زيارة ميرزياييف للصين
November 11, 2023

زيارة ميرزياييف للصين

زيارة ميرزياييف للصين

زار الرئيس الأوزبيكي شوكت ميرزياييف بكين مع زوجته زيراتخان، في 17 تشرين الأول/أكتوبر، وأجرى محادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. وخلال الرحلة، التقى ميرزياييف أيضاً برؤساء الشركات الصينية الرائدة: Ameri International، وСАМСЕ، وChina Energy، وState Grid. وشارك رئيس أوزبيكستان في حفل افتتاح المنتدى الدولي "حزام واحد، طريق واحد" وألقى كلمة في جلسته العامة. كما زار ميرزياييف الصين في أيار/مايو من هذا العام وشارك في قمة "آسيا الوسطى والصين". وفي ذلك الوقت، تم التوقيع على بيان مشترك بين الرئيس ميرزياييف والرئيس الصيني شي جين بينغ، وتم اعتماد برنامج تنمية الشراكة الاستراتيجية الشاملة للعصر الجديد بين البلدين في 2023-2027. وفي نهاية الزيارة الأخيرة تم التوقيع على 41 وثيقة، وتم الاتفاق على تنفيذ مشاريع جديدة بقيمة 25 مليار دولار تتعلق بالتجارة والصناعة والاستثمار.

لن نخوض في تفاصيل الاتفاقيات التي وقعها ميرزياييف خلال هذه الزيارة، ولكن لعلنا نحاول تسليط بعض الضوء على أن الصين ليست بعيدة عن روسيا وأمريكا وأوروبا الاستعمارية من حيث أطماعها وخطرها الكبير.

من الواضح لنا جميعا أن هناك عددا من المصالح التي تحاول الصين تحقيقها في آسيا الوسطى، بما فيها أوزبيكستان. فإن الصين باعتبارها أكبر مستهلك للنفط والغاز والعديد من الموارد الطبيعية الأخرى على مستوى العالم، تدرك قيمة الطاقة في هذه المنطقة جيداً، حيث إن أوزبيكستان، إلى جانب بلدان أخرى في آسيا الوسطى، بلد غني بالمعادن.

إن مشروع "حزام واحد، طريق واحد" الضخم هو مفهوم اقترحه الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2013 لتعزيز التجارة بين الشرق والغرب على طول طريق الحرير التاريخي. ولهذا الغرض، من المخطط تحسين ممرات التجارة والنقل الحالية التي تربط أكثر من 60 دولة في آسيا الوسطى وأوروبا وأفريقيا، وإنشاء ممرات جديدة إضافية. ويعد خط السكة الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبيكستان الذي يبلغ طوله 454 كيلومترا أحد هذه الممرات. وإذا تم تنفيذ هذا المشروع، فسوف تصبح أوزبيكستان وقرغيزستان مركزاً للنقل.

من بين أسلحة "القوة الناعمة" التي تمتلكها الصين والتي يمكنها التأثير على سياسات الدول الإقليمية، بما في ذلك أوزبيكستان، هي إقراض الأموال. فوفقا لمعلومات موقع Lenta.ru في كانون الثاني/يناير من هذا العام، فإن ديون أوزبيكستان من البنوك الصينية تبلغ حوالي 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب معلومات وزارة المالية الأوزبيكية في "مشروع الميزانية للمواطنين"، فقد وصلت ديون أوزبيكستان من الصين في عام 2020 إلى 3 مليارات دولار. وبما أن هذه القروض ربوية، فمن الصعب أن نحدد على وجه الدقة حجم ديون أوزبيكستان عند الصين حاليا؛ لأن المعلومات حول هذا الأمر ليست شفافة. فقد قال كريستوف تريبيش، الأستاذ في معهد الاقتصاد العالمي في كيل، إن بكين وحدها تعرف مقدار وبأية شروط قدمت الصين القروض للدول النامية، بما في ذلك بيلاروسيا ودول آسيا الوسطى. وفي دراسة بعنوان "قروض الصين في الخارج" نشرت في الأول من تموز/يوليو الماضي، قالت إن هذه القروض ليست شفافة، حيث إن حوالي 50% منها سرية.

ويمكن رؤية مدى خطورة هذه الديون من خلال هذه الحقائق؛ فعلى سبيل المثال، اضطرت سريلانكا إلى التنازل عن مينائها البحري الجديد تقريبا في هامبانتوت على الساحل الجنوبي للصين لمدة 99 عاما بعد أن عجزت عن سداد القروض الصينية. ودعونا لا نذهب أبعد من ذلك، فقد اعترف رئيس قرغيزستان، صدر جباروف، في عام 2021، أنه إذا فشلت قرغيزستان في سداد ديونها للصين، فسوف تضطر إلى تسليم محطة الطاقة الحرارية الكبيرة والعديد من الطرق المهمة إلى الصين. وفي عام 2011، لم يكن أمام طاجيكستان خيار سوى تسليم ألف كيلومتر مربع من أراضيها إلى الصين مقابل ديونها. وتخضع حوالي 80% من شركات تعدين الذهب في طاجيكستان لسيطرة مباشرة من الشركات الصينية... فمن يضمن أن هذا الوضع لن يحدث لأوزبيكستان غداً؟!

وفقا للخدمة الصحفية للرئيس، أشار ميرزياييف خلال المحادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى أن النشاط الفعال لمعهد كونفوشيوس في طشقند وسمرقند يساهم بشكل كبير في الاهتمام المتزايد بتعلم اللغة الصينية بين الشباب. وهذا يعني أن الصين تحاول بجدية نشر ثقافتها ونظرتها للعالم بين الشباب المسلم، وهذا الآن يشكل خطرا أكبر.

كما تم التأكيد خلال المحادثات على أن الموقف من سياسة "صين واحدة" والحرب ضد "قوى الشر الثلاث" لن يتغير. وتشير الحكومة الصينية إلى "قوى الشر الثلاث" بأنها "الإرهاب والتطرف والانفصالية"، أي الإسلام.

ويتم سجن وتعذيب آلاف المسلمين في تركستان الشرقية التي تحتلها الصين في معسكرات الاعتقال بسبب هذه التهم الثلاث، ويطلق عليها "معسكرات إعادة التعليم"، حيث تتم "إعادة تثقيف" الملايين من الفتيان والفتيات المسلمين الأويغور والنساء وحتى الأطفال الصغار وكبار السن في معسكرات الاعتقال هذه التي بنيت في شينجيانغ منذ عام 2017! وفي بداية عام 2022، أفادت خدمة بي بي سي نيوز الروسية أن صور آلاف الأويغور في هذه المعسكرات سُرقت من خوادم الكمبيوتر الخاصة بالشرطة في شينجيانغ وتم تسليمها إلى بي بي سي. وبحسب تلك الملفات، يتم نقل "التلاميذ" في معسكرات الاعتقال هذه معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي ومقيدين بالسلاسل من سجن إلى آخر وحتى إلى المستشفى. وتم إلقاء الآلاف من الأويغور في معسكرات الاعتقال هذه بسبب إعفاء اللحى أو ارتداء الخمار أو حفظ آية من القرآن! وحتى بالنسبة لعدم شرب الكحول وعدم التدخين، هناك من يوصف بـ"الإرهابي" و"المتطرف" ويسجن! وتقول أيضاً إن 1.2 مليون من كبار السن من الأويغور وممثلي الأقليات التركية الأخرى يتم احتجازهم في معسكرات الاعتقال... فمن يستطيع أن يضمن أن الصين لن ترغب في أن يصيب مسلمي أوزبيكستان مثل هذا الوضع المأساوي غداً؟!

وهذه مجرد قطرة في بحر الجرائم التي ترتكبها الحكومة الصينية ضد مسلمي الأويغور! إن نظام ميرزياييف يتواطأ مع هذا المجرم ويغرق أوزبيكستان في مستنقع الديون التي يأخذها منه...

وهنا يطرح سؤال؛ هل ستتنازل روسيا، التي تعتبر آسيا الوسطى، بما في ذلك أوزبيكستان، "موطنها" بسهولة عن هذه المنطقة للصين؟ كلا، على الإطلاق؛ لأنه على الرغم من ضعف روسيا إلى حد ما بسبب الحرب في أوكرانيا، إلا أنها لا تزال تحتفظ بنفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في المنطقة من خلال منظمات مثل رابطة الدول المستقلة، والتعاون الاقتصادي الأوروبي الآسيوي، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الزيارة التي قام بها ميرزياييف إلى روسيا في أوائل تشرين الأول/أكتوبر وقمة رابطة الدول المستقلة الأخيرة التي عقدت في بيشكيك. كل من الصين وأمريكا والغرب يدركون ذلك. كما أن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما أنها مصدر رئيسي للنفط والغاز والأسلحة. ويقول الخبراء إنه إذا انتقلت روسيا إلى المدار الغربي، كما فعلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، فسوف تُترك الصين وحدها في مواجهة الولايات المتحدة، محرومة من موارد الطاقة الرخيصة والقوة العسكرية. ولهذا السبب فإن شي جين بينغ على استعداد لتحمل العواقب غير السارة المترتبة على مصادقة بوتين. كما أن بوتين، الذي وقع في عزلة دولية، مهتم بالتعاون مع الصين. ففي الاجتماع مع شي، أشاد بوتين بإنجازات برنامج "حزام واحد، طريق واحد"، قائلا "الصين، تفعل ذلك تحت قيادتك". وشارك بوتين، الذي وصل إلى بكين في 17 تشرين الأول/أكتوبر، في حفل افتتاح المنتدى الدولي "حزام واحد، طريق واحد"، والتقى مع شي جين بينغ على انفراد وأجريا مناقشة طويلة. وهذه هي رحلته الثانية إلى الخارج منذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي مذكرة اعتقال بحقه في 17 آذار/مارس 2023. وقبل ذلك ذهب إلى قرغيزستان. وفي ختام زيارته عقد بوتين مؤتمرا صحفيا أعلن فيه أن رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين ورئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ سيوقعان قريبا خطة التعاون بين البلدين حتى عام 2030 في بيشكيك. وهذا يدل على أن التعاون بين الصين وروسيا سوف يستمر. وهذا ما تؤكده حقيقة أن بوتين، في اجتماعه مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي في 20 أيلول/سبتمبر، أكد على أن منتدى "حزام واحد، طريق واحد" يتماشى تماماً مع مصالح البلدين.

والتقى بوتين بشكل غير رسمي مع ميرزياييف وتوكاييف في بكين، بحسب ما أبلغ بذلك سكرتيره الصحفي ديمتري بيسكوف، وربما قام بشد "لجام" ميرزياييف وتوكاييف في هذا الاجتماع! لذا فإن الصين وروسيا تريدان تقاسم آسيا الوسطى، بما فيها أوزبيكستان - إلى حد ما - بينهما، وتريدان إبعاد الولايات المتحدة والغرب اللّذَين يتطلعان إلى هذا "الطعم" عنها قدر الإمكان.

ولا يمكن لنظام ميرزياييف إلا أن يخدم مصالح هؤلاء "الحيوانات المفترسة" الاستعمارية، وأن يحول أوزبيكستان إلى "فريسة" جاهزة لهم. وهذا ما يؤكده كلام نبينا ﷺ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».

واليوم، في فلسطين، بينما يقوم يهود المحتلون، المتعطشون للدماء، بإسقاط القنابل على المسلمين؛ كبار السن والنساء وحتى الأطفال الصغار، فإن نظام ميرزياييف، مثل الأنظمة الأخرى في منطقتنا، يراقب هذه المأساة مثل الشيطان الأخرس. وبعضهم حتى يمنع الدعاء للمسلمين في فلسطين ويعتقل من يدعو لهم! باختصار، تسقط أقنعة هؤلاء الحكام، وتنكشف هوياتهم الحقيقية.

لقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن أشد الناس عداوة للذين آمنوا هم اليهود أولا ثم المشركون. وقد أصبح نظام ميرزياييف صديقاً مقرباً جداً من عدونا؛ الصين المشركة. فهؤلاء الحكام ليسوا في صف الأمة، بل على العكس، هم غرباء عنها تماما. في الواقع، إن المذنب الرئيسي والمسؤول عن الكثير من الكوارث التي حلت بالأمة الإسلامية ولا تزال تحل هم هؤلاء الحكام والأنظمة الكافرة التي يطبقونها. ولذلك ينبغي على الأمة أن تلقي بهؤلاء الحكام العملاء مع أنظمتهم في هاوية سحيقة. وبهذا فقط تخرج الأمة من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، وإن ذلك اليوم يقترب بإذن الله. قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾‏.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله محمود – أوزبيكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر