وحلمنا بعروسةٍ مجداً وإذا بالمولودة قردة!
November 05, 2022

وحلمنا بعروسةٍ مجداً وإذا بالمولودة قردة!

وحلمنا بعروسةٍ مجداً وإذا بالمولودة قردة!

قمة استثنائية غير مسبوقة.. تحضيرات بمقاييس عالمية وبرنامج سياسي مميّز.. آمال على وشك التحقّق... كلها عناوين أجمع عليها سياسيون في وصف اللقاء العربي الـ31 فوق أرض الجزائر. فتتصدر جامعة الدول العربية لتعلن أنه تم الاتفاق بشكل نهائي على عقد قمتها المقبلة في الجزائر مؤكدة أنه لا صحة لتأجيلها أو نقل مكانها.

ونحن نتساءل ما هو دور هذه الجامعة؟ ولماذا أسست وما عملها بين الدول؟

إن جامعة الدول العربية هي منظمة إقليمية تضم دولاً عربية في آسيا وأفريقيا، حيث تم تأسيسها بتاريخ 22 آذار/مارس 1945 في القاهرة، لتهتم بالشؤون السياسية والاقتصادية والعلاقات التجارية والاتصالات وغيرها. ولكل دولة عضو فيها صوت واحد في مجلس الجامعة، ولكن القرارات تلزم الدول التي صوتت لهذه القرارات فقط، ومن أهدافها:

■ التعزيز والتنسيق في البرامج السياسية والبرامج الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لأعضائها.

■ التوسط في حل النزاعات التي تنشأ بين دولها، أو النزاعات بين دولها وأطراف ثالثة.

■ الدول التي وقعت على اتفاق الدفاع المشترك، والتعاون الاقتصادي في 13 نيسان/أبريل 1950 ملزمة على تنسيق تدابير الدفاع العسكري.

نلاحظ أن كل البنود الرئيسية تم تحقيقها بكل احترافية، فلم تكن هناك برامج سياسية وثقافية واقتصادية وغيرها في هذه الدول إلا كما يريد الراسم لهذه السياسات، وبما يخدم المخططات الغربية، ولم يحدث أي نزاع إلا وتدخلت الدول العربية في تعميق شرخ الخلاف أو إيجاد حل للأزمة من وجهة نظر الدول الراعية لنشوء هذه النزاعات، محققة طموح وأهداف ممثلي النزاع.

وطبعا لا يفوتنا أنهم وقعوا على اتفاق الدفاع المشترك، ولكن ضد شعوبهم وحقوق أمتهم، ناهيك عن دورهم الذي لا ينسى مطلقا في صياغة المناهج الدراسية بما يلغي تاريخهم ودينهم، ومحاربتهم للإسلام والعاملين له تحت مسمى "الإرهاب".

إن فكرة إنشاء الجامعة العربية، بدأت في 29 أيار/مايو 1941 حين ألقى أنتوني إيدن وزير الخارجية البريطاني خطابا قال فيه: "إن العالم الغربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمت عقب الحرب العالمية الماضية، ويرجو كثير من مفكري العرب للشعوب العربية درجة من درجات أكبر مما تتمتع به الآن، وإن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم نحو هذا الهدف، ولا ينبغي أن نقفل الرد على هذا الطلب من جانب أصدقائنا، ويبدو أنه من الطبيعي ومن الحق وجود تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية، وكذلك الروابط السياسية. وحكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأي خطة تلقى موافقة عامة". (مجلس العموم البريطاني 24 تشرين الثاني/نوفبر 1943م).

ونحن بدورنا كشعب مسلم نهنئ أنتوني إيدن بأن مشروع الجامعة العربية نجح نجاحا منقطع النظير، وحصاده نراه اليوم على أرض الواقع حاضرا شاملا العالم بأسره.

ففي هذا اليوم تعقد قمة جامعة الدول العربية في بلد المليون شهيد، الذي ساهمت هذه الجامعة في تعكير جوّه وخيانة ثورته.

إن جامعة الدول العربية حققت إنجازين للدول الغربية:

الأول: الحفاظ على مصالح الغرب في السيطرة على بلاد المسلمين، والمحافظة على التفتيت الذي أصاب البلاد العربية، ودعم القومية بشكل كبير.

والأمر الثاني: هو إبعاد المسلمين عن قضاياهم المصيرية، وخاصة القضية الفلسطينية التي لا تعدو في نظر حكام الجامعة العربية سوى شماعة ومنفس تفريغ ضغط، فهي قضية يسمح بالتحكم بها بشكل يرضي الشعوب، ويعملون لها على أن تبقى القضية التي لا حل لها.

إن قمة الجزائر اليوم تؤكد للشعوب العربية المسلمة أنها لم ولن تكون في يوم من الأيام ساعية لما يصلح العباد والبلاد، بل هي كما رسم لها تمضي قدما نحو الأمام فنسمع تصريحا لوزير خارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أن "العديد من الدول العربية تواجه تحديات تلقي بظلالها على أمن الدول وأمنها، وتطال المنطقة" (الجزيرة نت 2022/11/2م). وطبعا يقصد الحكومات وليس الشعوب لأنهم يعملون ليل نهار لوأد الثورات الشعبية.

وقال السيسي: "إن أمننا القومي العربي كل لا يتجزأ، والأخطار التي تواجه دولنا واحدة، وأضاف أن ضمان قوة وحدة صف الأمة العربية يمر عبر احترام استقلال الدول وحسن الجوار". (الجزيرة نت 2022/11/2م). وفي الحقيقة هو أبعد ما يكون عما يقول باستثناء دعمه للقومية واستقلال الشعوب وعدم توحيدها.

وأضاف عباس في كلمته بالقمة العربية: "إن الاحتلال (الإسرائيلي) يصر على تقويض حل الدولتين، ويتصرف فوق القانون مستندا إلى صمت دولي". (الجزيرة نت 2022/11/2م). وهذا تصريح يؤكد أحقية الكيان في فلسطين، وأننا نطلب من المجتمع الدولي الذي أعطانا أرضا بلا شعب بزعمهم، لشعب بلا أرض، ونقبّل الأيادي ونقبَل بأخماس الحلول، وتغلق الأبواب في وجوهنا. ألا تعلم يا خائن القضية أنكم أنتم من باع فلسطين، وعمل على اغتصابها مرارا وتكرارا؟ ولكن أبشرك بجيل قادم سوف يقتلع جذوركم، ويهدم قممكم.

ثم تأتيكم بنود البيان الختامي لقمة الجامعة العربية في الجزائر مدوية تزلزل الأرض، وتصرخ بعلو صوتها!!

■ تؤكد على مركزية القضية الفلسطينية، والدعم المطلق لحقوق الشعب الفلسطيني.

نعم، هي مركزية لبقاء هذه الحفنة من الخونة على سدة الحكم في بلاد المسلمين، وزوالها يعني زوال ظلها، ووجودها يعني وجود هؤلاء الحكام، وأي حقوق لشعب يقتله الجوع، والحرمات، وأبسط حقوق البشر. أين هي هذه القمة مما يفعله الكيان الغاصب بشباب وقرى الشعب الفلسطيني؟! حتى إنهم لم يكلفوا أنفسهم بالشجب، ولا حتى بذكرها! فعن أية حقوق تتكلمون؟!

■ التأكيد على التمسك بمبادرة السلام العربية بكل عناصرها، وأولوياتها.

وللأسف هم من يعملون على عدم وجود السلام بشكل عام، فهذه الحكومات هي التي تمارس القمع والقتل والتشريد لهذه الشعوب، وهم يعملون على تمسكهم باستمرار هذا النوع من تقويض السلام للشعوب، والحفاظ على السلام الغربي للحكام.

■ التشديد على ضرورة مواصلة الجهود، والمساعي الرامية لحماية مدينة القدس المحتلة ومقدساتها.

عن أي حقوق يتكلمون؟! حقا إذا لم تستحي فاصنع ما شئت! أليسوا هم من قمع الشعوب عندما خرجت لنصرة القدس وأهلها؟

■ وقرارات عدة تدعو إلى إنهاء النزاع في كل من ليبيا واليمن وسوريا، ورفض التدخلات الخارجية بجميع أشكالها في الشؤون الداخلية للدول العربية. (الجزيرة نت 2022/11/2م).

إن هذا القرار يدلل على أن الحكام لا يعيشون في كوكبنا، فلم تبقَ دولة لها وزن، أو ليس لها وزن دولي إلا وتدخلت في شأن من شؤوننا بشكل أو بآخر، أما هم فغير موجودين نهائيا!

وغير ذلك القرارات التي أهمها مساندة قطر في استضافتها بطولة كأس العالم! حتى بهذه المسألة التي لا تنتمي لتطلعات شعوب المنطقة، ومعاناتهم على كل الأصعدة، فهم كاذبون في ذلك، ويتمنون الفشل لهم، لأنها دولة عربية لا أكثر ولا أقل.

إن الحكام الرويبضات الذين يعتلون عروش مبنية على جماجم وأقوات شعوبهم، ما هم إلا كلاب مطبَّعة ومطوَّعة لخدمة أسيادهم. فهؤلاء الحكام لا يمثلون شعوبهم، ولا هذه الجامعة التي هي صنيعة الغرب ومنفذة لكل مخططاته، بل تعمل ليل نهار على إبعاد الإسلام السياسي، وتظهر اليوم حتى محاولاتهم لإبعاد المسلمين عن دينهم، وإخراجهم من عقيدتهم، وهدم أسرهم عبر قوانين مقننة في أروقة الأمم المتحدة، وأجندات مدعومة بالمال، والسلطة، والسلاح، عبر (علماء!) باعوا دينهم بدنيا غيرهم.

فيا شعوب هذه الأمة المعطاءة: إن هؤلاء قد وجب خلعهم ولو كلفنا ذلك الكثير، فهم الداء لهذه الأمة، وبخلعهم تعود الأمة إلى حالها الطبيعي، وتسلك طريقها الذي يعبر عنها، وعن تاريخها.

فعقيدة الرأسمالية التي يروج لها علماء السلاطين الذين خانوا أمتهم، هي عقيدة فصل الدين عن الحياة فيعملون على تضليل الأمة بتصوير أن السياسة والدين لا يجتمعان، وأن السياسة الحقيقية هي الواقعية والرضا بالأمر الواقع، مع استحالة تغيره. لذلك لا بد من أن تدرك الأمة السر وراء محاربة الدول الكافرة، والحكام العملاء لكل من يعمل على إنهاض المسلمين، ويعمل على إقامة دولة الخلافة، وضرب أفكار الكفر، فتعيد للإسلام أمجاده. فأهمية عودة الإسلام إلى سدة الحكم تكمن في أهمية رسالته العالمية التي أوجب الله حملها على الناس كافة، وخاصة بعدما وصل الحال العالمي من شر وشقاء واستعباد الناس.

إن دولة الخلافة لا تنتمي إلى دول اليوم بكل أشكالها، فهي نظام رباني يعالج علاقات الإنسان كما يراها رب الناس لا كما يطمع بها زيد وعمرو، فهي رعاية للشؤون داخليا بكل ما تحمله الكلمة من معنى الرعاية، وخارجيا بما يحفظ للإنسان إنسانيته ولا يقبل العبودية لشعوب العالم.

إن الخلاص الحقيقي هو بقيام دولة الخلافة، وإنها قاب قوسين أو أدنى، وندعو كل مخلص من أهل القوة والمنعة أن يتسابقوا ليكونوا سعداً وما أسعد من يفوز بها.

إن الله متم نوره فأين أنتم منه؟ قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر