هل راية رسول الله ﷺ خرافة كما يدعي شريف جابر؟
April 27, 2015

هل راية رسول الله ﷺ خرافة كما يدعي شريف جابر؟

هل راية رسول الله ﷺ خرافة كما يدعي شريف جابر؟

في مقالة نشرت على موقع ساسة بوست نشر شريف جابر مقالة بعنوان: هَوَس الرايات السود: بين الحقيقة والخرافة، يمكننا تلخيص أهم ما فيه بما يلي:


1) إن وجود راية أو علم لدولة الخلافة، أو لرسول الله ﷺ، أو للإسلام مجرد خرافة، وأنه من الأحكام الباطلة الدخيلة على دين الله، راجع الفقرة الأولى من المقال.


2) يأتي في الفقرة الثانية من المقال بمجموعة أحاديث تبين أن للرسول ﷺ راية سوداء ولواء أبيضا، كما في الأحاديث الصحيحة، ومن ثم يتجاوز عن هذه الأحاديث ولا يعيرها أي دراسة فقهية لاستنباط الأحكام منها، ويكتفي بالخروج من الفقرة بتضعيف أحاديث أخرى حول ألوان الرايات الحمراء والصفراء وتضعيف أن فيها كتابة كلمة التوحيد، ومن ثم يأتي السؤال: بما أنك تقرر في هذه الفقرة وجود أحاديث صحيحة تبين أن للرسول ﷺ راية، والكاتب يقر بوجود راية، فكيف يستقيم هذا مع ما جاء في الفقرة الأولى من أن فكرة أن للرسول ﷺ راية هي خرافة وحكم باطل دخيل على دين الله تعالى؟


أقول وبالله التوفيق: اعلم يرحمك الله، أنه "لا بد أن يكون للجيش ألوية ورايات. والفَرق بين اللواء والراية هو أن اللواء ما يُعقد في طرف الرمح ويلوى عليه ويقال له العلم. قيل: سمي لواء لأنه يلوى لكبره فلا ينشر إلاّ عند الحاجة. وهو علم ضخم وعلامة لمحل أمير الجيش يدور معه حيث دار. أمّا الراية فهي عَلَم تعطى للجيش. وتكنى "أم الحرب"،، جمْعُها رايات، وهي - أي الراية - ما يُعقد في الرمح أو السارية، ويُترك حتى تصفقه الرياح.. وقد كان للجيش الإسلامي في أيام الرسول ﷺ راياته وألويته. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها ابن رواحة فأصيب». وقد روى الترمذي عن الحارث بن حسان البكري قال: (قَدِمنا المدينة فإذا رسول الله ﷺ على المنبر وبلال قائم بين يديه متقلد بالسيف وإذا رايات سود، وسألت ما هذه الرايات؟ فقالوا: عمرو بن العاص قَدِم من غزاة). وجاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لأُعطِيَنّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فأعطاها علياً». وعن أنس عند النسائي (أن ابن أم مكتوم كانت معه رايات سوداء في بعض مشاهد النبي ﷺ). يتضح مما سبق أن الجيش زمن النبي ﷺ كانت له رايات وألوية، وبالتدقيق في هذه النصوص يتبين أن الراية أصغر من اللواء، وأن اللواء يعقد لقائد الجيش، والراية تعطى للجيش، واللواء يكون على معسكر الجيش علامة على قائد الجيش، والرايات تكون مع قواد الكتائب والسرايا، ومع وحدات الجيش المختلفة. فالجيش فيه رايات كثيرة، بينما يكون له لواء واحد. هذا من حيث نسبة أحدهما للآخر.


أما من حيث اللون فقد ثبت أن راية الرسول ﷺ كانت سوداء، ولواؤه أبيض. فقد روى الترمذي عن ابن عباس قال: «كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض»، وروى كذلك عن جابر: «أن النبي ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض». وحديث الحارث بن حسان المار آنفا وفيه «وإذا رايات سود» تدل على هذه الأحاديث على أن الراية ذات لون أسود، وأن اللواء أبيض.


أما من حيث الشكل فإن الوارد أن يكون للراية أربعة أركان، وأن تكون من صوف. فعن البراء بن عازب أنه سئل عن راية الرسول ﷺ ما كانت؟ قال: (كانت سوداء مربعة من نمرة) رواه الترمذي وأحمد ومعنى من نمرة، أي من ثوب حِبَرَة، أي بردة من صوف، وأن يكون مكتوبا عليها: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما يقال عن الراية يقال عن اللواء أيضا، فاللواء يكون له أربعة أركان، ويكون من الصوف، ويكتب عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله). إلا أنه أكبر من الراية، ويكتب عليه بخط أسود، بينما يكتب على الراية بخط أبيض .


3) ثم في الفقرة الثالثة يتساءل الكاتب عن الراية أللحرب هي أم هي علم وشعار للدولة؟ ويوحي بأنها مجرد وسيلة من وسائل الحرب في ذلك الزمان، لغايات منها أن لا يختلطوا بغيرهم، وأن الحكم الآن يختلف، فالحروب القديمة غير الحروب الحديثة، فلم يعد الآن من مبرر لوجود الرايات، فوسائل الاتصال الحديثة تغني عنها، والكاتب ينسى ما يشاهده بأم العين في الحروب الحديثة من لف جثمان القتلى بأعلام بلادهم، وتقديم الولاء للأعلام من قبل قادة الجيش واستعمالها في المراسيم، وما توليه الدول الحديثة من اهتمام مبالغ فيه بأعلامها!!


كما ينسى الكاتب أن الرسول ﷺ أرسل سرايا ذات عدد قليل وعقد لهم الرايات، قيل بأن سرية حمزة بن عبد المطلب هي أول سرية وقد عقد لها الرسول ﷺ لواء وكان في ثلاثين رجلا، وقيل سرية عبيدة بن الحارث في ستين رجلا هي أول سرية، وقد عقد لكل منهما لواء، والسؤال هو: من أين يفهم أن الراية للاتصال حين يكون العدد بالغ القلة بهذا الشكل؟ لا شك أن مسألة الاتصال من خيال الكاتب ولا علاقة لها بالواقع.


وحيث إنه في مقالته لم يجد رأيا للعلماء بزعمه يوجب لا وجود مثل هذه الرايات، ولا حتى ألوانها وأشكالها، فإن اتخاذها شعارات للدولة ترفع على المؤسسات هو من الخبل! وأنها ليست من الأحكام الشرعية! وينسى الكاتب أن الرسول ﷺ كان يعطي الراية وهو في المسجد لقادة الجيش حين يرسلهم، وهي راية مخصوصة نصت أحاديث كثيرة على أنها من مرط لعائشة رضي الله عنها، ولونها أسود!


أقول وبالله التوفيق: اعلم أن الجيش جهاز من أجهزة الدولة، أولاه الرسول ﷺ اهتمامه، فكون الراية أو اللواء يعقدان في حال الحرب، ويعطيان لقادة الجيش أو الألوية، فإن هذا ما هو إلا امتداد لدولة تظهر شعارا من شعاراتها في حروبها، والرسول ﷺ يحتفظ بالراية واللواء في المدينة وحين يجهز الجيش فإنه يخرجهما ويعطيهما القائد، فهو إذن يتخذ لواء وراية في المدينة بوصفه رئيسا للدولة، فالراية واللواء موجودان في المدينة عند الرسول ﷺ وعند سعد بن عبادة وعند علي رضي الله عنهما في السلم والحرب! فكيف يقال بأن الدولة لا تملك رايات ولا تتخذها، وأنها فقط للحرب ولا يمكن اتخاذها شعارا للدولة وعلما لها؟


قال ابن أبي شيبة في مصنفه: فِي عَقْدِ اللِّواءِ واِتِّخَاذِهِ.


34295- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَدَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.


34296- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: ائْتِنِي بِرُمْحِكَ، فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: سِرْ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَك.


فعقد اللواء للقائد من أعمال الدولة، عمل عمله الرسول ﷺ وعمله الخلفاء من بعده، فالراية أو اللواء يمثلان الدولة، ويمثلان أيضا تكليفا للجيش بطاعة ذلك الأمير الذي عقد له اللواء، والطاعة من أركان قيام أي جيش، فاللواء إذن يُعْقَدُ، ويُتَّخَذُ، ومعنى أنه يُتَّخَذُ أي أنه فعل داوم عليه الرسول ﷺ والخلفاء الراشدون المهديون من بعده، ومن المعروف أن أفعال الرسول ﷺ تشريع وهي للتأسي، وأفعال الرسول ﷺ على ثلاثة أنواع: الأفعال الجبلية، والأفعال الخاصة به وسائر الأفعال مما ليس بخاص به ولا من الجبلية، واتخاذه للراية وعقده إياها لا يقع في دائرة الأفعال الجبلية، ولا الخاصة به، فهو تشريع، وهذه لا نزاع في أننا مأمورون بالاقتداء فيها بالرسول ﷺ، ولا نزاع في أنها دليل شرعي كأقواله وسكوته، فيجب العمل به لأنه فعله ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ولقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ وهذا صريح وواضح وظاهر في العموم، فيشمل كل ما يقوم به الرسول ﷺ من أعمال، كما يشمل الأقوال ويشمل السكوت؛ ولذلك كان اتباع الرسول ﷺ في جميع أفعاله التي صدرت عنه، مما ليس مختصاً به، ومما ليس من الأفعال الجبلية، واجباً على كل مسلم؛ واتباع الرسول ﷺ شيء، والقيام بالفعل على وجهه شيء آخر، فالفعل المباح يقام به على أنه مباح، والمندوب على أنه مندوب وهكذا، وحتى نفهم الحكم الشرعي في اتخاذ الرايات والألوية وعقدها للقادة، فإننا نبحث عن القرائن، فإن دلت القرائن على الوجوب كان حكم الفعل الوجوب، وإن دلت على الندب كان الحكم الندب وهكذا،


وهنا مسألتان ينبغي فهمهما: أولا: اتخاذ الراية، وهذا ولا شك حكمه الوجوب، وهو الطريقة الوحيدة التي سار عليها الرسول ﷺ في عقد الإمارة لقادة الجيش، فحكم وجودها من حكم ما جعلت له، وهو الوجوب، والمسألة الثانية: ألوان الراية وأشكالها، وحكم هذا فيه تفصيل سيأتي.


إننا إذا بحثنا عن منطوق أحاديث في الراية نجد حديث الراية العمية، وأحاديث من قبيل: «لأعطين الراية غدا رجلاً يحبه الله ورسوله»، وكونه ﷺ لم يرسل سرية إلا وعقد لواء لقائدها وأمر بطاعته، بدءا من أول سرية وهي سرية عبيدة بن الحارث، "قال ابن إسحاق‏:‏ فكانت راية عبيدة بن الحارث - فيما بلغني - أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام، لأحد من المسلمين" فإنه بذا يجعل طريقة تنصيب القائد وإيجاب طاعته بإعطائه اللواء أو الراية، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول حين روجع في إمارة أسامة: والله لا أحُلَّنَّ رايةً عقدها رسول الله ﷺ، فجعل الراية عقدا، وجعل نزعها من القائد حلا لعقد عقده رسول الله ﷺ، بل فوق ذلك يثبت قوله هذا أن عقد الراية هو الطريقة الشرعية والوحيدة لتأمير أمير الجيش، فحين روجع في إمارة أسامة، لم يقل لا نستبدل به غيره، ولم يخطر له إلا أن يقول بأن هذا لواء عقده الرسول ﷺ، وكيف لي أن أحله، فقد كان متركزا في الدولة الإسلامية أن تأمير الأمير لا يتم إلا بطريقة واحدة وهي عقد لواء له، ومن ثم هو يستأذن أسامة - وقد عقد له رسول الله ﷺ اللواء قبيل وفاته - في عمر، فالجند أمرهم لمن عقدت له راية الحرب، وطاعته عليهم واجبة. وبما أنها الطريقة الشرعية لعقد الإمارة، فحكم وجودها واجب، إذ لا يتم الواجب إلا بها.


وأما المسألة الثانية، وهي أشكال الرايات وألوانها فاعلم أن الراية واللواء يمثلان شعارا لدولة تجاهد لجعل كلمة الله هي العليا، فنهي الرسول ﷺ عن القتال تحت رايات الجاهلية أمر بالقتال تحت راية الحق، واتخاذه لهذه الراية وعقدها للقادة دليل على أنهم يقاتلون تحتها، فهي تأخذ حكم ما جعلت له، فالحكم العام هو وجوب الجهاد، ووجوب تأمير أمير للجيش وعقد الإمارة بإعطائه اللواء، وهذا الأصل العام قام عليه الدليل، وتفاصيل كون الراية سوداء أو أن يكون مكتوبا عليها كلمة التوحيد لا يحتاج إلى دليل خاص به، ويكفي الدليل العام الذي يدل على أصله، ولا يقال إن هذه الأساليب أفعال للعبد فلا يصح أن تجري إلا حسب الأحكام الشرعية؛ لا يقال ذلك لأن هذه الأفعال جاء الدليل الشرعي على أصلها عاماً، فيشمل كل ما يتفرع عنها من الأفعال، إلا أن يأتي دليل شرعي على فعل متفرع عن الأصل فحينئذٍ يتبع حسب الدليل، فمثلاً قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهو دليل عام. وجاءت الأدلة على الأفعال المتفرعة عنها، لمقدار النصاب، وللعاملين، وللأصناف التي تؤخذ منها الزكاة، وكلها أفعال متفرعة عن: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم تأتِ أدلة لكيفية قِيام العمال بجمعها، هل يذهبون راكبين أو ماشين؟ هل يستأجرون معهم أجراء لمساعدتهم أو لا؟ وهل يحصونها بدفاتر؟ وهل يتخذون لهم مكاناً يجتمعون فيه؟ وهل يتخذون مخازن لوضع ما يجمعونه فيها؟ وهل تُوضع هذه المخازن تحت الأرض أو تُبنى كالبيوت للحبوب؟ وهل زكاة النقد تجمع بأكياس أو بصناديق؟ فهذه وأمثالها أفعال متفرعة عن: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ويشملها الدليل العام؛ لأنه لم تأت أدلة خاصة بها، فأما وجوب وجود راية، فهذا مما لا شك فيه، فهي أمر قام به الرسول ﷺ على وجه مخصوص في كل الغزوات والسرايا، وجعل عقدا يوجب طاعة الجند بموجبه للقائد، فوجود راية هو أمر واجب، والمسألة الثانية: تفاصيل هذه الراية، وهذه إما أن يتبع فيها التفاصيل التي ارتضاها الرسول ﷺ وإن لم ينص على وجوب اتباعها ولم يستوجب عقوبة على ترك اتباعها، من باب التأسي بالرسول عليه الصلاة والسلام، فحكم شكلها ولونها يتراوح بين الإباحة والندب، أو أن يقال بأنها من الأساليب الإدارية للدولة، وهذه لا تحتاج لدليل خاص بها، بل يشملها الدليل العام وهو دليل وجوب الجهاد، ودليل وجوب تأمير الأمير وعقد الراية له، وحينذاك يترك أمر تفاصيل شكلها للخليفة على أن لا تكون هذه الأشكال والألوان مما اقترن بالرايات العمية وأضحى علما عليها، كأعلام مصر والجزائر والسعودية والأردن وما شابه، فلا يجوز اتخاذها لأنها تمثل الراية العمية مضمونا، وحين نجد الرسول والصحابة من بعده اختاروا اللون الأسود، والشكل المربع، وكتابة كلمة التوحيد أحيانا، وأحيانا أن تكون الرقعة السوداء مخططة كجلد النمر، فإن الأولى هو التأسي بهم في هذه الأشكال والألوان، قال رسول الله ﷺ:‎ «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» رواه مسلم والبخاري والنسائي، وأقل ما يقال هنا هو أن من يتأسى بالرسول ﷺ لا يقال عنه بأنه مخبول، أو أنه يدخل في الإسلام ما ليس منه!.، وإليك بعض التفاصيل المتعلقة بالشكل والتسمية واللون:


أ‌- راية العقاب: في اللغة كلمة العقاب تأتي بمعنى الحرب، فحين نقول راية العقاب كأننا نقول: راية الحرب، لذلك كانت الراية التي اتخذها قصي بن كلاب تسمى راية العقاب، وتأتي في اللغة بمعنى طائر العُقاب، وفي لِسَانِ العَرَبِ: العُقَابُ: الذي يُعْقَدُ للوُلاة، شُبِّه بالعُقاب الطَّائر، وهي مُؤَنَّثَة ( و ) العُقَابُ: ( الرَّابِيَةُ، وكُلّ مُرْتَفِعٍ لم يَطُلْ جِدًّا).


ولكن الرسول ﷺ اتخذ هذا الاسم علما لرايته، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَتْ رَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ سَوْدَاءَ تُسَمَّى الْعُقَابَ.


وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: وقال الطبري: وقد حدثني عبد الرحيم البرقي، قال: حدثني عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، عن محمد قال: اسم راية الرسول: العقاب،


واحتفظ الصحابة باسم الراية كما هو: ففي فتوح الشام للواقدي: وأشرفت العساكر من كل جانب قال وأشرفت راية العقاب يحملها رافع بن عميرة الطائي،


وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق:


أَخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، نا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة، نا حمزة بن يوسف السهمي، نا أبو أحمد بن عدي، نا عُمر بن سنان، نا أبو نُعيم الحلبي، نا خالد بن عمرو، عن ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن يزيد، عن أبي هريرة قال: كانت راية النبي ﷺ قطعة قطيفة سوداء كانت لعائشة، وكان لواؤه أبيض، وكان يحملها سعد بن عُبادة ثم يركزها في الأنصار في بني عبد الأشهل، وهي الراية التي دخل بها خالد بن الوليد ثنية دمشق، وكان اسم الراية العُقاب.


إذن فالراية بقيت كما هي، نفس الراية استعملها خالد رضي الله عنه في فتوح الشام! حرص الصحابة عليها شكلا واسما ولونا! بل فوق ذلك كانوا إذا استعر أوار الحرب حرصوا على أن تبقى عالية خفاقة فقطِّعت أيديهم وأرجلهم وأصيب بعضهم ببضع وثمانين جرحا في جسده وهو يحرص على أن لا تنزل تلك الراية!! ودم المؤمن أغلى عند الله من الكعبة، ولكنه بذله كي تبقى تلك الراية وما تمثله خفاقة عالية، ويأتي من يقول لنا: إنها أمر دخيل على الدين!! ولم يقل الفقهاء بوجوبها، فما قوله في قول الصحابة وفعلهم ببذل أرواحهم وأن تبقى عالية؟؟


وقال ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم: (1 / 55، 56): لأن راية الرسول ﷺ كانت سوداء، يقال لها: العقاب، وقد ركزها خالد بن الوليد على الثنية التي شرقي دمشق حين أقبل من العراق، فعرفت بها الثنية، فهي إلى الآن يقال لها: ثنية العقاب ".


ب‌- لون الراية وشكلها:


قال الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام: وقال سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: كانت راية رسول الله ﷺ يوم أحد مرطاً أسود كان لعائشة، وراية الأنصار يقال لها العقاب، وعلى ميمنته علي، وعلى ميسرته المنذر بن عمرو الساعدي، والزبير بن العوام كان على الرجال، ويقال المقداد بن الأسود، وكان حمزة على القلب، واللواء مع مصعب، فقتل، فأعطاه النبي ﷺ علياً، قال: ويقال كانت ثلاثة ألوية، لواء إلى مصعب بن عمير للمهاجرين، ولواء إلى علي، ولواء إلى المنذر.


وفي مصنف بن أبي شيبة:


فِي الرَّايَاتِ السُّودِ.


34288- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: قدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَبِلاَلٌ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، وَإِذَا رَايَاتٌ سُودٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ.


34289- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَوْدَاءَ مِنْ مِرْطٍ لِعَائِشَةَ مُرَحَّلٍ.
34290- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَتْ رَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ سَوْدَاءَ تُسَمَّى الْعُقَابَ.


كما ترى سواء في أحد أو في غيرها من الغزوات، وسواء قاتل الرسول ﷺ بنفسه أو أرسل غيره فالراية سوداء، صحيح أن ألوية الجيش كانت تتخذ ألوية بألوان مختلفة، إلا أن راية الرسول ﷺ كانت دائما سوداء، واستمر الحال في عهد الصحابة، وصحيح أن العبرة بما تمثله الراية من شعار للدولة الإسلامية في حروبها،


ج- كتابة كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله فيها،


اعتبر الكاتب أن الحديث الوارد في هذه الكتابة ضعيف، قال الكاتب شريف جابر: "وكذلك ما ذكُر من كتابة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" على الراية فهو في عداد الضعيف كما قال العلماء ولم يثبت منه شيء، فقد روى الطبراني في الأوسط من طريق حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، قال: "كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض، مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله". قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: حيان بن عبيد الله اهـ. وقد رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" في ترجمة حيان هذا، وقال: "وَلِحَيَّانَ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ بِالْكَثِيرِ وَعَامَّةُ مَا يرويه إفرادات ينفرد بها". اهـ. وأعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" بحيان. والحديث ضعفه الشوكاني في "نيل الأوطار". وقال ابن حجر في "فتح الباري": سنده واه" انتهى


نقول: لئن ضعف بعض علماء الحديث حيّان بن عبيد الله، فإن لغيرهم من علماء الحديث رأي آخر فيه، وكثير من الرجال ضعفاء عند بعض العلماء ولغيرهم من علماء الحديث رأي آخر فيهم ويروون عنهم،


قال الأستاذ شريف زايد في مقالة بعنوان: راية العقاب هي راية رسول الله التي سترفرف عما قريب على دار الخلافة "وحيان بن عبيد الله فقد ذكره ابن حبان من الثقات وذلك في كتابه "الثقات" جزء (6 / 230): (7491 - حَيَّان بن عبيد الله أَبُو زُهَيْر مولى بني عدي يروي عَن أبي مجلز وَأَبِيهِ روى عَنهُ مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل)، وذكره الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال (1 / 623): (2388- حيان بن عبيد الله، أبو زهير، شيخ بصري. عن أبي مجلز. قال البخاري: ذكر الصلت منه الاختلاط). والصلت هو بن محمد أبو همام، ذكره أبو الحجاج المزي في كتابه (تهذيب الكمال في أسماء الرجال 2 / 79) قال: أبو همام الصلت بْن مُحَمَّد الخاركي منسوب إلى "خارك" جزيرة في الخليج العربي قريبة من عمان، وقد روى له البخاري في الصحيح.


ومع ذلك فإن الموضوع هو كتابة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" على الراية واللواء، والاختلاط لا يضر في هذه الكتابة، وبخاصة وأن بينه وبين الرسول ﷺ راويين في السند ثقتين: أبا مجلز لاحق بن حميد وابن عباس."


وقد جاء في أخلاق النبي لأبي الشيخ الأصبهاني: حدثنا أحمد بن زنجويه المخرمي، نا محمد بن أبي السري العسقلاني، نا عباس بن طالب، عن حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، قال: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض، مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله حدثنا أحمد بن زنجويه، نا محمد بن أبي السري، نا ابن وهب، نا محمد بن أبي حميد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، مثله.


فلئن قيل بأن الحديث المروي عن ابن عباس رضي الله عنه ضعيف، فإن مثله قد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه. فهذه طريق ثانية للحديث تبين أن الراية قد كانت تكتب فيها كلمة التوحيد.


4) في الفقرة الرابعة اعتبر الكاتب فكرة العلم الوطني حديثة وأن اتخاذ الراية شعارا للدولة هو من قبيل التأثر بالعلم الوطني، وتلك الفكرة لم تكن معروفة في القديم!! ولعله لم يطلع على أن الرايات كانت معروفة من أيام قصي بن كلاب، وكانت تعقد في دار الندوة، وتحتفظ بها عائلة بني عبد الدار، وحين جاء الإسلام كانت السدانة واللواء عند عثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار، وكانت راية الحرب في قريش عند أبي سفيان، وكانت راية المسلمين في المدينة عند سعد بن عُبادة في الأنصار في بني عبد الأشهل، وراية المهاجرين عند علي رضي الله عنه في المدينة، سواء أكانت في حرب أم في سلم!


5) في الفقرة الخامسة يجد الكاتب نفسه أمام إشكالية صريحة حول طبيعة الراية فقد تكون عِمِّيَّةً، مثل رايات العصبية القبلية، أو الرايات الشركية التي تحارب الإيمان، والكاتب إذ يجيد في بيان أن الفتنة إذ وقعت بين بعض المهاجرين والأنصار فتصايح بعضهم يا للمهاجرين وآخرون يا للأنصار، فنقل ذلك للرسول ﷺ فقال: دعوها فإنها منتنة، حين اعتصب القوم لقومياتهم وعصبياتهم حتى تحت شعار المهاجرين وشعار الأنصار فإن هذا التعصب منتن يقسم الأمة، حين تجد الكاتب يكتب هذا ويصيب فيه، إلا أنه لا يعالج قضية الراية العمية إلا بالالتفاف السقيم حولها، فلا يتناول مثلا رايات الاستعمار التي وضعها سايكس وبيكو لتجزئة الأمة وأن علينا حربها وحرب ما تمثله من فكر جاهلي عمي، يفرق بين الأمة ما بين مصر وشام ويمن وعراق، ولا ما تمثله من كيانات تحكم بغير ما أنزل الله، وبالتالي فهي رايات عمية سواء أكانت خضراء عليها لا إله إلا الله كما راية آل سعود، أم كانت ملونة وعليها شعار النسر أم غيره، بل كل ما يهتم به هو سطحية التعامل مع المسألة بأن راية صفراء أو حمراء ولاؤها للدين هي راية صحيحة، وأن راية سوداء ولاؤها للكفر هي راية عمية، فالمشكلة في اللون والشكل لديه، ولا يرى جوهر المشكلة السياسية التي تحيق بالأمة اليوم من تقديس لرايات مصر والسودان والأردن وسوريا وأمثالها من رايات الاستعمار، أو أتباع الاستعمار وعملائه، وما تمثله، فلا تجد في مقالته شبه جملة تتناولها، إذ إن مشكلته هي مع راية الاسلام التي يعتبرها باطلا وحكما دخيلا على الإسلام!


بل إنه يتعاطف مع ما يسميه العلم السوري، علم الاستقلال عن فرنسا - كما يسميه - ولا أدري أيعيش على كوكب الأرض ليعلم أن سوريا لم تستقلّ عن الغرب الكافر، وأن الاستعمار هو من فَصَّلَ شكل تلك الراية وألوانها، ومع ذلك فإنه يصرح بالغاية من كل هذا الهوس في الحرب على راية رسول الله ﷺ مقابل رايات الاستعمار، فيقول بملء الفم "ولو أخذنا الثورة السورية على سبيل المثال، حقّ لنا أن نتساءل: ما الفائدة من إثارة الفتن بالهجوم على مظاهرات ترفع علم الاستقلال عن فرنسا من قبل بعض الغلاة (وهو ليس العلم الفرنسي ولم يضعه الفرنسيّون كما يروّج الذين يضمنون أنّ أتباعهم لن يقرأوا وراءهم، بل رفعه أهل سوريا في مظاهراتهم ضدّ المحتلّ الأجنبي فكان شعارًا للاستقلال، وأعلام الانتداب مختلفة وهي معروفة على أية حال) أقول ما الفائدة من هذا العدوان وتمزيق الأعلام بدعوى أنها راية جاهلية؟ هل تحرّرت سوريا من طغيان النظام وداعش ولم يبقَ إلا اختيار لون العلَم؟!" انتهى قوله، وهو بهذا يوضح الغاية من وراء كل مقالته، تكريس أعلام الاستعمار، ومحاربة رايات الإسلام، فنقول:


أولا: الاستعمار هو من وضع علم سوريا بعد تمزيق دولة الخلافة:


قال الأستاذ أحمد القصص في مقالة مهمة بعنوان: حكم الشرع في تبنّي عَلَم الائتلاف وأشباهه


"وواقع هذا العَلَم أنّه يرمز إلى كيانٍ قُطْري نشأ في عهد الاحتلال الفرنسي، بقرار من المفوّض السامي الفرنسي. ففي سنة 1930م أصدر المندوب السامي الفرنسي هنري بونسو المرسوم 3111 الذي نصّ بموجبه على صياغة "دستور الجمهورية السورية"، ثمّ صدر هذا الدستور فيما بعد في عهد الاحتلال الفرنسي. وهذا الدستور أشار إلى أوصاف العَلَم في المادّة الرابعة من الباب الأوّل بما يلي:


"يكون العَلَم السوري على الشكل الآتي: طوله ضعف عرضه، ويقسّم إلى ثلاثة ألوان متساوية متوازية، أعلاها الأخضر فالأبيض فالأسود، على أن يحتوي القسم الأبيض منها في خطّ مستقيم واحد على ثلاثة كواكب حمراء ذات خمسة أشعة".


وبقي هذا العلم معتمَدًا حتّى قيام الجمهورية العربية المتّحدة، إثر إعلان الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، حيث اعتُمد عَلَم الجمهورية العربية المتحدة. ثمّ بعد انهيار الجمهورية العربية المتّحدة في 28 سبتمبر 1961، أُعيد ذلك العَلَم، إلى أن وصل حزب البعث إلى السلطة من طريق انقلاب سنة 1963، فألغى هذا العَلَم واعتمد عَلَمًا جديدًا أقرب ما يكون إلى عَلَم النظام الحالي. وعليه فإنّ هذا العَلَم رمزٌ لدولة علمانية قُطْرية تحكم بغير ما أنزل الله، أقامها الغرب الكافر على أنقاض دولة الخلافة، عقب اتّفاقيات بين الدول الكبرى، كاتّفاقية سايكس-بيكو بين فرنسا وبريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، ومقرّرات مؤتمر سان ريمو الذي عُقد في إطار عصبة الأمم سنة 1920 في إيطاليا، والذي فوَّض "الانتدابَ الفرنسي" القسمَ الشمالي من بلاد الشام. في تلك الظروف والأجواء وُلد ذلك العَلَم الذي يُعمل اليوم على ترويجه، وذاك هو الكيان السياسي الذي يرمز إليه". إذن فهي ليست راية اتخذها أهل سوريا بعد استقلالهم عن فرنسا كما يزعم شريف! وهي أيضا راية اتخذت عَلَما وشعارا لدولة علمانية فصلت الدين عن الدولة وحكمت بقوانين مستوردة، فهي تمثل راية عمية سواء أكان واضعوها من الفرنسيين أم القوميين العرب الذين نشأوا على عين الكافر المستعمر وسمعه وبصره!


ثانيا: حكم الشرع في أعلام الدول العربية والدول القائمة في البلاد الإسلامية وما تمثله من أنظمة تحكم بالكفر هو حرمة اتخاذها بأشكالها وألوانها وما تمثله من مفاهيم قامت عليها وهي رايات عمية جاهلية:


قال الأستاذ القصص في المقالة المشار إليها أعلاه: "وعليه فإنّه وفق هذه القاعدة يكون الصليب محرّمًا، مع أنّ الصليب في الأصل شكل من الأشكال الهندسية التي الأصل فيها الإباحة، ولكنّه خرج من عموم الإباحة لـمّا صار يرمز إلى معتقد كفرٍ يناقض العقيدة الإسلامية. وكذا النجمة السداسية المعتمدة لدى اليهود، وشعار المنجل والمطرقة على النحو المعروف لدى الشيوعيين، وشعار المثلَّث والبيكار المعتمد لدى الماسونية... فهذه كلّها أشكالٌ الأصل فيها الإباحة، ولكن لـمّا اعتُمدت رموزًا لأديان كفر وعقائد كفر خرجت من عموم الإباحة إلى الحرمة. وكذلك أعلام دول الكفار القائمة في العالم، وأعلام الدول القطرية القومية والوطنية القائمة في العالم الإسلامي، والتي بُنيت على أنقاض دولة الأمّة الواحدة، فإنّ رفعها أو اعتمادها صار محرَّمًا بمجرّد أن اتُّخذت أعلامًا لهذه الدول، مع أنّها في الأصل أشكالٌ من الأشكال المباحة." وذلك لأنها رايات عمية.


ثالثا: حديث الراية العِمِّيَّةِ وفقهه:


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» فأما الراية التي يدافع عنها الكاتب؛ راية الائتلاف، فهي ابتداء تدعو لعصبية سورية، ولا تبشر بدولة إسلامية عابرة للحدود والقوميات والوطنيات، تجمع المسلمين وتحكمهم بشرع الله، بل تقف عند غاية حدود القطر السوري كما فصلته اتفاقيات سايكس بيكو، والشأن الذي يعنيها هو شأن أهل سوريا دون غيرهم، فهي إذن راية تدعو لعصبية جاهلية، فقهاً ومعنى، والقتال تحتها إذن محرم بنص الحديث، والدفاع عنها دفاع عن شعار يكرس تفريق المسلمين ويكرس التعصب لجنس دون جنس وهو ما وصفه الرسول ﷺ بدعوى الجاهلية، وأمر بنص الحديث: «دعوها فإنها منتنة»! أبعد هذا يطيب للكاتب أن يدافع عنها، فيدافع بذلك عن نتن، ويعتبر من يحاربها وما تمثله من شعار هو صاحب "هوس مدمر" هل من الهوس أن ننهى عن أمر منتن؟ وعن دعوى جاهلية؟


إننا نتفق مع الكاتب في أن الراية تمثل فكرا وهوية وانتماء، فالراية الجاهلية مهما تعددت أشكالها وألوانها ومضامينها راية عمية منهي عنها وعن القتال تحتها، وأن المسلم يحرص على راية تبين صفاء انتمائه للإسلام، ولكن الكاتب يأبى إلا أن يغالط نفسه وأن يشن حربه في الجبهة الخطأ!


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ثائر سلامة - أبو مالك

More from Articles

Precious Fruits - The tongue of the wise man is behind his heart

Precious Fruits

The tongue of the wise man is behind his heart

Al-Hasan al-Basri heard a man talking too much, so he said: O son of my brother, hold your tongue, for it has been said: There is nothing more worthy of imprisonment than the tongue.

It was narrated that the Prophet, may God bless him and grant him peace, said: (And what causes people to be thrown on their faces into the Fire except the harvests of their tongues?) Narrated by al-Darimi mursal, Ibn Abd al-Barr, Ibn Abi Shaybah, and Ibn al-Mubarak.

He used to say: The tongue of the wise man is behind his heart, so if he wants to speak, he thinks, and if the speech is in his favor, he speaks, and if it is against him, he remains silent. And the heart of the ignorant person is behind his tongue, whenever he intends to speak, he speaks.

Etiquettes, asceticism, and sermons of Al-Hasan Al-Basri

By Abi al-Faraj Ibn al-Jawzi

May God bless our master Muhammad and all his family and companions

Peace be upon you and God's mercy and blessings

How did Islam enter Sudan?
August 15, 2025

How did Islam enter Sudan?

How did Islam enter Sudan?

The Sudan known today by its geography did not represent a unified political, cultural, or religious entity before the arrival of Muslims, as it was divided among different races, ethnicities, and beliefs. In the north, where the Nubians lived, Orthodox Christianity was prevalent as a belief, and the Nubian language, in its various dialects, was the language of politics, culture, and communication. In the east, the Beja tribes lived, who are Hamitic tribes (attributed to Ham, son of Noah), with their own language, separate culture, and different beliefs from those in the north. If we head south, we find the Negroid tribes with their distinctive features, their own languages, and pagan beliefs. The same is true in the west. ([1])

This diversity and ethnic and cultural pluralism are among the most prominent features and characteristics of the population structure in pre-Islamic Sudan, resulting from several factors, especially since Sudan enjoys a strategic geographic location in Northeast Africa. It represents a gateway to the Horn of Africa and a link between the Arab world and North Africa, and between sub-Saharan Africa. This location has given it a major role in civilizational and cultural communication and political and economic interactions throughout history. In addition, it has vital sea outlets on the Red Sea, one of the most important trade routes in the world.

The first migration of the Companions, may God be pleased with them, to the land of Abyssinia (in Rajab of the fifth year of prophethood, which is the second year of proclaiming the Da'wah) can be seen as the first indication of early contact between nascent Islam and the communities of eastern Sudan. Although the purpose of the migration was originally to seek a safe haven from persecution in Mecca, this step represented the beginning of the first Islamic presence in the African and Sudanese space. In the year 6 AH, the Prophet, peace and blessings be upon him, sent with his messenger Amr bin Umayya a letter to Al-Najashi inviting him to Islam ([2]), and Al-Najashi replied with a letter in which he showed his acceptance.

With the conquest of Egypt at the hands of Amr ibn al-Aas during the reign of the Rashidun Caliph Omar ibn al-Khattab in 20 AH/641 AD, the Nubians felt the danger when the Islamic state began to establish its administrative and political influence over the northern Nile Valley, especially in Upper Egypt, which represented a strategic and geographical extension of the Sudanese Nubian kingdoms. Therefore, the Nubian kingdoms began launching preemptive attacks on Upper Egypt as a defensive reaction. Caliph Omar ibn al-Khattab, may God be pleased with him, ordered the governor of Egypt, Amr ibn al-Aas, to send detachments towards the land of Nubia in Sudan to secure the southern borders of Egypt and to convey the Islamic call. In turn, Amr ibn al-Aas sent an army led by Uqba ibn Nafi al-Fihri in the year 21 AH, but the army was forced to retreat, as the people of Nubia met it with great courage, and many Muslims returned with gouged eyes. The Nubians were skilled archers, making accurate hits even in the eyes, which is why the Muslims called them "archers of the pupils." In the year 26 AH (647 AD), Abdullah ibn Abi al-Sarh was appointed governor of Egypt during the days of Uthman ibn Affan and prepared to meet the Nubians, leading a well-equipped campaign and was able to penetrate south to Dongola*, the capital of the Christian Nubian kingdom in the year 31 AH/652 AD, and besieged the city severely. When they asked him for reconciliation and truce, Abdullah ibn Abi al-Sarh agreed to that ([3]). He concluded a peace treaty with them called the Covenant or Agreement of Baqt** and built a mosque in Dongola. Researchers have strived to understand the meaning of Baqt, some saying it is Latin, (Pactum) meaning agreement, but historians and writers do not see this peace treaty as other peace treaties in which Muslims imposed jizya on those who reconciled with them, but rather considered it an agreement or truce between Muslims and Nubians.

Abdullah ibn Abi al-Sarh pledged to them security, that the Muslims would not fight them, and that the Nubians would enter the lands of the Muslims as passers-by, not residents, and the Nubians would protect whoever entered their land from the Muslims or those under covenant until they left it ([4]). They were also required to maintain the mosque that the Muslims built in Dongola, sweep it, light it, and honor it, and not prevent anyone from praying in it, and to pay 360 heads of their average slaves each year. In return, the Muslims would donate annual supplies of grains and clothing (because the Nubian king complained of a lack of food in his country), but they were not obligated to repel an enemy or raider of their country. With this peace, the Muslims were reassured about the safety of their borders from the south, ensured cross-border trade between the two countries, and obtained the strong arms of Nubia to serve the state. With the movement of goods, ideas also moved, and preachers and merchants played a pivotal role in spreading Islam in Nubia through peaceful means, especially through good dealings. Trade caravans carried with them belief, language, civilization, and a way of life, just as they carried trade goods.

Arabic also became increasingly present in the daily life of Sudanese societies, especially in northern Sudan. This agreement represented a kind of permanent contact between the Muslims and the Christian Nubians that lasted for six centuries ([5]). During that time, the Islamic faith infiltrated the northern part of eastern Sudan from the mid-seventh century AD at the hands of Muslim merchants and Arab immigrants. These major Arab migrations infiltrated through 3 routes: first: from Egypt, second from the Hijaz via the ports of Badi, Aydhab and Suakin, and third: from Morocco and North Africa through the central Sudan. However, the impact of these groups was not effective due to their small size compared to the large numbers that moved from Egypt to the south since the ninth century AD, after which the land of Beja, Nubia and Central Sudan was melted by the Arab element. At that time, the Abbasid Caliph Al-Mu'tasim (218-227 AH/833-842 AD) decided to rely on Turkish soldiers and abandon Arab soldiers, which is considered a dangerous turning point in the history of Arabs in Egypt. Thus, the third century AH/ninth century AD witnessed wide Arab migrations to Sudan, and then penetration into the vast plains south and east ([6]), which helped stability in these areas to connect with the people of the country, influence them, and accept Islam and enter into it.

In the twelfth century AD, following the Crusaders' occupation of Palestine, the Sinai route for Egyptian and Moroccan pilgrims was no longer safe, so they turned to the port of Aydhab (known as the Port of Gold, located on the Red Sea coast). When the pilgrimage movement became active there and Muslims frequented it on their way to and from the holy lands in the Hijaz, the ships carrying goods from Yemen and India began to anchor there, thus its area was populated and its movement increased, and Aydhab occupied an excellent position in the religious and commercial life of Muslims. ([7])

When the kings of Nubia broke the covenant whenever they found weakness or weakness from the Muslims and raided Aswan and the positions of Muslims in Egypt, especially during the days of its king David in 1272 AD, the Muslims were forced to fight them during the days of al-Zahir Baybars, and a new treaty was concluded between the two parties in 1276 AD, and finally Sultan al-Nasir bin Qalawun opened Dongola in 1317 AD, and the king of Nubia, Abdullah, son of King David's brother, converted to Islam in 1316 AD, which facilitated its spread there, and the land of Nubia entered Islam permanently.([8])

As for the Christian kingdom of Alwa, it was overthrown following the alliance between the Arab Abdallab tribes and the Zanj Funj in 1504 AD, and the Islamic Funj kingdom was established, also known as the "Sennar Sultanate" after the capital, and also as the "Blue Kingdom." The Sennar kingdom is considered the first Arab Islamic state established in Sudan after the spread of Islam and the Arabic language there([9]).

As a result of the increasing Arab Islamic influence, the royal families in Nubia, Alwa, Sennar, Taqali and Darfur became Muslim after they were Christian or pagan. The ruling class's conversion to Islam was enough to bring about a multi-dimensional revolution in the history of Sudan. Muslim ruling families were formed, and with them the first models of Sudanese Islamic kingdoms were established, which had a great impact on empowering this religion and effectively contributed to spreading the Islamic religion, consolidating its pillars, laying its foundations, and establishing the foundations of Islamic civilization in the land of Sudan. Some kings assumed the role of preachers in their countries and understood their role as guardians who were responsible for conveying and preserving this religion, so they ordered what is right, forbade what is wrong, judged according to God's law, established justice as much as they could, and called to God and strived in His cause. ([10])

Thus, the call of Islam proceeded strongly and effectively in this region amidst hurricanes of paganism and Christian evangelism campaigns. Thus, Sudan is considered one of the most famous regions in which the peaceful Da'wah represented the true model for the spread of Islam, and the ability of Muslims to spread their faith through persuasion, argument, and good treatment emerged. Caravan trade and jurists played a major role in spreading Islam in the Sudanese lands, where markets replaced battlefields, and honesty, truthfulness, and good treatment replaced the sword in spreading the doctrine of monotheism([11]). In this regard, the jurist historian Abu al-Abbas Ahmad Baba al-Tanbukti says: "The people of Sudan embraced Islam voluntarily without anyone taking control of them, like the people of Kano and Borno. We have not heard that anyone took control of them before their Islam."

#SudanCrisis         #SudanCrisis

Written for the Central Media Office of Hizb ut-Tahrir

M. Durra Al-Bakoush

** Appendix: Covenant from Prince Abdullah bin Saad bin Abi Sarh to the Great of Nubia and to all the people of his kingdom:

"A covenant he made to the great and small of Nubia, from the border of the land of Aswan to the border of the land of Alwa, that Abdullah bin Saad has given them security and a truce running between them and the Muslims who border them from the people of Upper Egypt and other Muslims and the people of the Dhimma, that you, the Nubian community, are safe with the security of God and the security of His Messenger Muhammad the Prophet, peace and blessings be upon him, that we will not fight you, nor wage war against you, nor invade you, as long as you abide by the conditions between us and you, that you enter our country as passers-by, not residents in it, and we enter your country as passers-by, not residents in it, and you must protect whoever enters your country, or visits it, from Muslims or those under covenant, until he leaves you, and you must return every runaway who comes to you from the slaves of the Muslims, until you return him to the land of Islam, and do not seize him, nor prevent him from it, nor interfere with a Muslim who intends to reach him and argue with him until he leaves him, and you must protect the mosque that the Muslims built in the courtyard of your city, and do not prevent a worshiper from it, and you must sweep it, light it, and honor it, and you must pay three hundred and sixty heads every year, which you pay to the Imam of the Muslims from the average slaves of your country who are not defective, including males and females, in which there is no decrepit old man, nor an old woman, nor a child who has not reached puberty, you pay that to the governor of Aswan, and no Muslim has to repel an enemy that comes to you, nor prevent him from you, from the border of the land of Alwa to the land of Aswan, if you harbor a Muslim slave or kill a Muslim or someone under covenant, or interfere with the mosque that the Muslims built in the courtyard of your city by demolishing it, or prevent anything from the three hundred and sixty heads, then this truce and security are void, and we and you are back to square one until God judges between us, and He is the best of judges, with that is God's covenant and His pledge and His guarantee and the guarantee of His Messenger Muhammad, peace and blessings be upon him, and we have upon you for that the greatest thing you adhere to of the guarantee of Christ, and the guarantee of the apostles, and the guarantee of whoever you magnify from the people of your religion and your sect.

God is the witness between us and you on that. Written by Amr bin Shurahbil in Ramadan, year thirty-one."


[1] The Entry of Islam into Sudan and its Impact on Correcting Beliefs by Dr. Salah Ibrahim Issa

[2] Chapter Ten of the book Tanwir Al-Ghabash fi Fadl Ahl Al-Sudan wal-Habash, by Ibn al-Jawzi

* Before Islam, the land of Nubia was divided into 3 kingdoms: Nubia, Makuria, and Alwa (from Aswan in the south to Khartoum currently). Then, after that, the kingdoms of Nubia and Makuria united between 570 AD and 652 AD and were called the Kingdom of Nubia, and its capital was Dongola.

[3] Futuh al-Buldan by Imam Ahmad ibn Yahya ibn Jabir al-Baghdadi (known as al-Baladhuri)

** See the appendix to read the full text of the covenant

[4] Islam and Nubia in the Middle Ages by Dr. Mustafa Muhammad Saad

[5] Islam in the Sudan by J. Spencer Trimingham

[6] The Spread of Islam in Sub-Saharan Africa by Yusuf Fadl Hassan

[7] Sudan Through the Ages by Dr. Makki Shibeika

[8] Sudan by Mahmoud Shaker

[9] A Reading in the History of the Islamic Funj Kingdom (910 - 1237 AH/ 1504 - 1821 AD) by Dr. Tayeb Boujamaa Naima

[10] Islam and Nubia in the Middle Ages by Dr. Mustafa Muhammad Saad

[11] Studies in the History of Islam and Ruling Families in Sub-Saharan Africa by Dr. Nour El-Din Al-Shaabani