مقالات

مقال مميز

مع القرآن الكريم - سورة الأعراف

مع القرآن الكريم - سورة الأعراف

اقرأ المزيد
لماذا "حرية الإساءة" ليست سمة للمجتمع المتحضر (مترجم)

لماذا "حرية الإساءة" ليست سمة للمجتمع المتحضر (مترجم)

  في الوقت الذي بدأت فيه وسائل الإعلام بتغطية الهجوم على شارلي إيبدو، حبس المسلمون في جميع أنحاء العالم أنفاسهم؛ وذلك لأنهم يتوقعون موجة أخرى من سلسلة الاعتداءات على المعتقدات الإسلامية. والنتيجة أنهم لم يكونوا على خطأ. فلما ظهرت تفاصيل الهجوم، أخذ الصحفيون والسياسيون على حد سواء بإلقاء بيانات الإدانة والاتهام الهجومية بأن الرفض الإسلامي الشديد للإساءة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك معتقدات الإسلام المقدسة مسؤولة بشكل ما عن أعمال العنف هذه. وقد أعطي المسلمون خيارين: فإما أن يكونوا في صف المدافعين عن حرية التعبير ويتقبلوا الإساءة لنبيهم ومعتقداتهم، وإما أن يكونوا في صف الذين قاموا بهذا الهجوم. إن هذا التخيير السخيف بين "معنا أو معهم" إنما بني على منطق أعوج يقول بأن الذين يعارضون الحق في إهانة الأديان هم بشكل أو بآخر "متعاطفون سرًا" مع الذين يقتلون الصحفيين ورسامي الرسوم الكاريكاتورية. إن هذا الواقع يشبه تمامًا اتهام أولئك الذين يعارضون قيم الإسلام بأنهم "متعاطفون سرًا" مع أندرس بريفيك، اليميني المتطرف الذي قتل عشرات الأشخاص في النرويج تحت شعار عقيدته المعادية للإسلام. إلا أنه خلال التغطية الإعلامية لهذه القصة وتداعياتها كان هناك أيضًا تأكيدٌ ليبراليٌّ آخر أكد مرة تلو الأخرى أن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أن حرية التعبير، بما فيها الحق في السخرية والإهانة والإساءة، هي سمة للمجتمع "المتحضر والمستنير والناضج"؛ إنه مطلب حيوي للنقد السليم للأفكار، وتحدي الظلم، وهو شرط أساسي للنهضة والتقدم. إن هذا هو السبب في أن حرية الإساءة يجب الدفاع عنها مهما كلف الأمر. ولعل هذا هو السبب في أن نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي السابق، قد وصف الاعتداء على مكاتب المجلة الساخرة بأنه "إعلان حرب على الحضارة". إن الجنون السياسي والإعلامي الذي أحاط بالهجوم على تشارلي إيبدو ترك القليل للرأي العام لدراسة حقيقة مثل هذا التأكيد الليبرالي المطبق. بالإضافة إلى ذلك، فإنه في داخل المجتمعات العلمانية، يتم التعامل مع الحريات الليبرالية وكأنها بقراتٌ مقدسة وهو ما يعني أنه حتى الاستفسار عن صحة هذه القيم غالبًا ما يثير رد فعل وكأن صاحبها قد أتى بعمل من أعمال الكفر. والنظرة إلى هذه القيم بأنها قيم لا يمكن المساس بها، وهي فوق كل الشبهات. ومن يحاول أن ينتقدها فإنه يُقاطع ويعتبر منبوذًا، ورجعيًا، وعدوًا للاستنارة والحوار. وعلى الرغم من كل ذلك، فلم يُقدَّم أيّ سبب مقنع حتى الآن حول المكاسب التي يمكن للأمم تحقيقها من خلال الإساءة للمعتقدات الدينية. ولم تقدم أي حجة صحيحة حول الادعاء بأن حرية الإساءة تعتبر سمة من سمات المجتمع المتحضر. وعلى النقيض من ذلك، فإن هناك الكثير من الأدلة التي تبين عكس ذلك. أولاً: إن المجتمع المتحضر هو بالتأكيد ذلك المجتمع التي يتمكن فيه الناس على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم من العيش معًا في سلام ووئام، في جو من الرحمة والاحترام المتبادل. والسؤال الحتمي هو: هل الإساءة إلى فكرة أم رفضها يمكن أن يجعل ذلك ممكنًا؟ إن الإساءة إلى المعتقدات الراسخة التي تقدسها المجتمعات لا ينتج شيئا سوى الاستياء والكراهية والاغتراب والغضب داخل أولئك الذين تستهدفهم مثل هذه الإهانات. وهو ما يشكل مقدمة للعنف والهجمات الانتقامية - إن الكثير من الناس لديهم مشاعر حساسة راسخة بعمق تجاه أشياء كثيرة؛ منها ما هو متعلق بالدين ومنها ما هو متعلق بالنسب - وعندما يسمح للأفراد السخرية والازدراء بلا قيود من هذه المعتقدات، فإن ذلك يساعد على وجود بيئة كريهة وخطيرة على الجميع. إنها حقيقة واضحة أن أنصار حرية الإساءة يبدو عليهم العناد ويتغافلون عن ذلك بصورة غير عقلانية. وهذا يشمل كافة السياسيين الغربيين الذين اصطفوا في أعقاب الهجوم على المجلة الساخرة للتعبير عن دعمهم لحق الأفراد في أن يسخروا ويستهزؤوا من جميع الأديان. في مقابلة مع قناة (CBS) التلفزيونية الأمريكية، صرح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بقوله: "أعتقد أنه في المجتمع الحر، يوجد حق في الإساءة لدين شخص ما". أما بالنسبة للمسلمين، فإن ارتباطهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم مبني على الحب الشديد، والإعجاب والاحترام. وهم يعتبرونه أغلى من أنفسهم وأهلهم، ولذلك فإن الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تكون أبدًا مصدرًا للضحك والتسلية. كلا! فإنها تسبب الأذى العميق والغضب الشديد والذي يدفع البعض إلى الاقتصاص العنيف. إن مثل هذا العنف والذي يكون ردًا على إساءة دينية ليس خاصًا بأي مجتمع. ففي عام 2004، عندما استضاف مسرح برمنغهام ريبيرتوري مسرحية كانت مهينة للسيخ، قامت طائفة السيخ على إثر ذلك باحتجاجات عنيفة ضد المسرح. وهذا يدل بشكل واضح على أن اعتناق حرية الإساءة ليست هي الطريق إلى مجتمعات متجانسة ومتماسكة وآمنة. في الواقع، يبدو أن الكثير من الصحفيين يعيشون في فقاعة، معتقدين أن ذم الأديان والطوائف الدينية ليست له عواقب أو القدرة على توليد العنف. إن تبنيهم لفلسفة "العصي والحجارة" هي ما يجعلهم يشعرون شعورًا زائفًا بالأمان حيث إنهم يعتقدون أن كتاباتهم وسخريتهم ليست لها تداعيات على المجتمع. وغالبا ما يتذرعون بذريعة "الخطاب الفكري" ويتخذون منه درعًا ليحميهم من العواقب القانونية لكلامهم الذي في حقيقة الأمر يصنف في فئة "التحريض على الكراهية الدينية". وقد كتب أحد الكتاب غير المسلمين فيما يتعلق بالنقاش حول حرية التعبير التي أحاطت بحادثة شارلي إيبدو: "في أسوأ الأحوال، تعتبر السخرية عدواناً غير مباشر. صحيح، فهو عدوان القلم وليس السلاح، ومع ذلك فهو نوع من أنواع العنف. وإذا صببنا الزيت على النار فيجب ألا نتفاجأ إذا أصابنا الحريق". إن أنصار هذا "العدوان المقنّع" غالبًا ما يقولون إن حرية الإساءة يجب ألا تتجاوز الحدود فتحرض على العنف. إلا أنهم عندما يقومون بتشويه صورة المجتمعات، وشيطنة قيمها والحط من قدر الناس فيها بصورة مستمرة، فإنهم بذلك يشجعون على وجود الأجواء التي تقود إلى ذلك بالضبط. ليس هناك شك، على سبيل المثال، أن هجوم وسائل الإعلام بشكل لا هوادة فيه ضد المسلمين ومعتقداتهم هو ما غذى وأجج الهجمات المعادية للمسلمين في فرنسا وبريطانيا في أعقاب حادثة الهجوم على شارلي إيبدو. وقد تعرض نحو 26 مسجدًا في جميع أنحاء فرنسا للهجوم باستخدام القنابل الحارقة، وإطلاق النار والقنابل اليدوية وغيرها خلال الأسبوعين الماضيين. وكذلك تم استهداف الشركات التي يملكها مسلمون. وإلى جانب هذا، فقد كانت هناك كتابات عنصرية وتهديدات وترهيب للمسلمين. وفي بريطانيا، أُرسلت إلى المساجد في لندن تهديدات بالقتل، ورسائل عنصرية، ورسومات مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم. ولنا أن نتساءل كيف أُقحمت الجاليات الإسلامية في جميع أنحاء فرنسا وبريطانيا في قضية الهجوم على المجلة وهم لا علاقة لهم بها، والمسألة في جوهرها أن هذه الجاليات قد حُمّلت بعض المسؤولية عن الحادث، وبالتالي الهدف هو نشر كراهية الإسلام والتخويف منه. ومما لا شك فيه أن الحملة التي لا هوادة فيها على المسلمين وشيطنة القيم الإسلامية، وربطهم بالعنف ووصفهم بأنهم خطر على المجتمعات الغربية هو السبب في كل ذلك. وعلاوة على ذلك، فكون حرية الإساءة داخل الدول العلمانية، تستظل بمظلة حرية التعبير والشعار المُضلل "النقاش السياسي"، فقد وفر ذلك مناخًا مفتوحًا للعنصريين وحَمَلة شعار كراهية الإسلام والتخويف منه، ومن بين هؤلاء سياسيون وصحفيون، للتصريح علانية بنقدهم اللاذع الذي ينضح بكراهية الإسلام، ويحصلون على التأييد لأفكارهم العفنة ومخططاتهم الخبيثة. المجلة الساخرة شارلي إيبدو نفسها قد عُرفت منذ فترة طويلة بنشرها للصور العنصرية عن الكثير من المجتمعات. لكن على الرغم من هذا، فقد كانت تحصل على رخصة بلا قيود للعمل من قبل الحكومة الفرنسية، وحتى بعد أن حذر وزير الخارجية الفرنسي في عام 2012 من أن الرسوم الكاريكاتورية الصريحة الاستفزازية ضد النبي صلى الله عليه وسلم تخاطر "بصب الزيت على النار". وبذريعة "التعددية"، فإن المنظمات العنصرية اليمينية المتطرفة مثل الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب الحرية في هولندا، ورابطة الدفاع الإنجليزية في بريطانيا قد يُسمح لها بالعمل علنًا. وفي الوقت الذي ينتقد فيه بعض الزعماء الغربيين مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي انتقدت المظاهرات المعادية للإسلام في بلادها، مثل المظاهرة التي اشترك فيها 18000 شخص والتي نظمتها الحركة اليمينية العنصرية "الأوروبيون الوطنيون ضد أسلمة الغرب" في دريسدن، فإن النظام العلماني الذي يحتكمون إليه هو ما يسمح بمثل هذه الاضطرابات وانقسام وجهات النظر في أن يكون لها مكان تحت شعار القيمة العلمانية حرية الإساءة. وهو ما يصعد الكراهية الدينية داخل المجتمعات. إن هذا الواقع يبعد كل البعد عن إرساء أسس مجتمع متحضر. ثانيًا: بالتأكيد إن المجتمع المتحضر هو ذلك المجتمع الذي يعيش الناس فيه بحيث يكون التعامل بينهم قائمًا على القيم الحميدة والكريمة مثل الاحترام واللطف في التعامل مع الآخرين، وهو ليس ذلك المجتمع الذي يُحتفى فيه بالإساءة والبلطجة تجاه المواطنين. إنه لأمر غريب على سبيل المثال، أنه إذا تمت ممارسة السب والشتم في الملعب بين الأطفال أو قام به الشباب في الشوارع فإن تلك السلوكيات تصنف على أنها سلوك فظ ومعادٍ للمجتمع ومنحرف. ولكن إذا قام به الصحفيون ورسامو الكاريكاتير، يصبح سلوكًا مقبولًا بل وحتى يصبح سلوكًا يُشاد به. ولماذا تعتبر الدول العلمانية أن الحق في الإساءة للأديان دليل على كون أي أمة أمةً متحضرة، وفي الوقت نفسه فإنها تقيد وسائل إعلامها بقوانين التشهير والقذف وحتى قوانين ممارسة الرقابة الذاتية في الكثير من الأمور من أجل الحفاظ على الحشمة ولتجنب الإساءة للمشاهدين والمستمعين؟ ويشمل هذا فرض لوائح صارمة في اللغة المستخدمة من قبل المذيعين. وتجنب نشر الصور البشعة من مناطق الصراع، والابتعاد عن روح الدعابة على قضايا حساسة مثل الاغتصاب والاعتداء الجنسي على الأطفال، والإبادة الجماعية، ومجموعة كبيرة من المواضيع الأخرى. وذلك لأن كل مجتمع له خطوط حمراء وقواعد للسلوك المقبول وهو بحاجة لها لضمان وجود جو محترم لطيف نسبيًا للجميع، بدلًا من أن يكون جوًا منحطًا ووضيعًا. إلا أنه في الدول العلمانية يجري باستمرار إعادة تعريف معايير السلوك الإنساني الصحيح وما يعتبر سلوكًا أخلاقيًا أو غير أخلاقي - ولا يتم ذلك على أساس ما يجلب الانسجام الصحيح أو التقدم للمجتمعات ولكن ببساطة من أجل السماح للفرد أن يقول أو يفعل ما يريد، بغض النظر عن الفوضى الاجتماعية التي تنتج عن ذلك. فعلى سبيل المثال، قال ستيفان تشاربونيير، رئيس تحرير مجلة شارلي إيبدو الذي قتل في الهجوم، أن هدفه كان يتمثل في استهداف الإسلام حتى "يصبح تافهًا مثل الكنيسة الكاثوليكية". وبالتالي، فإن السلوك الذي كان يُعتبر بشكل واسع على أنه سلوك وضيع مثل إهانة الآخرين، ولكن في ظل العلمانية يجري تشكيل السلوك بشكل عبثي وحسب الأهواء ويعتبر ذلك علامة على الحداثة والتقدم. فعلى سبيل المثال، خلال مقابلة على إذاعة بي بي سي مع كينان مالك، وهو مؤلف ومذيع وكاتب في صحيفة نيويورك تايمز، قال إنه حاول الدفاع عن حرية الإهانة بالقول إن إحدى الطرق لمنع وقوع حوادث مثل الهجوم على شارلي إيبدو هي كسر الصلة بين الأخلاق والإساءة إلى الناس، وأنه لا يجب النظر إلى الإساءة إلى الأفراد بأنه فعل غير أخلاقي. إن مثل هذه الآراء العلمانية تفسر انتشار عدم الاحترام بين الأطفال نحو آبائهم بشكل متزايد، أو عدم احترام الشباب لمعلميهم داخل الدول العلمانية. ما هو نوع المجتمع الذي تصبح فيه القيم الإنسانية اللائقة مثل عدم الإساءة للآخرين قيمًا منحطة ينظر إليها بازدراء وتُعطل، ببساطة من أجل السماح للأفراد بالسير وفق أهوائهم؟ بالتأكيد إن مجتمعًا مثل ذلك لا يعتبر متحضرًا! ثالثًا: إن المجتمع المتحضر هو بالتأكيد مجتمع حيث تتم فيه مناقشة مفتوحة للأفكار والعقائد المختلفة بصورة محترمة دون الحاجة إلى الشتائم والإساءة. إن الحجة التي تقول إن منع حرية الإساءة يشكل حاجزًا لنقد الأفكار، وتمحيص المعتقدات، أو تحدي الظلم والقهر هي حجة واهية لا قيمة لها على الإطلاق. في الواقع، إن وجود الإساءة يعيق الخطاب المنتج للأفكار لأنه ببساطة يغضب ويوجه محور النقاش إلى الشتائم نفسها ويغلق القلوب والعقول عن الحقيقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن اللجوء إلى السخرية والاستهزاء بالأديان من أجل إثبات نقطة هو ببساطة استسلام للعجز في الإبداع في تقديم الحجج بطريقة متحضرة، ما يدل على عدم وجود أدلة صحيحة تدعم وجهات النظر، أو يشير إلى ضعف الفكر. في الواقع، إن الادعاء بأن الخطاب المستنير لا يمكن أن تتم دون الحاجة إلى الشتائم هو في حد ذاته إهانة لذكاء الأفراد! وعلاوة على ذلك، كيف تساعد الإساءة للأفراد في الوصول إلى الحقيقة بشأن القضايا؟ كيف يساعد ذلك في تمحيص حجة ما أو نقد طرفي النقاش؟ بالإضافة إلى ذلك، فإن الحجة العلمانية التي تقول إنه لولا حرية الإساءة، فإن الأفراد لن يكون عندهم الحق في ممارسة ونشر دينهم كما يرغبون، فمعتقدات أحد ما ربما بحكم طبيعتها تتسبب بالإساءة لغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، فإن هذه الحجة سخيفة تمامًا. وهو ما يشير إلى أن الأفراد لا يمكنهم التمييز بين التعبير عن الخلاف القوي في المعتقدات الدينية وبين الاستهزاء والإساءة لتلك الأفكار. وعلاوة على ذلك، فإن من المفارقات أنه بينما يعبر القادة الغربيون مثل ديفيد كاميرون عن دعمهم الثابت لحرية التعبير، فإنهم فعليًا يُسكتون المسلمين عن مناقشة معتقداتهم من خلال مجموعة من الخطط لمكافحة الإرهاب في بلادهم. على سبيل المثال فإن الحكومة البريطانية تحاول حاليًا تمرير مشروع قانون قد يتطلب من الكليات والجامعات منع ما يسمى "الدعاة المتطرفين" من التحدث في الجامعات، وحتى عن الأفكار التي هي غير عنيفة في طبيعتها. وقد اتهم الكثيرون مشروع القانون، بما في ذلك اللجنة المشتركة لبرلمان بريطانيا في مجال حقوق الإنسان لكبح الحريات الأكاديمية. إن القائمة التي تصنفها الحكومة البريطانية والسياسيون فيها على أنها "وجهات نظر متطرفة" هي واضحة. وهي تشمل كل شيء من النقاب إلى أمر الإسلام بالفصل بين الرجال والنساء إلى مفهوم الأمة الواحدة لدعم تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة في العالم الإسلامي. ولذلك فإن الرسالة واضحة، وهي أن الصحفيين وغيرهم لهم الحق في السخرية، والاستهزاء، وتشويه سمعة الإسلام، بينما لا يحق للمسلمين أن يتحدثوا عن بعض المبادئ الأساسية لعقيدتهم. ولذلك، فإنه من الواضح أن الخطط السياسية للحكومات العلمانية التي يتم استخدامها لإسكات الإسلام هي التي تشكل عائقًا أمام نقاش مفتوح للأفكار، وليس رفض حرية الإساءة. ولذلك بينما يعاني كثير من العلمانيين من القول بأن حرية الإساءة إلى الأديان هي سمة من سمات المجتمع المتحضر، فإن الواقع يثبت العكس. في الواقع، إنه "الجهل المركب" عن هذه القضية الذي تم ترويجه على نطاق واسع، وقبل الكثيرون به دون تفكير. والحقيقة مع ذلك، هي أن المجتمعات المتحضرة هي تلك التي يعامل فيها جميع أتباع الأديان سواسية، وفيها تكون معتقداتهم محمية. فهي تلك المجتمعات التي تتميز باللطف والرحمة، والانسجام بين جميع مواطنيها، حيث القيم الحسنة والكريمة هي المقياس السائد. وهي تلك المجتمعات التي يتم فيها استخدام الكلام بطريقة منتجة: نقاش محترم صحي، ونقد الأفكار، وفضح الظلم، ومحاسبة القادة على أفعالهم. إنه المجتمع الذي تسعى القيم الإسلامية والأحكام الشرعية لإيجاده. ولهذا السبب فإن الإسلام قد أنكر الإساءة إلى أي دين أو التقليل من أتباع أي طائفة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 108] إن دولة الخلافة التي يحكمها الإسلام قد جسدت هذا النوع من المجتمعات. وكانت هذه الدولة تحظر الإساءة - اللفظية أو البدنية - ضد "الأقليات الدينية". وهي الدولة التي احتضنت القيم الجيدة، والكريمة، وهي الدولة التي شجعت على وجود خطاب قوي مفتوح بين أتباع جميع الأديان. وهذا سيكون واقع دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريبا إن شاء الله. وربما لهذا السبب، وهو أن هذه الحكومات العلمانية والعلمانيين مفتولي العضلات الذين يسعون للضغط على المسلمين ليتركوا القيم الإسلامية من خلال استخدام تسميات هجومية "متطرفة" أو ترويجهم لروايات كاذبة، هو ما يجب أن يحدد من يعمل فعلًا على تقويض الحضارة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]   كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحريرد. نسرين نوازعضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير        

عندما يصبح الدين تجارة!

عندما يصبح الدين تجارة!

انتشرت في الفترة الأخيرة تهمة المتاجرة بالدين وتعالت أصوات المنادين بفصل الإسلام عن السياسة والحذر من أي خطاب ديني أو نقاش مبني على أسس عقدية، روّجت هذه الفئة العلمانية على أنها الحصن الأمين أمام ابتزاز المتاجرين بالدين وتناقلوا مقولة ابن خلدون: "الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تكون تجارة رائجة جدا في عصر التراجع الفكري للمجتمعات". حصرت هذه الأقلام مشاكل العصر بمظاهر التدين وتذمرت من الملتزمين بل واتهمت المنقبة والملتحي والفقيه بأنهم يتاجرون بالدين ويبالغون في إظهار تدينهم بينما ادّعوا هم حمل لواء الوعي والتنوير والعقلانية. تغنّى أصحاب هذه الأقلام بنغمة كشف مخططات المنتفعين من الدين وضرورة التفريق بين من يخدم الدين ومن يستغله. خرجوا يحاربون من يعطي الفتاوى الدينية دون تصريح وزي رسمي وسخروا منه وتهكموا عليه وكأنه يبيع صكوك الغفران في عصور الظلام.. ارتبطت شعارات لا دين في السياسة ولا تجارة في الدين وليحيا الدين نقياّ "روحانيا". ولكن اللافت للنظر أنّ تِلكمُ الأقلام المتحمسة جفّ مدادها عندما اجتاحت الدول الغربية في الأيام القليلة الماضية حمّى التسوق باسم الدين. لم نسمع عبارة المتاجرة بالدين بل على العكس تبادلوا التهاني وانتقدوا من لم يشارك في أعياد النصارى واتهموهم بمحاربة قيم التسامح وعدم احترام الآخر. لم يروا بأسا في تزاحم الناس على الأسواق في إطار التجهيزات لأعياد الميلاد ومليارات الدولارات التي تسرق من جيوب الفقراء تحت مسمى إحياء الشعائر الدينية!! تجهيزات لأعياد دينية تكون أبعد ما يكون عن الروحانيات وتخنقها النزعة الاستهلاكية. لم يعد الكريسماس مناسبة دينية روحانية واحتفالات عائلية بسيطة بل هيمنت عليه الرموز الدينية التي تحولت مع الوقت لتجارة مربحة مثل شجرة الميلاد وطقوس شراء وتبادل الهدايا والاحتفاء بأسطورة بابا نويل (سانتاكلوس أو نيكولاس) أو مراسم عشاء الميلاد. لم يعد الكريسماس عيداً للنصارى فقط بل أصبح طقساً موسمياً يحتفل به أيضاً الملحدون وأصحاب الديانات الأخرى، يحضرون له ويشاركون بطقوسه الاستهلاكية ويقبلون فيه على الشراء واقتناء المنتجات المميزة لهذا الموسم. أصبح عيد الميلاد "الكريسماس" أكبر محفز اقتصادي economic stimulus"" للعديد من الدول حيث تزدهر التجارة وترتفع المبيعات بشكل ملحوظ، قطاع التجزئة في الولايات المتحدة الأمريكية حصل على أرباح تصل لثلاثة ترليون دولار في عطلة عام 2013 مما يعني 19.2% من إجمالي مبيعات ذلك العام. أما التوقعات لهذا العام بالنسبة لمبيعات التكنولوجيا الملبوسة في فترة عيد الميلاد في بريطانيا (ساعات وخلافه) فقد تتجاوز 104,7 مليون جنيه استرليني (ريتيل تكنولوجي 24/12/2014). يصاحب أجواء قداس عيد الميلاد تكهنات ورصد لإيرادات السينما والمسارح ووسائل الترفيه وسباق شرس للشركات من أجل الوصول إلى القمة والمحافظة على النجاح. تستمر حمّى الشراء لأسابيع عدة فما أن تنتهي أعياد الميلاد حتى يبدأ موسم التخفيضات المنتظر ويخرج الناس قبل الفجر ليقفوا بالساعات الطوال.. ازدحام في المتاجر وليس الكنائس وطوابير لشراء الماركات العالمية وليس للصلوات والابتهالات.. يضحي الشخص بنومه وراحته وحتى كرامته ليحصل على مطلبه فيضيء ذلك المكان المظلم في قلبه ولو لدقائق. إنه موسم الشراء من أجل الشراء، يشتري الجميع الهدايا للآخرين وتكون معظمها هدايا غير مرغوب فيها فيعمل صغار الرأسماليين على ابتكار أسواق ثانوية تستفيد من هذه الهدايا وتعيد تداولها بين الناس. عيد ميلاد يتحول في كل عام لعيد تتويجٍ للرأسمالية وحفلٍ لتقديس الماركات العالمية، يحتفي فيه المتعبدون بآخر إصدار لشركة أبل وآخر صيحات بيوت الأزياء من العطور والأزياء وغيرها. يتزاحم فيه الناس على شراء النسخ الفريدة من المصمم والمحلات الكبرى وكأنهم في مناسك مقدسة يسعون لرضا خالقهم عبر أفعال مخصوصة.. انقلبت الآية فتحول الكريسماس من عيد ديني لواقع أصبح فيه التسوق ديناً! كل هذا وألسنة دعاة العلمانية في بلادنا مسلطة على محاربة الإسلام السياسي بل ولا يجدون غضاضة في المساهمة بالدعاية لأغلى شجرة عيد ميلاد أو التفنن في إهدار الأموال على الألعاب النارية ليلة رأس السنة أو استيراد أسطورة سانتاكلوس (بابا نويل أو نيكولاس) وطرحها لأطفالنا بكل الوسائل وكأنها من تراث البادية، سوّقوا الأسطورة في أرجاء العالم حتى ألِفها الصغار وتعلقوا بها.. وفي كل عام تطل علينا أسطورة سانتاكلوس بزيه الأحمر المميز ولحيته الناصعة البياض ووجهه الضحوك وهو يحمل جرابه ويطوف على البيوت حاملاً الهدايا مخاطباً خيال الطفل وغريزة التملك في الإنسان وحبه للاهتمام. قد يحلم الناس في الغرب بكريسماس أبيض ينزل فيه الثلج ليعم التفاؤل والأمل والرخاء ودفء الأسرة ولكن أيفترض أن يشاركهم أهالي خط الاستواء وأقاصي آسيا وأمريكا الجنوبية هذا الحلم؟! هل يحلم بالثلج من حُرم الدفء وافترش الطرقات أو ذاق مرارة العيش في المخيمات؟! هل يسرح الأطفال بعربة بابا نويل وتطربهم ضحكته المميزة وهو يجتاح الثلوج بسحر وبطولة ليوصل الهدايا الثمينة وهم لا يجدون التعليم والدواء والماء النظيف في الألفية الثالثة.. إنه الحلم الأمريكي يلبس قناع الأعياد الدينية.. لعمري إنها أضغاث أحلام يفيق منها جياع العالم على بطون تقرقر وريق ناشف وثياب رثة وصوت المدافع والرشاشات ولوعة اقتتال الأهل على الفتات. والأعجب مما سبق أيها الكرام، أن المنتقدين للمتاجرة بالدين ملأوا الدنيا ضجيجاً ولكنهم لا يرون حرجاً في دعم الدول لشخصيات معينة وإظهارهم بمظهر رجال الدين واحتكار هؤلاء للإفتاء والمجامع. يحاربون تجارة الدين ولا يهاجمون تقييد الفكر والرأي والحجر على المخالفة المبنية على أسس شرعية وهيمنة أسماء معينة على الوسط الفقهي والثقافي.. لا يرون أن الإصرار على المحافظة على الوضع الحالي فيه ترسيخٍ لفكرة رجال الدين بل وإفساد لهم. هذا لأن الأصوات المتعالية التي ترفض المتجارة بالدين تقدس الاحتكار والقوالب النمطية وتهاب التغيير الجذري المبدئي وترى أن لهم سهما مهمّا في المحافظة على "المونوبولي". إنهم يرون رجال الدين الذين يبنون القصور من وراء دعم السلاطين المفسدين وتأييد أصحاب المليارات ولا يأخذون على أيديهم بل يتركون الحديث مرسلا لأن تجار الدين لا يعنونهم في شيء فهم يرمون إلى ما هو أبعد من ذلك.. إنهم يرفضون أن يكون للدين أي أثر في الحياة ومصالحهم متوافقة وليست متعارضة مع المفسدين من حملة العلم (ولا نقول عنهم علماء حتى يعودوا لرشدهم ويقدروا الله حق قدره). نعم إن من يحارب المتاجرة بالدين قد لا يهمه أمر العلماء المفسدين وإن باعوا صكوك الغفران في كبرى الميادين وقبضوا الثمن على عيون الأشهاد لأن مراده أن لا يحكم الناس بشرع الله ولكن الله متم نوره ولو كره من في الأرض جميعا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً». كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحريرأم يحيى بنت محمد

57 / 58