يا ماكرون: المسلمون مستعدون لخوض حربكم الثقافية العلمانية ضد الإسلام!
November 22, 2020

يا ماكرون: المسلمون مستعدون لخوض حربكم الثقافية العلمانية ضد الإسلام!

يا ماكرون: المسلمون مستعدون لخوض حربكم الثقافية العلمانية ضد الإسلام!
(مترجم)


يا ماكرون! أنت تقول إنك تريد شن حرب أيديولوجية ضد الإسلام بقيمك العلمانية وأسلوب حياتك الليبرالي. حسناً، نحن المسلمين أكثر من جاهزين لمجابهة معركة الأفكار هذه.


إذن، ما هي الأسلحة الفكرية التي لديك لضربنا بها؟ هل تجادل بأن العلمانية أوجدت دولاً حضارية ترتكز على قيم كريمة... بينما أنت تشجع إلقاء الشتائم والإساءات على المعتقدات المقدسة للناس تحت راية الحريات الليبرالية؟ هذا إلى جانب وصم (الأقليات) الدينية ومعاملتها كمنبوذين ورعايا من الدرجة الثانية فيما يتعلق بحقوقهم؟ هل ترى أنه من الحضارة ترويع الأطفال المسلمين بمداهمة منازلهم بالشرطة المسلحة، لمجرد أنهم رفضوا قبول الرسوم الكرتونية المهينة لنبيهم ﷺ الذي يحبونه بشدة، أو شيطنة (الأقليات) الدينية من أجل استمالة الناخبين العنصريين المعادين للأجانب كجزء من ألعابك السياسية العلمانية الانتهازية؟ هل الدليل على الدولة الحضارية أن تستعمر وتنهب موارد الدول، وتذبح الشعوب وتفقرها في هذه العملية، أم لدعم حكم الديكتاتوريين في العالم، بما في ذلك بيع السلاح لهم، كما هو الحال مع السعودية، ليتم إطلاق العنان لهم؟ وإطلاقها على السكان المدنيين في اليمن وأماكن أخرى؟ وما مدى التحضر في التعامل مع المهاجرين وطالبي اللجوء الضعفاء والعاجزين الذين يفرون من الحرب والاضطهاد والقمع وكأنهم حشرات يرفضون منحهم الحماية والملاذ الكريم؟


في هذه الحرب الثقافية، هل ستدعي أن العلمانية هي الأيديولوجية والنظام الوحيد القادر على توحيد الناس من مختلف الأعراق والأجناس والمعتقدات... في الوقت الذي يمتلئ به نظامك بالعنصرية بسبب معتقداتك القومية والأوروبية؟ هذا بالإضافة إلى بناء الخوف والكراهية والغضب والانقسام بين المجتمعات من خلال الترويج المعتاد للإسلاموفوبيا من السياسيين العلمانيين والإعلاميين الذين يحاولون تشويه صورة العقيدة الإسلامية بلا هوادة؟ كيف يمكنك التأكيد على أن العلمانية هي قوة موحدة في حين إن الدول العلمانية التي تدير النظام العالمي مهووسة بالنمو المتزايد وتأثير المنظمات والحركات اليمينية والعنصرية والفاشية؟ وكيف لديك الجرأة لإعلان أن المعتقدات الإسلامية تغذي النزعة الانفصالية، بينما أنت وزملاؤك السياسيون العلمانيون هم من ينشرون الروايات المسببة لانعزال المسلمين، الذين تسمونهم مرةً "طابوراً خامساً" في البلاد، ومرةً "الآخر" ومرةً "العدو في الداخل" فقط لتمسكهم بمعتقداتهم الدينية، ومثل منعك للحجاب والنقاب مما أدّى إلى تهميش المرأة المسلمة من الانخراط الكامل في المجتمع؟


لقد كان الإسلام، حيث يجب أن تعلم، هو الذي وحّد الناس من جميع الأعراق والأجناس والخلفيات، من الصين إلى إسبانيا في ظل نظام واحد، دولة واحدة يحكمها مبدؤها، استطاعت إزالة العنصرية من قلوب رعاياها؛ لأنّ عقيدتها نفسها ترفض العنصرية والتمييز، هذه هي الأفكار السامة والمفاهيم التي تغذيها القومية. إنه النبي محمد ﷺ الذي تهاجمه هو من قال: «فَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِعَجَمِيِّ عَلَى عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ فَضْلٌ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ فَضْلٌ، إِلَّا بِالتَّقْوَى». علاوة على ذلك، فإن نبينا الحبيب ﷺ هو الذي وضع نموذجاً لنظام الحكم الإسلامي في المدينة المنورة، حيث كان جميع الناس متساوين أمام الأحكام ويتمتعون بنفس الحقوق وحماية التابعية دون تمييز بين أسود وأبيض، مسلم وغير مسلم، وقد أظهر الإسلام للعالم كيف يُعنى حقاً باحتياجات وحقوق أولئك الذين يدينون بديانات غير الإسلام. حيث نص ميثاق المدينة المنورة على سبيل المثال على أن لجميع غير المسلمين في الدولة التي يحكمها الإسلام الحق في ممارسة معتقداتهم وممارساتهم الدينية دون مضايقة أو إساءة أو أذى. وقد قال نبينا ﷺ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».


لهذا السبب أشاد العديد من الكتاب والمؤرخين من غير المسلمين في الماضي بنظام الخلافة - وهو النظام الذي تحارب إعادة تأسيسه - مثل الكاتب الإنجليزي ه. ج. ويلز، الذي كتب عن عدالة الخلافة: "لقد أسسوا تقاليد عظيمة من مجرد التسامح، إنها تلهم الناس بروح الكرم والتسامح، وهي إنسانية وعملية، لقد أوجدوا مجتمعاً إنسانياً كان من النادر أن تجد فيه القسوة والظلم الاجتماعي، على عكس أي مجتمع جاء قبله"، وويل ديورانت، الكاتب والمؤرخ الأمريكي، الذي ذكر في كتابه "قصة الحضارة - عصر الإيمان: في زمن الخلافة الأموية، كان أهل الذمة من النصارى، والزرادشتيين، واليهود، والصابئة يتمتعون جميعاً بدرجة من التسامح لا نجدها حتى اليوم في البلدان المسيحية، كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم وتمّ الحفاظ على كنائسهم ومعابدهم. لقد تمتعوا بالاستقلالية من حيث إنهم كانوا يخضعون للأحكام الشرعية التي وضعها الفقهاء والقضاة". في الواقع، لم تحم الخلافة رعاياها من غير المسلمين فحسب، بل إنها، بصفتها دولة إنسانية متحضرة حقاً، قد أنقذت ووفّرت ملاذاً لأتباع الديانات الأخرى الذين واجهوا الاضطهاد، كما رأينا في أعمال الخليفة بايزيد الثاني، في القرن الخامس عشر الميلادي، في ظل حكم الخلافة العثمانية، فقد أرسل أسطوله البحري بأكمله لإنقاذ 150 ألف يهودي أوروبي كانوا يتعرضون للاضطهاد من الحكام النصارى في إسبانيا واستقروا في أراضي المسلمين.


يا ماكرون! ما هي الترسانة الفكرية الأخرى التي تمتلكها بين يديك؟ هل ستجادل في أن العلمانية هي أيديولوجية ولدت من التنوير... بينما كانت ولادتها تستند إلى الحل الوسط (فصل الدين عن الدولة)، والذي تجاهل مسألة أي نظام عقائدي كان صحيحاً منطقياً، وتجنب النقاش حول من كان أحق بتشريع القوانين للإنسان، الخالق أم المخلوق؟ وكيف يمكن أن تدعي أن العلمانية تقوم على التنوير، بينما تجبر المسلمين على قبول معتقداتها من خلال الإيمان الأعمى ومن خلال استخدام قوانين حظر قمعية ونشر الخوف، وليس من خلال الحجج المنطقية؟ ومع ذلك، فإن إيماننا بالإسلام يرفض الإيمان الأعمى ويوجب على الأفراد اعتناقه على أساس إيمان عقلي لا دوغمائية، لأن حقيقته تتجلى في براهين فكرية واضحة. يقول القرآن: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [يونس: 36]. بالإضافة إلى ذلك، وخلافاً للنظام العلماني، يحظر الإسلام أي استخدام للإكراه في قبول معتقداته، لأن القرآن واضح: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]


ربما يا ماكرون، ستدافع عن أن تهميش الدين داخل الدول هو الطريق لإيجاد مجتمعات صحيّة ومفيدة. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا، وفقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2011، صُنّفت فرنسا على أنها أكثر دول العالم اكتئاباً، حيث يعاني 1 من كل 5 في الدولة من الاكتئاب الإكلينيكي، وكتبت صحافتها أنها "بطلة العالم في البؤس"؟ ومنحت أمريكا المركز الثاني، وهي قوة علمانية رائدة أخرى في العالم. وإذا كانت طريقة الحياة العلمانية الليبرالية هي الوسيلة للقناعة والسعادة، فلماذا إذن هناك 220 ألف محاولة انتحار في فرنسا كل عام؟ (يوروستات). الجواب بسيط: لقد أوجد تحييد الدين والخالق عن الحياة والمجتمع في ظل العلمانية فراغاً روحياً في حياة الناس، إلى جانب توليد جبل من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها من المشكلات التي لا يستطيع الأفراد التعامل معها بفعالية. نرى على سبيل المثال، كيف أنه على الرغم من كونها واحدة من أغنى البلدان في العالم، وحتى قبل كوفيد-19، كان 1 من كل 7 أشخاص أي (9 ملايين شخص) يعيشون تحت خط الفقر في فرنسا (ستاتيسترا)، و1 من كل 5 أشخاص لم يكن قادراً على توفير ثلاث وجبات في اليوم (سورس بوبيولار) الإغاثة الشعبية الفرنسية، وكانت هناك مستويات عالية ومتنامية من البطالة والديون الضخمة ومستويات كبيرة من الضغوط المالية على الناس، والوضع الآن أكثر كارثية، ويعكس كذلك الصورة عن الدول العلمانية في جميع أنحاء العالم. علاوةً على ذلك، فإن الحريات الليبرالية والنظام العلماني الرأسمالي قد غذّوا أنماط الحياة الفردية والمتعة والمادية التي تسببت في انتشار الانحلال مثل تعاطي المخدرات والإدمان على الكحول وكذلك الجريمة. ففي فرنسا، يعاني شخص واحد من بين كل 10 أشخاص من مشكلة الكحول (الإندبندنت)، بينما يموت أكثر من 110 أشخاص كل يوم بسبب حادث أو حالة مرتبطة بالكحول (سانت بابليك فرانس).


في المقابل، يوفر الإسلام هدفاً واضحاً في الحياة بالإضافة إلى الأساس الروحي للتعامل مع الصعوبات والمصاعب، مما يساعد على منع القلق والاكتئاب وتخفيفه. هذا بالإضافة إلى نبذ الفردية ومذهب المتعة والمادية واستهلاك الخمور والمخدرات والسعي الأناني المدمر لرغبات المرء دون اعتبار للعواقب. بدلاً من ذلك، يوجد الإسلام عقليات مسؤولة تحمل إحساساً بالمساءلة في أفعال الفرد وفي معاملة الآخرين وفقاً للمعايير الأخلاقية العالية التي وضعها الخالق. إلى جانب ذلك، تفصّل النصوص الإسلامية حلولاً شاملة وسليمة لجميع مشاكل الإنسان، وإيجاد مجتمعات متناغمة وخالية من الجريمة ينعم فيها الجميع بالرخاء، وليس فقط لقلة قليلة من الناس، وقد تجلى هذا على مدى قرون في ظل الحكم الإسلامي (الخلافة). لذلك، بينما ترك الاحتلال الفرنسي لشمال أفريقيا إرثاً من الفقر والفشل الاقتصادي في المنطقة، فإن الحكم الإسلامي على تلك الأراضي نفسها في ظل خلافة عمر بن عبد العزيز، انتشل الناس من الفقر من خلال تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي، ومثلاً لم يوجد أحد بحاجة إلى صدقة الزكاة الإسلامية. قال والي شمال أفريقيا حينها يحيى بن سعيد: "بعثني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على صدقات أفريقيا فاقتضيتها (أي جمعت الزكوات) وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيرا، ولم نجد من يأخذها مني، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس".


يا ماكرون! أنت تزعم أن المعتقدات الإسلامية المحافظة قد تولد العنف وقتل المدنيين، بينما تعلن بشكل سخيف أن العلمانية لم تقتل أحداً قط. لكن المسلمين لا يحتاجون إلى دروس في منع إراقة الدماء من جمهورية علمانية ولدت من ثورة قامت على الإرهاب والذبح. كما أننا لسنا بحاجة إلى محاضرات حول منع العنف من حكومة استعمارية تلطّخت أيديها بدماء ملايين الأبرياء، والتي أدّت سياستها الخارجية إلى إنشاء مقابر للدول، بما في ذلك الجزائر ورواندا. في المقابل، يكره الإسلام العنف الأعمى وسفك دماء الأبرياء، حتى أثناء الحرب، فقد أمر الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه جنوده بحدود إراقة الدماء في المعركة قائلاً: "يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإن أكلتم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله، أفناكم الله بالطعن والطاعون".


يا ماكرون، ربما تشعر أنه يمكنك الفوز في هذه الحرب الأيديولوجية العلمانية ضد الإسلام في ساحة معركة المرأة وحقوقها. ربما تعتقد أنه يمكنك الاستمرار في الترويج للرواية البالية، الاستعمارية، الوهمية بأن العلمانية تكرّم المرأة وأنّ الإسلام يضطهدها، على أمل أن يتجاهل العالم احتجاجات آلاف النساء الفرنسيات الغاضبات في شوارعك من وباء العنف الناتج عن نظامك العلماني الليبرالي؟! هل تعتقد أنه يمكنك فقط إخفاء النفايات تحت السجادة؟ الحقيقة أن أكثر من 219000 امرأة في فرنسا يواجهن العنف المنزلي كل عام (يورونيوز)، وأن امرأة واحدة تُقتل كل ثلاثة أيام على يد شريك حالي أو سابق (فرانس 24)، أو حقيقة أن أكثر من نصف النساء الفرنسيات تعرضن للتحرش الجنسي (ستاتيستا). وأنّ أكثر من 1 من كل 10 يتمّ اغتصابهن (مؤسسة جين جاروس ثينكتانك)، أو حقيقة أن البرلمان الفرنسي - قلب الحكم العلماني - مليء بالتمييز العنصري؟


وأنت تعلم جيداً أن هذه الإحصائيات تعكس الصورة، إن لم تكن أسوأ، في دول علمانية أخرى في جميع أنحاء العالم. علاوةً على ذلك، كيف يمكنك أن تدعي أن النظام العلماني يكرّم المرأة، في حين إن جعلها سلعة واستغلالها الجنسي في صناعات التجميل والإعلانات والمواد الإباحية والدعارة مرخّص به داخل الدول العلمانية بموجب الحريات الجنسية الليبرالية، مما يسمح للشركات بالاستفادة من إهانة المرأة؟ وما هو شعورك تجاه التحرّر لأن تكون النّساء أمهات عازبات، يكافحن من أجل تربية أطفالهن وإعالتهن بمفردهن، بسبب دمار الزواج والحياة الأسرية بسبب دوامة العلاقات المرحة الناتجة عن الحريات الجنسية الليبرالية؟


وفي الوقت نفسه، يتّهم العلمانيون بسخرية، الحجاب أو الجلباب باضطهاد المرأة، بينما يمثّلان في الواقع جزءاً من النظام الاجتماعي الإسلامي الذي يُجسد مجموعة شاملة من الأحكام التي تُنظم بشكل فعّال العلاقة بين الرجل والمرأة من أجل ضمان التعاون بين الجنسين في جميع جوانب الحياة من خلال توجيه إشباع الرغبات الجنسية إلى الزواج وحده. لذلك، فهو نظام يحظر صراحةً جعل المرأة سلعة وإضفاء الطابع الجنسي عليها، فضلاً عن استغلال جمالها لأي غرض، فضلاً عن أي عمل آخر يؤثّر على مكانتها في المجتمع. كل هذا يخلق بيئة محترمة للمرأة داخل مجتمع يمكنها فيه ممارسة حياة عامة نشطة، خالية من الخوف من التحرّش أو الإساءة، مع حماية قدسية الزواج،


وسلامة وحدة الأسرة، وحقوق الأطفال... وبينما تحتفي العلمانية بكل ما هو بذيء ورذيل، وتُجرّم كل ما هو كريم وأخلاقي، فإن الإسلام يحتضن ما هو فاضل ومشرف، حتى إن كلمة واحدة تنتهك شرف المرأة تعتبر جريمة خطيرة. بل إن النبي محمداً ﷺ، الذي تعمل أنت على تشويه سمعته والإساءة إليه، ذكر أن خير الرجال يجب أن يُقاس بمستوى معاملته للمرأة. فقال ﷺ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ». وقال رسول الله ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ».


بعد كل هذا يا ماكرون، كيف تجرؤ على الادّعاء بأن الإسلام في أزمة، بينما العلمانية هي التي تواجه الانهيار؟ الحقيقة هي أنه ليس لديك أسلحة فكرية لضرب الإسلام، ولهذا لجأت بشدة إلى الأكاذيب والشتائم والقوانين الصارمة والحظر لخوض هذه الحرب الأيديولوجية، مع العلم أن العلمانية قد خسرت بالفعل معركة الأفكار الفكرية مع الإسلام.. في الواقع، أصيب الكثيرون في الغرب بخيبة أمل من المثل العليا للديمقراطية والعلمانية، بعد أن رأوا كذبة وعودها وادعاءاتها الوهمية. لهذا السبب ترفض حتى إجراء مناقشة مع المسلمين حول قيمهم الإسلامية ونظامهم وما يقدمونه للإنسانية والعالم، وتختار بدلاً من ذلك لومهم وإسكاتهم عن التعبير عن معتقداتهم.


لكننا لن نتخلى عن معتقداتنا الإسلامية، بغض النظر عن الأكاذيب والتسميات التي تلقونها علينا... فهذه المعتقدات ليست مبنية على الحقيقة فحسب، بل إن العالم يمر اليوم بأزمة بسبب العلمانية وغيرها فإنّ الأنظمة التي صنعها الإنسان بحاجة إلى قيم وأحكام الإسلام السامية أكثر من أي وقت مضى! لذا يا ماكرون، يمكنك الاستمرار في خوض هذه المعركة إذا كنت ترغب في ذلك... لكن اعلم هذا... إنها حرب لا يمكنك الفوز بها أبداً!


﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 109]

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. نسرين نواز
مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر