يا أهل القوة والمنعة رجال الدولة جاهزون فأروا الله من أنفسكم خيرا
December 23, 2020

يا أهل القوة والمنعة رجال الدولة جاهزون فأروا الله من أنفسكم خيرا

يا أهل القوة والمنعة رجال الدولة جاهزون فأروا الله من أنفسكم خيرا

إنَّ بعثته ﷺ كانت ميلاداً جديداً للبشرية، وتاريخاً عظيماً للإنسانية، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إليكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

فببعثته كَمُلَ للبشرية دينها، وتم للإنسانية نعيمها، قال تعالى: ﴿اليوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ فكان الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده جميعاً، ولن يقبل الله من أحدٍ ديناً سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. بعث الله النبي ﷺ لإخراج البشرية الضالة فكان حريصاً على هدايتها وإخراجها من الظلمات إلى النور، وحريصاً على إظهار دينه على كل الأديان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وحتى يظهر هذا الدين كان لا بد من رجال يحملونه معه ﷺ فكان أن دعا الناس إلى هذا الدين العظيم، وجمع من آمن برسالته في دار الأرقم بن أبي الأرقم يعلمهم الإسلام وكانت هذه الحلقات بمثابة إعداد رجال للدولة يسوسونها بما تعلموه في هذه الدار العامرة، وحتى توجد هذه الدولة التي أُعد لها هؤلاء الصحابة الكرام كان لا بد من طلب النصرة ممن بيدهم القوة والمنعة حتى يصير الإسلام موضع التطبيق في دولة تتبنى أحكامه دستوراً ومنهاجا. قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾.

قال ابن إسحاق في السيرة النبوية لابن هشام: "... فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف فعمد إلى نفر هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء إليه من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فردوه رداً سيئاً وأمروا به سفهاءهم وصبيانهم يضربونه ويحقرونه، فخرج رسول الله ﷺ من عندهم تائهاً على وجهه من شدة الكرب ولم يستفق إلا بقرن الثعالب، ودخل مكة تحت حماية المطعم بن عدي وقومه على أشد ما كانوا عليه من خلافه". ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في دعوته تجلى فيها تقصد رسول الله ﷺ للزعماء والقادة من خارج مكة وحرصه على أن يؤمنوا به وينصروه ويحموه حتى يبلغ عن ربه ما أمر به. وكان طلب رسول الله ﷺ للنصرة من خارج مكة، إنما بدأ ينشط بشكل ملحوظ بعد أن اشتد الأذى عليه عقب وفاة عمه أبي طالب الذي كان يحميه من قريش، فقد أورد ابن هشام في السيرة النبوية بخصوص نشاطه بعد الطائف ما نصه: "ثم قدم رسول الله ﷺ مكة وقومه على أشد ما كانوا عليه من خلافه... فكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في المواسم... على قبائل العرب... ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه". وهذه المرحلة الجديدة من الدعوة كانت بأمر من الله عز وجل، ولم تكن اجتهاداً من الرسول ﷺ لأمر اقتضته ظروف الدعوة، ويدل على ذلك ما ورد في فتح الباري شرح صحيح البخاري، ما نصه: "أخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل بإسناد حسن عن ابن عباس، حدثني علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على القبائل، خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى...". ويذكر في هذا الحديث الطويل كيف كان النبي ﷺ وصاحباه يقصدون مجالس العرب بمنى بموسم الحج... حتى ذكر قصدهم لمجلس ربيعة، ثم لمجلس الأوس والخزرج من أجل الإيواء والنصرة. والذي يدل على أن هذا الطلب للوجوب هو مداومة الرسول ﷺ على طلب النصرة والحماية من القبائل، ومن أصحاب القوة والمنعة والشرف.

قال ابن إسحاق: "فكان رسول الله ﷺ على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس في المواسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له ودعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده". فأتى كلباً في منازلهم وأتى بني عامر بن صعصعة وأتى كندة في منازلهم، وكندة كانت ملوكاً، وأتى بني حنيفة في منازلهم وكان يقصد كل قبيلة في منازلهم ويعرض عليهم نفسه ويطلب منهم أن يؤمنوا به وأن يصدقوه وينصروه ويحموه. وقد استمر الرسول ﷺ على ذلك حتى وفد أهل المدينة من الأوس والخزرج بعد أن مكث فيهم مصعب بن عمير سنة وواعدهم العقبة، وعقد معهم بيعة العقبة الثانية على أساس النصرة والحماية وكانت بيعة الحرب، وبذلك وجد الكيان الذي ينصره ويحميه، وقد أقيمت الدولة فنالت المدينة المنورة بفضل المهاجرين والأنصار ذلك الشرف الرفيع، فامتدت هذه الدولة قروناً سعدت فيها البشرية أيما سعادة، فكانت الدولة الأولى في العالم تسوس الناس بأحكام الله وكانت العزة والمنعة والغلبة للمسلمين.

وها هو حزب التحرير يسير على طريقة رسول الله ﷺ نفسها مقتدياً به في كل صغيرة وكبيرة متبعاً خطواته شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى يبلغ غايته، فأعد رجالاً للدولة في حلقات مركزة درسوا خلالها كل ما يتعلق بالإسلام فكرة وطريقة وقد هضموا فكرته وانطلقوا بهذه الدعوة الغراء في أوساطهم التي يعيشون فيها يحملون الدعوة ويحثون الناس للعمل الجاد معهم لتمكين دين الإسلام وإظهاره، بإقامة دولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وعد ربنا سبحانه وبشرى نبينا ﷺ، يقودون صراعاً فكرياً وكفاحاً سياسياً، وبحمد الله وفضله ثم بجهود شبابه المخلصين أصبحت الدعوة منتشرة في كثير من بلدان العالم، وقد لاقوا في سبيل ذلك ما لاقوا على أيدي الحكام عملاء الغرب الكافر الذين أتى بهم لخدمة مصالحه ومحو الإسلام من الوجود! والحزب في حمل أفكاره، وفي تصدّيه للأفكار الأخرى، والتكتلات السياسية، وفي تصدّيه لمكافحة الدول الكافرة المستعمرة، وفي مقارعته للحكّام صريح سافر متحد، لا يداجي ولا يداهن ولا يجامل ولا يتملق ولا يؤثر السلامة، بغض النظر عن النتائج والأوضاع، فهو يتحدى كل من يخالف الإسلام وأحكامه، مما عرّضه للإيذاء الشديد من الحكّام من سجن، وتعذيب، وتشريد، وملاحقة، ومحاربة في العيش، وتعطيل مصالح، ومنع من سفر، وقتل، فقد قتل الحكام الظلمة في أوزبيكستان، والعراق، وسوريا، وليبيا العشرات، كما أن سجون الأردن، وسوريا، والعراق، ومصر، وليبيا، وتونس، وتركيا، وباكستان، وآسيا الوسطى وبخاصة أوزبيكستان، وغيرها من السجون مليئة بشباب حزب التحرير، ولا يزال الحزب سائراً في طريقه متحدياً سافراً لا تزيده مثل هذه الأعمال الوحشية إلا صلابة وقوة.

فيا أهل القوة والمنعة من جيوش المسلمين: ألا تغلي الدماء في عروقكم وأنتم ترون المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين يئن تحت وطأة أرذل خلق الله؟!

ألا ترون تركيا التي كانت مركز آخر دولة للمسلمين تنطلق منها الجيوش محررة الدنيا بأسرها، يُقتل من أراضيها أهلنا في شام العزة بآلة المجرم أرودغان؟!

ألا ترون هذه الشلالات من الدماء تسيل في أفريقيا الوسطى وفي سوريا وفي ميانمار وكثير من المسلمين في بلاد الكفر؟!

ألا ترون الحكم في السودان تولاه الرويبضات من قادة الجيش العملاء للمستعمر فتبنوا أنظمته وجلبوا لهذا البلد الطيب أهله الشقاء والتعاسة والعهر والفسق والفجور بتبني مواثيق الكفر من سيداو وحقوق الطفل... والفقر والعوز بخضوعهم لصندوق النقد الدولي؟!

ألا ترون أرض الحرمين وقد دُنست بأفعال الأسرة المالكة الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد؟!! وكذلك في الإمارات والأردن...؟!

ونخاطبكم اليوم يا أهل القوة والمنعة كما خاطب نبينا الكريم عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم، أهل القوة والمنعة قبل قيام الدولة، والأمة اليوم قد ضاقت بها السبل في كل مناحي الحياة؛ من جور حكامها بتطبيقهم النظام الرأسمالي المتوحش الذي أفقر هذه الأمة الكريمة التي لا تكاد ثرواتها تعد ولا تحصى بكثرتها ولكن رغم هذه الهبات الربانية أصبح المسلمون أفقر أهل الدنيا وصرنا في ذيل الأمم بعد أن كنا نقودها!

فهل يستجيب أهل القوة والمنعة فيسلموا حزب التحرير؛ هذا الحزب العريق، والمؤهل، والذي هو من جنس هذه الأمة، يسلموه سلطانها، لقيادة هذه الأمة إلى بر الأمان، وإرجاع العزة والمنعة لها، فنعود سادة للعالم، نقود البشرية من جديد، ونخرجها من ظلمات الرأسمالية إلى عدل الإسلام؟! فهل يستجيب أهل القوة والمنعة، فينالوا هذا العز والشرف العظيم، ويكتبوا أسماءهم بمداد من نور في تاريخ هذه الأمة الناصع، كما ناله الأنصار من قبل عندما نصروا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فشباب حزب التحرير على أهبة الاستعداد فهل من مجيب؟

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ عبد الخالق عبدون

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر