زيارة بوتين أو الاستعمار الجديد روسيا
April 23, 2019

زيارة بوتين أو الاستعمار الجديد روسيا

زيارة بوتين أو الاستعمار الجديد روسيا

المقدمة:

من المعروف أن منطقة آسيا الوسطى أصبحت الآن مجالا للنزاع بين روسيا وأمريكا والصين. وتريد روسيا في إطار هذا النزاع أن تجعل قرغيزستان "نقطة الأساس" لسياستها الاستعمارية باستخدام "نقاط الضعف" فيه.

ونرجع إلى التاريخ ليكون قولنا واضحاً:

إن أمريكا والاتحاد السوفيتي تآمرتا في ستينات القرن الماضي وعززتا عملية إنهاء الاستعمار باستخدام مفهوم "الاستقلال" للاستيلاء على مستعمرات الدول الأوروبية. نتيجة لذلك أثرتا في بعض الدول التي حصلت على الاستقلال الزائف وبعضهم بقي تحت تأثير سادتهم السابقين "بالاستقلال". وبعبارة أخرى، كانت حالة هذه البلاد تختلف عن الحالة القديمة بجهة واحدة، يمكن التنازع عليها بطرق أيديولوجية وسياسية واقتصادية. وهذا ما يسمى "الاستعمار الجديد".

وكذالك كان الاستعمار الجديد قد وقع عند انهيار الاتحاد السوفيتي الذي ورثته روسيا. وجمهوريات أخرى حصلت على الاستقلال الزائف. أي وجدت الفرصة لدى المستعمرين للهيمنة على الدول التي استقلّت عن الاتحاد السوفيتي.

مشاريع استعمارية

الاستعمار الجديد لأمريكا وروسيا والصين في آسيا الوسطى ينعكس في هذه المشاريع التالية:

بعد تمكن الغرب الرأسمالي من إسقاط الاتحاد السوفيتي تبنّت أمريكا لآسيا الوسطى في البداية مشروع "آسيا الوسطى الكبير". وسُمي بـ"طريق الحرير الجديد" بعد عام 2011. والآن يسمى بـ"1+5س". والهدف من هذا المشروعِ هو إدماجُ آسيا الوسطى مع أفغانستان وباكستان والهند، من أجل انتزاع دول آسيا الوسطى من روسيا.

تَبنّت الصين مشروع "طريق الحرير الاقتصادي الجديد". ووفقا لهذا المشروع تهدف الصين إلى التدخل في دول آسيا الوسطى من خلال الاستثمار والديون والعلاقات التجارية. وهذا الآن جزء من مشروع الصين "حزام واحد وطريق واحد".

واستعملت روسيا ضدهم منظمة "معاهدة الأمن الجماعي" و"الاتحاد الاقتصادي الأوراسي" من جهة العسكرية والاقتصادية وقامت بتنسيق علاقاتها مع الصين لمواجهة أمريكا من خلال منظمة شنغهاي للتعاون. كما كانت أمريكا توفّق مشروع "طريق الحرير الجديد" مع مشروع "طريق الحرير الجديد الاقتصادي" للصين ضد روسيا - حتى تتبنى الصينَ كمنافس استراتيجي. والآن تنظر أمريكا إلى الصين باعتبار المنافس الاستراتيجي الرئيسي. حتى نجحت أمريكا في ضم باكستان والهند إلى "تعاون شنغهاي" لخلق المشاكل كلما دعت الحاجة.

روسيا كمستعمرة سابقة

إن روسيا اتبعت الديمقراطياتِ الغربية بعد انهيار الشيوعية، ولذلك لم يبق عدوانها الإيديولوجي عمليةً ضد مستعمراتها. (حتى يفقد لسان الروسي مكانه في البلدان التابعة لها). وانخفض تأثيرها من الناحية الاقتصادية أيضاً. وتم الاحتفاظ فقط من ناحية السلطة العسكرية. ولهذا السبب يعتمد الاستعمار الروسي على القوة العسكرية في آسيا الوسطى. أي أنها تهدد بالقوة العسكرية في تنفيذ مشاريعها.

في عام 1992، غادرت روسيا منطقة آسيا الوسطى عسكرياً تحت ضغط القوى الغربية التي تسمى المجتمع الدولي. وكانت الوحدات والمنشآت العسكرية التابعة لمنطقة "العسكرية تركستان" التي أحاطت آسيا الوسطى تنضم إلى القوات المسلحة في الجمهوريات التي نشرت فيها ولكن بعضهم بقوا في السلطة القضائية الروسية. وهذا يعني أن روسيا لم تخرج من آسيا الوسطى عسكرياً بالكامل. ولكن لم يكن هذا كافياً لروسيا لأن تظلَّ مستعمرةً ذات نفوذ ولذلك تستمر عودتها من الناحية العسكرية.

وفي عام 1992 أخذت روسيا تحت سيطرتها أرمينيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبيكستان مرة أخرى بإجراء معاهدة الأمن الجماعي ومع ذلك انسحبت أوزبيكستان من المعاهدة في عام 1999.

وفي عام 1999 نُظمت عمدا "حادثة باتكين" في قرغيزستان. وفي ذلك الوقت أثيرت أسئلة من قبل المجتمع الدولي حول كيفية مرور مقاتلي الحركة الإسلامية الأوزبيكية من الحدود مع طاجيكستان بشكل غير قانوني بدون عائقٍ. وكُشِف أن المقاتلين أحضروا بواسطة طائرات هليوكبتر عسكرية روسية. كان هدف روسيا من تنظيم "حادثة باتكين" هو جعْل قرغيزستان وأوزبيكستان عرضة للمشاكل الأمنية وإجبارهما على طلب المساعدة العسكرية من روسيا لتكون فرصة للدخول بهذه الطريقة.

طلبت قرغيزستان من روسيا المساعدة بسبب حادثة باتكين. وتم توقيع الاتفاق رسمياً بشأن "مساعدة موسكو" لقرغيزستان. وبعد ذلك تم إيقاف هذه الأحداث. ولم تطلب أوزبيكستان من روسيا المساعدة وأعلنت أنها تحمي نفسها بنفسها وبهذه الطريقة نجت من الفخ.

ونشرت أمريكا قاعدتها الجوية في أوزبيكستان وقرغيزستان بذريعة محاربة (الإرهاب) بعد الهجمات الإرهابية التي حدثت في أمريكا في عام 2001م. وفي العام نفسه أنشأت روسيا "القوى الجماعية تتحرك بسرعة في آسيا الوسطى" كجزءٍ من منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وفي عام 2003 فتح القاعدة الجوية "كانت" في قرغيزستان. وقدّمت في ذلك سببا بأن قرغيزستان لا تستطيع مقاومة الجماعية "الإرهابية" مثل الحركة الإسلامية الأوزبيكية.

في عام 2003 في جورجيا وفي عام 2004 في أوكرانيا وقعت "الثورات الملونة". وتلك الانقلابات نظمتها أمريكا من أجل اختطاف هذه الدول من روسيا.

وفي 4 آذار/مارس، 2005 وقع انقلاب أيضا في قرغيزستان. والسبب الأساسي لذلك هو استياء الشعب من الظروف المعيشية. وكانت أمريكا مؤيدة للانقلاب ولكن لم تكن هناك فرصة لها للاستيلاء على البلاد، فروسيا بدأت حركتها واستبدلت عميلها أكاييف بعميلها باكييف، وبذلك هدأ الشعب، ولم تلحق الثورة الضرر بالاستعمار الروسي.

في العام نفسه في 13 أيار/مايو نظم كريموف مجزرة أنديجان في أوزبيكستان لمنع حدوث انقلاب "ملوّن" وقتل المتظاهرين السلميين متكئا على روسيا ثم ألقى اللوم على حركة "الأكرمية" وبعد ذلك عزز الهجمات على باقي المسلمين. وطالبت أمريكا حكومة أوزبيكستان بإجراء تحقيقات مستقلة على أساس مصالحهم الخاصة. وبعد ذلك تبني في قمة منظمة شانغهاي للتعاون في تموز/يوليو الوثيقة الرسمية التي تدعو إلى انسحاب القواعد الأمريكية من قرغيزستان وأوزبيكستان. سحبت أمريكا قاعدتها الجوية من أوزبيكستان في تشرين الثاني/نوفمبر. وفي عام 2006 أعيد انضمام أوزبيكستان إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي. منذ تلك الأيام استخدمت روسيا القاعدة الجوية في خان أباد حتى غادرت أوزبيكستان منظمة معاهدة الأمن الجماعي. ومع هدوء الوضع تحاول أوزبيكستان مرة أخرى الخروجَ من قبضة روسيا فانسحبت من منظمة معاهدة الأمن الجماعي في عام 2012.

في عام 2010، أبى الرئيس القرغيزي بأمر من روسيا اللجوء إلى أمريكا والصين. في الوقت نفسه ازداد استياء الشعب من الحكومة القرغيزية. فأسقطت روسيا نظام باكييف مستغلة استياء الشعب ونظمت "أحداث أوش" باستخدام "فتنة القومية" واستفادت من هذه الفرصة لقمع كريموف.

إن رئيس قرغيزستان في ذلك الوقت "روزا أوتونباييفَ" بسبب كونها مائلة إلى الغرب سمحت للجنة الدولية التي يرأسها ممثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا "كيمو كيلجونين" بالتحقيق في الأحداث التي وقعت في بلدة أوش. وأعلن برلمان قرغيزستان بضغط من روسيا أن "كيمو كيلجونين" كان "شخصاً غير مرغوب فيه" وتجاهل استنتاجات اللجنة من أجل منع اللجنة من الوصول إلى أن الحكومة الروسية هي التي نظمت الحادثة الدموية. وروسيا كأنها ساعدت في إيجاد منظمي الحوادث نشرت ادعاءات غير مثبتة قائلةً "إن فيهم الجماعات الإرهابية الإسلامية" وهذا يعني أنه "من الممكن خداع عامة الشعب". وإن الضابط الروسي والقناصين المرتزقة الذين كانوا قادة للأحداث الدموية وقبض عليهم الشعب أفرج عنهم ونقلوا إلى روسيا.

في عام 2014 نجحت روسيا بإخراج القاعدة الجوية الأمريكية من قرغيزستان.

كما ذكرنا سابقاً، فإن الاستعمار الجديد روسيا بُني على الجانب العسكري. وتحاول روسيا أن تبني قاعدة عسكرية أخرى منذ عام 2006 في جنوب قرغيزستان كجزء من منظمة معاهدة الأمن الجماعي. إذا لم تخلق الظروف لذلك فإنها لا تزال تحاول الدخول بطريقة غير عسكرية، وهناك أيضا يلزمها عذر للقيام بذلك، ولذلك كانت تعمل بجدّ لإيجاد الرأي العام حول "التهديد الإرهابي" من الذين يرجعون من الشرق الأوسط والمتشددين الإسلاميين الذين يدخلون من أفغانستان.

الاستعمار الأمريكي في آسيا الوسطى

توسعت الولايات المتحدة في قرغيزستان من دول آسيا الوسطى بذريعة "نشر الديمقراطية". واستخدمت قرغيزستان كنقطة الأساس لأنها لم تجد في دول أخرى في آسيا الوسطى ظروفا ملائمة لذلك. والآن ظهرت الظروف المواتية بالنسبة لها "لانتشار الديمقراطية" في أوزبيكستان.

نعم، استعمار روسيا قوِيٌّ في أوزبيكستان. على سبيل المثال هناك بين البلدين ثلاثة مليارات دولار في التجارة. وقد أصبحت أوزبيكستان سوقا لبضاعة روسيا قيمته ملياري دولار. كما تستخدم روسيا أوزبيكستان كقاعدة للمواد الخام وتأخذ منه المواد الخام بقيمة مليار دولار. منها اثنان وثلاثون في المئة هو الغاز الطبيعي تبيعها روسيا إلى الخارج. وتعمل في أوزبيكستان حوالي ألف شركة برأس مال روسي. وقد تم توقيع حوالي 800 عقد بقيمة 27 مليار دولار خلال زيارة بوتين لأوزبيكستان.

ومع ذلك ينفتح الباب أمام أمريكا في أوزبيكستان دون الاستعمار الجديد روسيا. وبعد أحداث عام 2005 قام كريموف بطرد المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والمنافذ الإعلامية التابعة لأمريكا من أوزبيكستان. وها هم يعودون الآن مرة أخرى "بإصلاح ميرزياييف". وفي أوزبيكستان موجود حوالي 200 مؤسسة تعمل برأس مال أمريكي. اليورانيوم الذي يشكل ربع الناتج المحلي الإجمالي يُصدّر إلى أمريكا. وتم توقيع عقدٍ بقيمة خمسة مليارات دولار خلال زيارة ميرزياييف لأمريكا. والمساعدات العسكرية من أمريكا والتعاون بين أوزبيكستان وبين الناتو مستمران. بالإضافة إلى ذلك فإن أمريكا تولي أوزبيكستان اهتماما كبيرا لتكون كوسيط في مفاوضات السلام عبر الحدود الأفغانية وكذلك لتطويرِ العلاقات التجارية والاقتصادية والنقل مع أفغانستان.

كان طموح كازاخستان إلى أمريكا أقوى من زمان مضى. وقد حاول نزارباييف القيام بذلك تحت قناع "سياسة متعددة الخطوط". فإن روسيا تمسك به بقوة. وفي عام 2002 تبنت كازاخستان مبادرة "هيوستن". وقد طرح هذا المشروع برئاسة وزير الخارجية آنذاك والرئيس الحالي قاسيم-جومارت توكاييف. (كانت سياسية توكاييف تتعلق بالسياسة الخارجية وهو فعل الكثير لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة). بالإضافة إلى ذلك في عام 2006 انضمت كازاخستان بدعم من أمريكا إلى مشروع بناء خط أنابيب النفط "أكتاو-باكو-تبليس-جيهان". وقد عارضت روسيا ذلك لأنها تقوم أيضاً بتصدير النفط عبر مثل هذا الخط. ولذلك تُعد كازاخستان منافسة لروسيا في هذا المجال. فإن إنتاج "كاشاجان" و"تنجي" غير مكتمل وكذلك هناك صعوبة النقل. حتى إن روسيا تمنع حاليا دخول زيوت الوقود المُنتج في كازاخستان إلى قرغيزستان. ولهذا السبب يتم دخول هذه المنتجات بالتهريب. ولدى كازاخستان رغبة قوية في التخلص من قبضة روسيا لأن دخلها الرئيسي يأتي من تصدير النفط.

في عام 2010، أصبحت كازاخستان رئيسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بدعم من أمريكا كما عقدت "مؤتمرات أستانة" حول سوريا. وكان الهدف منه خفض سمعة روسيا على الساحة الدولية ورفع كازاخستان كدولة مساوية لروسيا. وفي كازاخستان توجد استثمارات غربية بأكثر من مائة مليار دولار (بما في ذلك عشرة مليارات دولار تنتمي إلى الولايات المتحدة) وهذا يعني أن جميع هذه الاستثمارات تخدم دخول النفوذ الأمريكي. عشرون مليار دولار تنتمي إلى الصين وخمسة مليارات دولار تنتمي إلى روسيا. وبالإضافة إلى ذلك تعمل خمسمائة شركة برأس مال أمريكي في كازاخستان. وفي زيارة نزارباييف إلى أمريكا في عام 2018، تم توقيع عقود بقيمة سبعة مليارات دولار، وبدأت تُطبق اليوم بين كازاخستان وأوزبيكستان "طريق الحرير شنغن". كما وافقت قرغيزستان وطاجيكستان على الانضمام إلى ذلك. في الواقع فإن الغرض من نظام التأشيرة هذه مخالفة مبادئ منظمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي التي نظمت من قِبل روسيا. ومنذ عام 2003 تشارك كازاخستان مع أمريكا في تدريبات "نسر الصحراء". كما نُظمت وحدات عسكرية "كازبريج" و"كازبات" التي تتحرك مع القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي جنبا إلى جنب. وكانت روسيا أنشأت ضدها منظمة معاهدة الأمن الجماعي وأجبرت نزارباييف أن يسحب مبادرة إنشاء منظمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. ولكن اليوم سئم نزارباييف من أداء مطالبة منظمات المعينة من الجانب الروسي وسلم السلطة إلى شخص معروف بقربه من الغرب – توكاييف، وقال الرئيس توكاييف إنه سيواصل "سياسة متعددة الخطوط".

وتركمانستان أيضاً بدعم أمريكي تصدر النفط عبر خط أنابيب باكو - تبليس - جيهان. كما أن هناك مشروع "تابي" (تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند) ينتمي إلى تركمانستان. هذا المشروع متوقف حاليا بسبب المقاومة الروسية وعدم الاستقرار في أفغانستان.

وفي قرغيزستان تنفذ أمريكا مشروعَ "CASA" الرقمي من خلال البنك الدولي. وهذا يعني أن ملكية جميع المعلومات من خلال تقنيات الإنترنت مخرج من السيطرة الروسية. وبدأت روسيا جديا إنشاء "مركز أمان رقمي" داخل منظمة معاهدة الأمن الجماعي كما بدأت تطوير الاقتصاد الرقمي في إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. ولذلك فازت الشركة العسكرية الروسية "Vega" بمناقصة "المدينة الآمنة" في قرغيزستان.

بالإضافة إلى ذلك تقوم الصين ببناء سكة حديد صينية-أوزبيكية عبر قرغيزستان في إطار مشروع "الحزام الواحد". وكان هذا المشروع متوقفا بسبب معارضة روسيا، حيث تشترط روسيا لبناء الطريق أن تشارك فيه وأن يكون خط السكك الحديدية تحت سيطرتها.

ففي آسيا الوسطى يعمل مشروع SASA-1000 الذي تقف خلفه الولايات المتحدة. وقد جُلبت إليه قرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان وباكستان. على روسيا أن تأخذ محطات الطاقة الكهرومائية في قرغيزستان وطاجيكستان للمشاركة في هذا المشروع والتحكم فيه. وبالعكس فإن روسيا تعترض عليه.

زيارة بوتين

لقد تم تنظيم العديد من الأحداث المتعلقة بقرغيزستان قبل زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قرغيزستان. لأن بوتين كان يجلب عدداً من الاتفاقات التي وقعت في داخل منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. ولقد ضغط بوتين "نقاطا مؤلمة" قرغيزستان لئلا تنشأ مقاومة من قبل الشعب. وكان الهدف من ذلك أن يخوّف الناس ليخضعهم للمعاهدات. وعلى سبيل المثال فإنه ذكّرَنا بـ"القوميةَ" من خلال رفع "لغة الخطاب" واضطرارَنا لمناشدته في معالجة القضية الأمنية من خلال "حادثة الحدود" في باتكين والصراعَ على السلطة وإيجاد مشاكل الجنوب من خلال معارضة أتامباييف. كما ذكَّرَنا أيضا بمسألة العمال المهاجرين من خلال "حادثة ياقوتيا".

وكان مثل هذا الحدث قد شُوهدَ أيضاً في عام 2015 قبل انضمام قرغيزستان إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. في هذا الحدث سمح لعدد من المسلمين المتهمين بـ"الإرهاب" في البداية بالهروب من السجن ثم اصطادوهم بعد هروبهم من السجن. إن هذه الحادثة قد نفذت لإلهاء الناس عن خسائر الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ولإيجادِ الفكر بأن على الناس طاعة الشروط الروسية لأغراض أمنية ولتخويف السياسيين بـ"الصيد".

في 28 آذار/مارس من هذا العام وصل بوتين إلى قرغيزستان. وكانت هذه الزيارة في الوقت الذي تناقش فيه الاتفاقية الجديدة حول العلاقة بين قرغيزستان وأمريكا والذي تُتوقعُ فيه زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ القادمة. وعقدت روسيا الاتفاقَ اللازم مع قرغيزستان قبل الولايات المتحدة والصين.

تم توقيع 17 وثيقة بين بوتين وجينبيكوف رئيس قرغيزستان. وفي منتدى الأعمال القرغيزية الروسية عقدت 500 اتفاقية بقيمة 6 مليارات دولار. وعلى الرغم من عدم الكشف عن تفاصيلها فيمكن أن نفهم من أهمها ما يلي:

في الاجتماع نظر الجانبان أن يتخذ تحت رقابة صارمة تنفيذ قرغيزستان لمطالب الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. من خلاله يمنع البضائع المهربة من الصين. والهدف منه تقليل نفوذ الصين وجلب المشاكل إلى أوزبيكستان. لأن معظم هذه البضائع تمر إلى أوزبيكستان عبر قرغيزستان. ومن ناحية أخرى سيكمل مكان هذه البضائع بواسطة البضائع الروسية. كما جرَت مفاوضات بشأن السكك الحديدية في قرغيزستان. تعني هذه المحادثات أن السكك الحديدية القرغيزية تباع للشركات الروسية والسكك الحديدية الصينية القرغيزية-الأوزبيكية تخضع للسيطرة الروسية. بالإضافة إلى ذلك تستثمر روسيا بكثافة في قطاع التعدين في قرغيزستان. وهذا يعني أن شركات التعدين الروسية تمتلك الآن الموارد المعدنية في قرغيزستان. والآن فإن كل قطاع التعدين في قرغيزستان احتلته الاستثمارات الصينية.

وأيضا عن زيارة بوتين تم توقيع اتفاقيات حول قطاع الطاقة. وبالتالي تمتلك الشركات الروسية محطات الطاقة الكهرومائية الصغيرة وسيتم تصدير الطاقة الكهربائية الناتجة من خلال CASA-1000 وبالإضافة إلى ذلك تحاول روسيا أن تمتلك مصانعنا الكبيرة للطاقة الكهرومائية.

ستكون شركة "قرغيز نفط غاز" جزءاً من شركة غازبروم.

خُطط لإنشاء مركز لإنتاج المعلومات بين قرغيزستان وروسيا. وهذا يعني أنه تم إطلاق مشروع CASA الرقمي الذي تسيطر عليه روسيا.

تم توقيع اتفاقية لتوسيع قاعدة روسيا الاتحادية العسكرية.

قرغيزستان كنقطة الأساس

حتى الآن استخدمت روسيا قرغيزستان مراراً باعتبارها "نقطة ضعف" ضد تأثير الدول الرائدة الأخرى في آسيا الوسطى وفي هذه المرة سوف تستخدم "كنقطة الأساس" في آسيا الوسطى. يعني أنها تتخذ أولاً مطالب الاتحاد الاقتصادي الأوراسي تحت


رقابة صارمة وتحاول خلق صعوبات لأوزبيكستان من خلال استخدام القضايا القومية والحدودية معتمدة على منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وثانياً تجبر طاجيكستان على الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وثالثاً تخلق مشاكل بالنسبة لكازاخستان التي تميل إلى الغرب. إن بروز احتجاجات الناس في كازاخستان ليست بعَرَضِية.

كما قلنا في السابق رتب المستعمرون عدة معارك في النزاع آسيا الوسطى (بالإضافة إلى ما يقال حدثت مأساة في فرغانة عام 1989 في أوزبيكستان، أحداث أوش 1990، الحرب الأهلية في طاجيكستان، وكلها كانت "ألعابا" للمستعمرين).

لذلك فإننا لا نحذر شعب قرغيزستان فحسب بل نحذر جميع سكان آسيا الوسطى. يجب علينا أن نعود إلى إسلامنا حتى لا نُخدع بفتن المستعمرين ونتخلص منهم. لأننا مسلمون جميعاً فإن هناك في الإسلام معالجات لكل هذه المشكلات.

إذا تعلمنا الإسلام فسنجد أن "القومية" حرام. ويجب علينا أيضاً توصيلها للآخرين بعد معرفة ذلك. من خلال نشر هذا المفهوم، يتم منع فتنة "القومية" بين المسلمين.

إذا كان هناك صراع على الحدود فينبغي أن نعتبر أنه اختلاف بين أفراد مسلمين دون النظر أنه اختلاف بين شعبَين أو شجار بين ملّتَين. ويجب علينا أن نصلح بينهما على أساس الشريعة. وإذا اتسع الأمر فينبغي أن نعتبره اختلافا بين طائفتين ويجب علينا أن نصلح بينهما كما أنزل في القرآن. وأما وَضْع الحدودِ بين المسلمين فحكمه حرام. ومن خلال نشر هذا المفهوم يمكننا أن نُعْدِم هذه القواعد الحدودية التي أنشأها الكفار وعملاؤهم فيما بيننا وأن نُوَفّق إلى بناء الأخوة الإسلامية بيننا.

وأما بالنسبة للمعارضة فلا يوجد شيء اسمه المعارضة في الإسلام إلا اتباع الحق. وإذا كان السياسيون يدعون إلى غير الإسلام فاتباعهم حرام. ولذالك يجب على المسلمين دراسة ماهية سياسات السياسيين وما الذي يدعونهم إليه. إذا كان السياسيون يعتمدون على الديمقراطية أو القومية أو الوطنية وطُلب منهم القيام بأعمال محرمة فينبغي على المسلمين أن ينهوا عن المنكر.

بالإضافة إلى ذلك فإن الكافرين المستعمرين وعملاءهم يمكن أن يتسببوا بالفتنة بين المسلمين أو بين الأديان بِجَرِّ رجال الدين إلى فسادهم. ويمكن أن يستفزّوا بعض الأغبياء لسباب البعض. في مثل هذه اللحظة يجب علينا أن نلتزم بمعالجة الشريعة دون متابعة معالجات العقل أو الهوى. والآن ليس لدينا دولة إسلامية. في ذلك الوقت يجب على المسلمين أن يكتفوا بالصراع الفكري والسياسي فقط. لأن النبي e أبصرنا هذا بطريقته الشريعة. اللجوء إلى القوة أو الكفاح المسلح حرام. ولذلك يجب على المسلمين النهي عن هذه الأعمال.

وأخيراً، إن الحل الأساسي للتحرر من الاستعمار لن يتحقق إلا بإقامة دولة الخلافة. ولا يمكن إقامة دولة الخلافة إلا من خلال الكفاح الفكري والسياسي كما ذكرنا في السابق.

ولذالك أيها المسلمون الكرام، تعلموا إسلامكم النقي وبلغوه للذين لا يعلمون. وبهذه الطريقة سوف تصلون إلى النجاة في هذه الدنيا وفي الآخرة، إن شاء الله تعالى.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الحكيم قرخاني

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في قرغيزستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر