدء بالاتصال الفردي لنشر الفكرة، كما فعل النبي ﷺ في الدعوة السرية وتنظيم الحلقات الدراسية لصياغة شخصيات إسلامية متكاملة. وقد بدأ الحزب هذه المرحلة في القدس عام 1953م بقيادة المؤسس الشيخ الجليل العلامة تقي الدين النبهاني رحمه الله.

-     مرحلة التفاعل مع المجتمع:

عن طريق الصراع الفكري والكفاح السياسي وطلب النصرة من أهل القوة والمنعة، ويكون فيها الخطاب الجماعي عبر المحاضرات والندوات والمنشورات لمواجهة الأفكار المنحرفة والأنظمة الكافرة، كما تصدى النبي ﷺ لقريش، وقد سار الحزب بهذه المرحلة وقام بالتركيز على الصراع الفكري ضد عقائد الكفر وأفكاره والكفاح السياسي ضد الحكام والاستعمار وفضحهم وتبنّي قضايا الأمة وفق الشرع، وبهذه الأعمال وجد الرأي العام في المجتمع حول الدعوة الإسلامية.

-     مرحلة استلام الحكم:

وهذه تأتي بعد نجاح المرحلتين الأولى والثانية وإيجاد الرأي العام في الأمة المبني على وعي عام وطلب النصرة من أهل القوة والمنعة لإقامة الخلافة، فهذا الأمر قام به الرسول ﷺ حيث وجد الرأي العام، كما كان الرسول ﷺ يطلب النصرة من سادة قريش والطائف وسادة القبائل الأخرى من كندة وبني شيبة ...إلخ، وظفر بالثواب الأنصار في بيعة العقبة ومن ثم تطبيق الإسلام كمنهاج حياة شامل.

وهذا المنهج الذي سلكه حزب التحرير أكسبه خصائص ومميزات يفتقر لها جميع من يعمل للإسلام على الساحة من تكتلات، حيث تميز الحزب بالوضوح والصراحة فلا مجاملة في مواجهة الباطل، مع الالتزام بالعمل السياسي دون العنف، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ﴾ [الحجر: 94].

ومن خصائصه الصبر على الأذى كما صبر الأنبياء، دون اللجوء إلى القوة المادية إلا في حالات الدفاع عن البلاد الإسلامية، والتركيز على الصراع الفكري والكفاح السياسي.

ويواجه شباب الحزب تحديات وصعوبات ومشاق كثيرة من اضطهاد شديد من الحكام (سجن، تعذيب، منع سفر، وتضييق ...إلخ)، لكنه استمر في النضال سلمياً، مقتدياً بصبر الرسول ﷺ في مكة، واليوم يواصل الحزب دعوته آملاً بإقامة الخلافة، مع التركيز على:

-     بناء رجال دولة

-     إيجاد الرأي العام في الأمة حول أفكار الإسلام

-     كشف مؤامرات الاستعمار التي تحاك ضد الأمة

-     تبني المصالح الحقيقية للأمة

ويؤكد الحزب أن منهجه قائم على الثبات في الغاية والطريقة والإبداع في الأساليب والوسائل، مع التمسك بالنموذج النبوي في التغيير الجذري الشامل.

كما تعمل دول الغرب على تشوية أفكار الإسلام وبالذات الأفكار السياسية التي تنهض الأمة ومنها التشكيك في الطريقة التي يسير عليها حزب التحرير في التغيير، أهمها:

1-  طلب النصرة من الجيوش: حيث يتم اتهام المنهج بعدم الواقعية أو مخالفة الشرع.

  • ●   الرد الشرعي على منهج طلب النصرة من الجيوش

- الأدلة الشرعية من القرآن والسنة:

- بيعة العقبة: نموذج نبوي لطلب النصرة من أهل القوة والمنعة (الأوس والخزرج) لإقامة الدولة، حيث بايعوا النبي ﷺ على الحماية والمناصرة.

- حديث «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (رواه مسلم): يؤكد أن التغيير يحتاج إلى قوة تنفيذية.

- قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:60]، حيث تفسر "القوة" بالجيوش وأدوات الحكم.

مع أهمية ملاحظة الفرق بين طلب النصرة لإقامة دولة الخلافة والانقلابات العسكرية التي تكون وراءها الدول الكافرة في بلاد المسلمين.

- طلب النصرة يقوم على:

- إيجاد رأي عام مبني على وعي عام في الأمة على أفكار الإسلام وإقناع أهل التأثير والجيوش وهم جزء من الأمة

- تغيير المفاهيم قبل تغيير الأنظمة، ووجود نظام منبثق من الإسلام

- إيجاد دولة إسلامية تكون السيادة فيها للشرع والسلطان للأمة

- أما الانقلابات العسكرية التي حصلت في كثير من البلدان، فهي عمل عسكري لخدمة الدول الاستعمارية، وهو ما يرفضه الحزب كون هذا العمل يجعل الدولة منزوعة السيادة تابعة لغيرها.

  • ●   الرد على اتهام "عدم الواقعية:

- الناحية الشرعية: اتباع طريقة الرسول ﷺ فرض وطلب النصرة جزء من هذه الطريقة فالقيام به واجب.

التجربة التاريخية: لم تقم أي دولة في العالم بدون قوة فالقوة أساسية لإقامة أي دولة.

- الواقع المعاصر: هذه الجيوش أفرادها من جنود وضباط هم أبناء المسلمين ورجالهم، وجزء من هذه الأمة العظيمة، وينفق عليها من خيرات المسلمين، والبلاد الإسلامية فيها الكثير ممن فيهم الخير لأمتهم والمريدين العزة لدينهم، فأين العيب والعلة في استنهاضهم وحثهم على تحمل مسؤولية الأمة الإسلامية، والحاضر والماضي يشهد أن في جيوش المسلمين رجالا ما إن يجدوا الحق ويعرفوه لن يفرطوا فيه؟

ثانياً: رفض المشاركة السياسية حيث يتهم الحزب بالعزلة.

  • ●   الرد الشرعي على رفض المشاركة السياسية

 1. الأدلة الشرعية:

حرمة الحكم بغير ما أنزل الله: قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:44].

المشاركة في البرلمانات تعني التشريع بغير الله، وهو كفر بواح.

حديث «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» يمنع الانضمام لأنظمة تشرع القوانين الوضعية.

 2. الفرق بين المشاركة السياسية والعمل السياسي:

 المشاركة السياسية: قبول النظام القائم (سواء أكان نظاما رأسماليا أو اشتراكيا) وهو مرفوض كونهم يتناقضون مع الإسلام جملة وتفصيلا.

العمل السياسي: رعاية شؤون الناس بالإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل كشف فساد الأنظمة ودعوة الناس لتبني الإسلام باعتباره منهج حياة في الحكم والاقتصاد و...إلخ، وهذا ما يفعله الحزب.

  • ●   الرد على اتهام العزلة:

- مشروع دستور الخلافة: يثبت أن الحزب يقدم بديلاً عملياً، لا يرفض السياسة بل يرفض الاندماج والمشاركة في الحكم في ظل الأنظمة الرأسمالية الفاسدة وغير الشرعية.

- فشل النماذج المشاركة: تجارب "الإسلاميين" في مصر وتونس أثبتت أن المشاركة تؤدي إلى التبعية وإقرار الباطل لا التغيير.

  • ●   التكفير وإقصاء الآخر

يُنتقد الحزب لتكفيره الأنظمة والحكام، ويتهم بالتشدد والإقصاء، ما يجعله في صدام دائم مع الأنظمة والمجتمعات.

  • الرد:

- التمييز بين الفعل والقائم بالفعل: الحزب يكفر "فعل" الحكم بغير الشرع، ولا يكفر الأشخاص إلا بتحقق شروط التكفير عليهم، ومصطلح دار الكفر ودار الإسلام مصطلحات شرعية لها مدلولات حددها الشرع ولم يأت بها حزب التحرير من عنده.

- النقد السياسي المشروع: يعتبر نقد الأنظمة حقاً شرعياً، مستنداً إلى حديث «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»

  • ●    الجمود الفكري وعدم مواكبة العصر.

 يتهم الحزب بالجمود لتمسكه بمنهج ثابت منذ تأسيسه في خمسينات القرن الماضي، ورفضه التكيف مع مستجدات العصر مثل الديمقراطية أو حقوق الإنسان وحرية المرأة وغيرها من المفاهيم الغريبة.

  • الرد:

- الثوابت والمتغيرات: يفرق بين الثوابت الشرعية (كوجوب الخلافة) والمتغيرات (كوسائل الدعوة)، حيث يستخدم التقنيات الحديثة مثل الإنترنت والإعلام.

- مشروع دستور الخلافة: يقدم حلولاً عملية لقضايا معاصرة مثل الاقتصاد والتعليم وغيرها فأين الجمود؟!

- الحزب يرفض الديمقراطية لأنها تخالف الشرع، وليس لأنه ضد التطور، وعمليا الديمقراطية قديمة منذ عهد اليونان فإذا سرنا على عقلية المنتقدين فالتخلف هو اتباع الديمقراطية كونها فكرة قديمة جداً!

  • ●   إهمال الجانب التربوي والروحي

يُنتقد الحزب لإهماله التربية الروحية والفردية، وتركيزه على الجانب السياسي فقط، ما يجعله يفتقد إلى بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة.

  • الرد:

- التركيز على التثقيف: يؤكد الحزب على بناء الشخصية الإسلامية عبر حلقات الدراسة المركزة، مستنداً إلى منهج النبي ﷺ في تربية الصحابة، ومفاهيم الإسلام عندما تتبلور فإنها تغير الإنسان فكرياً وسلوكياً، فالمواقف هي التي تبين من هو المؤمن القوي وليس الشكل.

إذن السير وفق طريقة الرسول ﷺ في إقامة الدولة فرض وأي فرض بل هو تاج الفروض، وحزب التحرير يسير على هذه الطريقة بحذافيرها ابتغاء مرضاة الله. نسأل الله أن يكرمنا بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد الأصبحي – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر