يا أهل النصرة: إن لم تكن نصرتكم لإقامة الخلافة على منهاج النبوة الآن، فمتى؟!
August 01, 2020

يا أهل النصرة: إن لم تكن نصرتكم لإقامة الخلافة على منهاج النبوة الآن، فمتى؟!

يا أهل النصرة: إن لم تكن نصرتكم لإقامة الخلافة على منهاج النبوة الآن، فمتى؟!

لقد أنزل الله سبحانه وتعالى الدين الإسلامي العظيم على خير البشر محمد ﷺ، وقد مكّن له في الأرض، وأرسل معه القرآن الكريم، ليحكم به بين الناس، لذلك هيأ الله سبحانه وتعالى الظروف المحلية والإقليمية والدولية لميلاد الدولة التي أقيمت على غير إرادة من الكفر وأهله، لذلك هيأ الله سبحانه وتعالى الظروف المناسبة لإقامة دولة الحق في الأرض، في المدينة المنورة، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى عن شكل الموقف الدولي وعن الصراع الدائر حينها بين قطبيه، الفرس والروم، فقال تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وقد نزلت هذه الآيات الكريمات على النبي ﷺ وهو في مكة المكرمة، والآية تقول إن الروم قد غُلبت في أدنى الأرض أي أقرب الأرض للحجاز، وهي بلاد الشام وتحديدا في القدس، ونزلت بعد آخر هزيمة للروم في مصر عام 621 للميلاد، وبعد أن أصلح هرقل ملك الروم جيشه سنة 622م، أي في نفس وقت الهجرة النبوية، أما قبل الهجرة فكان الفرس منتصرين بكل المعارك على الروم، ولم يكن لدى الروم أدنى أمل في الانتصار. وكانت معركة بدر عام 624م، وفي الوقت نفسه انتصر الروم على الفرس واستولوا على أذربيجان ودمروا أقدم معبد نار مجوسي. فكما انتصر الفرس سنة 614م واستولوا على القدس، قابله انتصار الروم عام 624م واستيلاؤهم على مسقط رأس زرادشت ومعبد النار "المقدسة"، وصادف هذا فرح المسلمين بانتصارهم على المشركين في بدر. والمعركة الفاصلة بين الفرس والروم حصلت في آخر عام 627م في نينوى حيث انتصر الروم بأهم معركة طوال الحرب، وبعدها بأربعة أشهر حصل صلح الحديبية عام 628م وكذلك وقّع الفرس معاهدة الصلح مع الروم بعد اغتيال شيرويه لأبيه كسرى. وهكذا، فإنه بينما كانت القوى الدولية متصارعة فيما بينها، وبينما كان ميزان القوى ينتقل من الفرس إلى الروم، كان المسلمون يقيمون دولتهم، وبينما كان قطبا الموقف الدولي يتصارعان على النفوذ في مختلف مناطق العالم، كان المسلمون منشغلين في التمكين لدولتهم في الجزيرة العربية.

أما عن شكل المشهد السياسي بين الأمم الأوروبية المتوغلة في الشمال الأوروبي والغربي، فكانت تغط في دياجير الظلام والجهل المطبق، والحروب الدامية، وكانت بين نصرانية وليدة، ووثنية شائبة، ولم تكن ذات رسالة في الدين، ولا بذات راية في السياسة. يقول هـ. ج. ويلز في كتابه "التاريخ المختصر للعالم": "ولم تكن في أوروبا الغربية في ذلك العهد أمارات الوحدة والنظام"، ويقول روبرت بريفولت في كتابه "صناعة الإنسان": "لقد أطبق على أوروبا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاماً وسواداً، وقد كانت همجية ذلك العهد أشد هولاً وأفظع من همجية العهد القديم؛ لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة وقضي عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي كإيطاليا وفرنسا فريسة الدمار والفوضى والخراب".

أما عن المشهد السياسي في شبه القارة الهندية، فقد كانت الهند في هذه الحقبة من التاريخ متمزقة الأحشاء بفعل الحروب الداخلية والخارجية، وبالتالي فهي لم تكن أفضل حالاً عن سائر الدول الأخرى، وقد خلَّفت هذه الحروب عدداً هائلاً من الرقيق، وكان الهنود يعتقدون أن الرقيق خُلِقوا من قدم الإله، ومن ثَمَّ فهم بخلقتهم خُرقاء مهينون، ولا يمكن أن يرتفعوا عن هذا الوضع المقسوم لهم إلا بتحمل الهوان والعذاب عسى أن تنسخ أرواحهم بعد الموت في مخلوقات أفضل!! وبذلك تضاف إلى لعنة الوضع السيئ الذي يعيشون فيه لعنة أخرى روحية تقضي عليهم أن يرضوا بالذل ولا يقاوموه، ومن ثم لم تكن معاملة الرقيق في الهند تختلف كثيراً عما كان شائعاً في ذلك الوقت من حيث إهدار إنسانية الرقيق إهداراً كاملاً وتحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقاً مقابلها.

أما عن المشهد السياسي في شبه الجزيرة العربية ومنها القبائل العربية في مكة ومحيطها، فقد تفشت في العرب مثالب أخلاقية كثيرة قبل الإسلام، ولا شك أن هذه المثالب قد ظهرت بشكل مكثَّف في الحروب بين القبائل، وقد كانت هذه الحروب تقوم لأتفه الأسباب، كحرب البسوس التي نشبت بين بكر وتغلب بسبب ناقة جرحت، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، واستمرت كل منهما أربعين سنة، كما قامت بين الأوس والخزرج، وهم أبناء عمومة، حروب استمرت طويلاً كان أشهرها يوم بعاث الذي انتهى لصالح الأوس، ومن أشهر أيام العرب حرب الْفِجَارِ التي كانت بين قريش وكنانة من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى، وكان رسول الله e صبياً، وسُمي الفجار لما استحل الحيَّان كنانة وقيس فيه من المحارم، ومما يدل على كثرة الحروب بين العرب أن ابن الأثير بدأ باب ذكر أيام حروب العرب في الجاهلية بقوله: "نحن نذكر الأيام المشهورة والوقائع المذكورة التي اشتملت على جمع كثيرة وقتال شديد، ولم أُعَرِّج على ذكر غارات تشتمل على النفر اليسير لأنه يكثر ويخرج عن الحصر، وبلغ من تعلقهم الشديد بالحرب والقتال وتأصلها في نفوسهم؛ أن قال شاعرهم عمرو بن كلثوم بيتاً من الشعر يُعبِّر عن هذه النفسيات المعقَّدة، والعقول الجاهلة:

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا *** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ

هكذا كان حال العالم إبّان البعثة وأثناء التمكين لها، صراع وقتال بين قطبي الموقف الدولي، وتناحر في أوروبا وجهل وقتال في الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية، فكان بزوغ حضارة الإسلام العظيمة في الزمان والمكان المناسبين، حيث كانت القوى الدولية والإقليمية منشغلة في الحروب، والفراغ الحضاري أوسع ما يكون، حيث كانت البشرية في أمس الحاجة إلى المبدأ الذي يخرجها من هذه الحالة المأساوية التي يعيشون فيها أشقياء، وهذه التقادير هي تقادير من تهيئة العليم الحكيم وليست محض صدف، لذلك لم تكن إقامة دولة الرسول e معجزة خارجة عن القوانين الأرضية المعمول بها بين البشر، بل جاءت بشكل طبيعي، منسجم مع سنن التغيير في المجتمعات وقوانين نشأة الدول، وليس بمعجزة إلهية.

إنّ الناظر إلى الوضع الحالي على مختلف الصعد، الدولي والمحلي والإقليمي والحضاري، يجد أن هناك تشابها كبيرا يصل حد التطابق بين الظروف التي أقام فيها رسول الله ﷺ الدولة الإسلامية، وبين الظروف التي نعيش فيها في الوقت الحالي، وهذه أمارة على أن الله سبحانه وتعالى قد أعاد التاريخ مرة أخرى، حتى يستغلها أولو النهى من أمة الإسلام، فيعيدوا سيرة النبي محمد ﷺ، فيقيموا الدولة التي بشر بقيامها النبي ﷺ، كما أقامها الرسول ﷺ أول مرة، لتشابه الظروف بين الزمانين، فيقيموا الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، حيث أخبرنا رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه حُذَيْفَةُ، حيث قَالَ، قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ» (أحمد).

فلا يخفى على عاقل أن الصراع الدائر بين الدول العظمى، أمريكا من جهة والصين من جهة أخرى، جعل كليهما منهكين اقتصاديا وعسكريا، ومنشغلين سياسيا وحضاريا، وكذلك الأمر الحرب الباردة الدائرة بين أمريكا وأوروبا وبين أوروبا وروسيا، ولا يفوتنا التذكير أن الوضع الداخلي في أمريكا وأوروبا مفكك حضاريا، فالعلمانية والديمقراطية ومبدأ حقوق الإنسان قد انفضح أمرها، حيث أشقت الشعوب وأفقرتهم، ومزقتهم عرقيا واجتماعيا وعقائديا، وظهرت فيهم كل الأمراض الاجتماعية والإنسانية، من عنصرية وقومية ووطنية وفردية وصحية وغيرها، فأصبح هناك فراغ حضاري كبير، ينتظر أي حضارة لتملأه. أما عن الوضع السياسي في دول الشرق الأوسط ومنها الدول العربية، فحالها لا يختلف عن حال دولة الغساسنة ودولة المناذرة، اللتين كانتا قائمتين في منطقة الشرق الأوسط زمن الصراع بين الفرس والروم، حيث كانت إحداهما موالية وعميلة للفرس والأخرى للروم، وكذلك دول الضرار القائمة في العالم العربي وعموم الشرق الأوسط، فمنها ما هو موال وعميل لأوروبا وعلى رأسهم رأس الأفعى بريطانيا، ومنهم ما هو موال وعميل للثور الهائج أمريكا.

إن الصراع الحالي بين أمريكا والصين والذي نتج عنه توتر بين الصين والهند، أكبر أمارة من الله سبحانه وتعالى لأهل القوة والمنعة في البلاد الإسلامية وخصوصا في باكستان وبنغلادش، على أن الله سبحانه وتعالى قد أعاد عقارب الزمن إلى زمن بزوغ فجر الإسلام، فأعاد تهيئة الظروف لقيام الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، تماما كما هيأ الظروف لها في المرة الأولى، فلم تبق قوة على ظهر هذه الأرض قادرة وفي ظرف يمكّنها من الوقوف في وجه دولة الخلافة التي تمثّل مليارين من المسلمين، عندهم من الخيرات والثروات والقدرات والكفاءات، ليست موجودة عند أي أمة على ظهر هذه الأرض، بل إن كل ما تقدم من مقدرات مستغلة في بناء تلك الدول المارقة، وحال قيام دولتهم فإنه سيتم طبيعيا سحب تلك الكفاءات منها وإرجاعها إلى موطنها الأم، فتنهار تلك الدول من الداخل طبيعيا، فإن لم تكن هذه الظروف هي الفرصة السانحة لأهل القوة والمنعة لإعطاء النصرة للإسلام ولقيام دولة الإسلام في الأرض فمتى تكون؟!

أيها الأنصار، إننا على يقين بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يسيّر الأمور كيف يشاء، وهو سبحانه وتعالى الذي يهيئ الأمور، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ وقد هيأها لكم لاستغلالها واقتناص هذه الفرصة فلا تضيعوها، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى قد أنذركم، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ. إننا على بينة في أن الخير فيكم وفي أمتكم وإلى قيام الساعة، ومن كان جده خالداً والقعقاع وصلاح الدين ومحمد بن القاسم لا يمكن إلا أن يكون من أحفادهم مثلهم، ومن كانت جدته خديجة بنت خويلد والخنساء وأم محمد علي رضي الله عنهن، فإن في الأمة أمهات قادرات على إنجاب قادة عظماء مثل هؤلاء القادة الأفذاذ، فالله الله في نصرتكم لدينكم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر