April 10, 2009

أجوبة أسئلة: القمة العربية الـ 21، زيارة غول الى العراق والقضية الكردية، أحمد شريف رئيس الصومال وحركة الشباب المجاهد

أجوبة أسئلة:

القمة العربية الـ 21،
زيارة غول الى العراق والقضية ال
كردية،

أحمد شريف رئيس الصومال وحركة الشباب المجاهد

السؤال الأول:

عقد الاثنين 30/3/2009م مؤتمر القمة العربي الحادي والعشرون، وبدل أن يستمر يومين كما كان مقرراً أكمل المؤتمر مهمته في اليوم نفسه، فما وراء هذا المؤتمر، وما مدى فاعلية قراراته؟

الجواب:

ليس وراء هذا المؤتمر شيء، وكذلك فلم يتمخض عنه قرارات ذات بال حتى يُسأل عن مدى فعاليتها. وحتى تتضح الصورة أكثر نذكر ما يلي:

1- إن مؤتمرات القمة أصبحت تُعقد "روتينياً" في آذار من كل عام.

2- لقد اعتادت الدول الكبرى استغلال مؤتمرات القمة العربية لمشاريعها المتعلقة بقضية فلسطين التي سموها "قضية الشرق الأوسط". وكانت الدول المؤثرة في ذلك عند بدايات القمم في الستينات هي أمريكا وبريطانيا، فلما ضعف تأثير بريطانيا بعد ذلك، أصبحت القوة المؤثرة في هذه المؤتمرات والمحركة لها هي أمريكا.

3- في الفترة الأخيرة، أصبحت ظروف أمريكا مهزوزة ومضطربة، وعندها أولويات تتقدم على قضية الشرق الأوسط، وبخاصة منذ أن عصفت بها الأزمة الاقتصادية بالإضافة إلى مأزقها في العراق وأفغانستان، وهكذا فقد ركزت اهتمامها على هذه الأولويات.

4- ولهذا، فعلى الرغم من أن نتنياهو يصرح علناً بأنه لا يريد مشروع الدولتين الذي تنادي به أمريكا، وعلى الرغم من أن أمريكا كانت تستطيع إسقاطه في الانتخابات كما فعلت سابقاً، إلا أنها تركت الأمور ولم تنشغل بها، واكتفت بأن تشرك معه باراك كحفظ ماء الوجه لها بأن نتنياهو لم ينفرد بالسلطة كاملاً بل معه من ينادي بمشروعها وهو باراك! في الوقت الذي تدرك هي فيه أن ضعف الأصوات التي نالها لن تمكنه من الحيلولة دون سير نتنياهو في آرائه.

وكل هذا يدل على أن أمريكا غير واضعة على جدول أعمالها أي حل للقضية ولو كان هزيلاً، أي أنها تركت الأمور تسير في المنطقة دون تدخل جاد منها إلى أن تفرغ من أولوياتها أو تقطع شوطاً فيها، ومن بعدُ تتجه نحو "قضية الشرق الأوسط"، ولن يعجزها حينذاك نتنياهو أو غيره من كيان يهود، وبخاصة وأن حياة كيان يهود وموته هو بيد أمريكا، وإلى أن تقطع شوطاً في أولوياتها فقد تركت الحركة في قضية فلسطين إلى تابعها المخلص لها حسني مبارك ليملأ الفراغ بما يقتضيه، وليس لمؤتمرٍ لا تريد الانشغال فيه في الوقت الحالي... وخلال ذلك ترسل مندوباً أو مبعوثاً لها لرصد الواقع الجاري وجمع المعلومات إلى الوقت الذي يأتي فيه  "دور" قضية الشرق الأوسط بعد أن تقطع أمريكا شوطاً في أولوياتها.

5- ولهذا فإن أمريكا تركت هذا المؤتمر يسير بشكل روتيني، أي أن الحكام العرب قد اجتمعوا وأكلوا وشربوا وابتسموا لبعضهم "وناكفوا" بعضهم، وتكلموا عن المصالحة كلاماً فضفاضاً حمّال أوجه...

ولذلك فإن أكثر ما يمكن أن يوصف به هذا المؤتمر هو أنه مؤتمر علاقات عامة بين الحكام العرب... إلى أن تكمل أمريكا أولوياتها أو تقطع شوطاً فيها، ومن بعدُ قد تعقد مؤتمرات كبيرة وصغيرة تحركها أمريكا لاتخاذ قرارات تخدم مصالحها.

السؤال الثاني:

في 23/3/2009 قام رئيس جمهورية تركيا عبد الله غول بزيارة للعراق استغرقت يومين. وهي أول زيارة لرئيس جمهورية تركي منذ 33 سنة. واجتمع مع رئيس الجمهورية الطالباني  ورئيس الوزراء المالكي، وكذلك مع نيجيرفان برزاني رئيس وزراء إقليم كردستان، ما جعل هذا الأخير يصرح قائلاً: "إن اجتماع الرئيس التركي به هو اعتراف من جانب تركيا بإقليم كردستان. 25/3/2009 تلفزيون الأخبار التركي". كما أن طالباني صرح في مؤتمر صحفي مع الرئيس التركي:" إن على حزب العمال الكردستاني أن يلقوا السلاح أو أن يرحلوا." (راديو سوا 23/3/2009). فهل يعني هذا أن حزب العمال الكردستاني التركي قد انتهى وجوده في العراق مقابل اعتراف تركي بإقليم كردستان العراق ولكن ضمن دولة العراق؟ وبالتالي هل يئس أكراد العراق من وعود أمريكا لهم بدولة مستقلة عن العراق؟ ثم هل للزيارة بعد دولي أو هي في حدود العلاقة بين العراق وتركيا؟

الجواب:

1- نعم، إن وعود أمريكا لأكراد العراق بقيام دولة لهم، لم تكن يوماً وعوداً جادة، وإنما وعدتهم بها لاستغلالهم لضرب إخوانهم في العراق من أجل تسهيل احتلال العراق، كما وعدت بريطانيا محمود الحفيد عام 1919 بأن يهاجم المحمية العثمانية في السليمانية مقابل وعد بدولة كردية، فهاجموها وقتلوا إخوانهم العثمانيين في المحمية، وطردوا من نجا منهم، ثم أخلفت بريطانيا وعدها، بل نفت محمود الحفيد إلى مستعمرتها الهند. وكذلك فقد أصرت بريطانيا في معاهدة سيفر عام 1920م مع الدولة العثمانية على وضع بند يتعلق بإقامة دولة كردية لإزعاج الخليفة محمد وحيد الدين، حيث كان وفد الخليفة هو المفاوض، فلما نجحت فيما بعد في تنصيب مصطفى كمال رئيساً للجمهورية وانتهت الخلافة، وأصبحت المعاهدة مع جمهورية مصطفى كمال في لوزان 1924 رفضت بريطانيا أن تضع بند الدولة الكردية، لانها قد حققت هدفها، ألا وهو إسقاط الخلافة، فلم يعد يلزم استغلال مثل ذلك. وقد كانت بريطانيا تثير مشاعر النعرة القومية الكردية وتثير مشاعر كافة النعرات القومية في المنطقة، وتستغل من تثيرهم وتحرضهم للعصيان والتمرد ضد الدولة الإسلامية حتى تحقق أغراضها، ومن ثم تلفظ المتعاونين معها أو تسخرهم كعملاء لها عندما تنصبهم بما يسمى حكاما وقادة. فجاءت أمريكا وقامت  بالدور نفسه ولعبت اللعبة نفسها، وفعلت مع المتعاونين معها الفعل نفسه، أي مجرد وعود تستغلها لخدمة مصالحها، حتى إذا تحققت مصالحها ذهبت وعودها كأن لم تغن بالأمس!

2-  ولا يستبعد أن تعترف تركيا بشكل رسمي بإقليم كردستان ولكن ضمن دولة العراق دون دولة خاصة بهم، على شرط طرد حزب العمال الكردستاني. فقد صرح عبد الله غول للصحافيين عقب لقائه نيحيرفان برزاني:" أبلغته صراحة أن منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية ومعسكراتها في منطقتكم. فينبغي أن تتخذوا موقفا واضحا ضدها. وعند القضاء عليها فكل شيء بيننا وبينكم هو ممكن. فانتم جيراننا وأقاربنا. (رويترز25/3/2009). وكان غول قد اجتمع مع الطالباني في 17/3/ 2009 في اسطنبول على هامش اجتماعات منتدى المياه العالمي الخامس وصرح من هناك باستحالة إقامة الدولة الكردية، وان الدولة الكردية إنما هي في الأشعار الكردية. وطالب حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح.

ويظهر أن حكام إقليم كردستان يريدون أن يستجيبوا لطلبات تركيا مقابل اعتراف تركيا بهم. فقد قال نيجيرفان برزاني:" نحن نريد أن تكون العلاقة مع تركيا جيدة، ونحن نتفهم مخاوف تركيا". (س.ن.ن الأمريكية 25/3/2009) وأضاف" نحن لا نقبل الهجوم على البلاد المجاورة من العراق أو من منطقة كردستان".( س.ن.ن الأمريكية 25/3/2009). وقد أُعلن مؤخراً من مصادر في الخارجية التركية أن تركيا قبلت طلب رئيس إقليم كردستان مسعود البرازاني لزيارة أنقرة. (س.ن.ن 26/3/2009) وهذه الزيارة تتعلق بالموضوع نفسه، ألا وهو طرد حزب العمال الكردستاني من إقليم كردستان مقابل اعتراف تركيا بالإقليم ضمن دولة العراق، هذا مع أن وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق كان بغطاء من حزب برزاني "الديمقراطي الكردستاني"!!

3-    والى جانب ذلك، فإن زيارة غول قد تطرقت أيضاً إلى تسوية مسألة كركوك؛ فتركيا ترفض ضم كركوك لإقليم كردستان. وقد اجتمع عبد الله غول بممثلين عن التركمان وأكد لهم أن تركيا ترفض ضم كركوك لأية جهة. ولم يركز عليها لأنها تأتي في الدرجة الثانية بالنسبة لتركيا، ومن جهة أخرى تعرف تركيا أن هناك عراقيل كبيرة تحول دون ضم كركوك إلى كردستان، وتركيا احد هذه العراقيل.

وهناك مسائل أخرى بحثت كنقل النفط عبر تركيا والتجارة وزيادة كمية المياه فالطرفان أظهرا أنهما متفقان عليها.

4- أما هل للزيارة بعد دولي، فنعم، وهو الأهم، فزيارة رئيس جمهورية تركيا للعراق تأتي بعد قرار الأمريكان المتعلق بسحب قواتهم التدريجي من العراق ما عدا المراكز الحساسة، وأمريكا تريد أن تقوم بالدور مكانها دولٌ موالية لها حتى لا تأتي دولة كبرى أخرى فتستغل الوضع وتحل محل أمريكا أو تعمل على التشويش على نفوذها.

ومن هنا كان دور إيران بالتنسيق مع أمريكا، واتفقت معها عليه، وتوّج ذلك بزيارة رئيس جمهورية إيران بغداد العام الماضي. لكن أمريكا لا تريد أن تركن إلى دولة واحدة، فدولة واحدة ربما تستطيع أن تقوم بدور ما، ولكن لا تستطيع أن تقوم بكل شيء تطلبه أمريكا منها. ولذلك فإن أمريكا تريد دوراً كذلك لتركيا وسوريا... ومن هنا جاءت زيارة غول إلى العراق، وعقب زيارة غول قام وزير خارجية سوريا وزار العراق واجتمع مع الطالباني. فأمريكا لا يمكن أن تحقق كل ما تريد بمعزل عن دول الجوار. وينطبق هذا على كل بلد. فنراها تستعين بالباكستان وإيران المجاورتين لأفغانستان في تحقيق أهدافها في أفغانستان، حتى إنها تستعين بالدول التي يختلط نفوذها فيها بنفوذ الإنجليز كالسعودية للتأثير في المجاهدين هناك للقبول بالتفاوض، ومؤتمر لاهاي الذي عقد أمس 31/3/2009م بشأن أفغانستان أقوى شاهد على ذلك، فقد حضرته نحو سبعين دولة، وكان من أبرز الحضور إيران التي اجتمع رئيس وفدها مع المبعوث الأمريكي لأفغانستان، وقد وُصف الاجتماع بأنه كان ودياً...!

إن أمريكا تريد أن تحافظ على نفوذها في العراق وعلى مكانتها كدولة كبرى أولى في العالم بعدما ذاقت مرارة الهزائم التي لحقت بها هناك على أيدي المقاومين لها، وكادت أن تحط من مكانتها الدولية وتزحزحها عن مركزها كدولة أولى في العالم. ومع ذلك فقد تزعزعت الثقة بها كدولة كبرى أولى في العالم كانت تزعم أنها تفعل ما تريد!

ولهذا كانت رسالة أوباما لتركيا بان أمريكا تريد أن تستعين بتركيا. فاستعانة أمريكا بتركيا، أو على الأصح استخدام أمريكا لتركيا، ليس فقط فيما يتعلق بالوضع العراقي، بل هناك قضايا عدة تريد أمريكا استخدام تركيا فيها مثل قضية بلاد القفقاس وروسيا، وقضية الشرق الأوسط. ولهذا السبب أعلن رئيس أمريكا الجديد أوباما أنه سيقوم بزيارة تركيا قريباً. وكان أوباما قد وجه رسالة أخرى لإيران حتى يستعين بها بل يستخدمها في قضية أفغانستان إلى جانب قضية العراق.

السؤال الثالث:

أصبح شيخ شريف أحمد رئيساً للصومال، فهل يعني ذلك أن المحاكم الإسلامية عادت إلى الصومال كما كانت قبل سنتين، وإن كان الأمر كذلك، فلماذا إذن تقف حركة الشباب المجاهد ضدها، وهي كانت من المحاكم أو قريبة منها؟ وإن كان شيخ شريف قد تغيّر وأن حركة الشباب المجاهد وقفت ضده لانحرافه، فهل يعني ذلك أن حركة الشباب المجاهد حركة صادقة مخلصة؟

الجواب:

نعم إن شيخ شريف أحمد اليوم ليس مثله بالأمس، فعندما كان رئيسا للمحاكم الإسلامية سابقاً، ووصل إلى الحكم في الصومال، كان حينذاك يقاتل الأطماع الخارجية في الصومال من الكفار المستعمرين، ويقول بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن الوعي السياسي كان عنده ضعيفاً شأنه شأن غالب الحركات الإسلامية المسلحة، ولذلك أرسل له "المخلصون" وفداً ينصحه بأن لا يفاوض حكومة عبد الله يوسف فهي تابعة لأمريكا، ولا يفاوض أمريكا لا مباشرة ولا غير مباشرة عن طريق عملائها أو تحت ظل الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو الإتحاد الأفريقي... فكل ذلك لا تخلو أصابع أمريكا، بل أياديها، من العبث فيه وتحريكه. ونصحه الوفد كذلك أن يستمر في عدائه للكفار المستعمرين... غير أنه لم يأخذ النصيحة على وجهها، بل فاوض حكومة عبد الله يوسف في الخرطوم وفي ظل الأمم المتحدة والجامعة العربية والإتحاد الأفريقي...

هذا وهو في الحكم، أما بعد الاجتياح الأثيوبي وخروج شريف من الصومال إلى كينيا، ومن بعدُ، وصل إلى جيبوتي، وأصبح رئيس حركة تحرير الصومال جناح جيبوتي بعد انقسام المحاكم الإسلامية على نفسها، واستقرارهما في أسمرة وجيبوتي، مع أن الدولتين مواليتان للغرب...! خلال ذلك انغمس شيخ شريف في المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، إلى أن وصلت به الأمور إلى أن يرأس حكومة في الصومال لا تختلف كثيراً عن حكومة عبد الله يوسف، بمباركة من أمريكا والغرب والعملاء... وسارت الأمور على النحو التالي:

1- بعد خروج شيخ شريف من الصومال على أثر هزيمة المحاكم الإسلامية نهاية عام 2006م، أمام القوات الإثيوبية التي دفعتها أمريكا لاجتياح الصومال نيابة عنها، عندما خرج إلى كينيا التقى مع السفير الأمريكي في كينيا بحضور مسئولين في وكالة المخابرات الأمريكية.

2- بعد أن انقسمت المحاكم على نفسها وأصبح لها جناحان، ترأس شيخ شريف أحمد جناح جيبوتي، وبدأت المفاوضات بينه وبين حكومة عبد الله يوسف وأثيوبيا إلى أن عقدت اتفاقية جيبوتي بتاريخ في 26/10/2008م.

3- لقد جاءت الاتفاقية برعاية أمريكية وبموافقة أثيوبية، وذلك لأن الجيش الأثيوبي تكبد خسائر عدة وكان يريد الخروج ولكن بحفظ ماء الوجه، أي باتفاقية تنص على ذلك، ولهذا فبعد توقيع الاتفاقية بدأت أثيوبيا تطلق التصريحات حول سحب قواتها.

فقد نقلت  وكالة فرانس برس (أ.ف.ب) في 28/11/2008 أن أثيوبيا ستنسحب من الصومال بحلول نهاية العام وذلك في رسالتين رسميتين إلى الاتحاد الأفريقي والى الأمم المتحدة. وقالت هذه الوكالة أن وحيدي بيلا الناطق باسم الخارجية الإثيوبية قال لها: اننا توصلنا إلى الخلاصة بأنه من غير المناسب أن تبقي إثيوبيا قواتها في الصومال. لقد قمنا بعملنا ونحن فخورون بذلك، لكن الآمال التي وضعناها في المجتمع الدولي خيبت. وكان قد علق هذا المتحدث الإثيوبي من قبل بتاريخ 24/11/2008 لنفس الوكالة على الاتفاق في جيبوتي قائلاً : "أنه يصب في اتجاه موقف إثيوبيا وسحب قواتها بنظام".

إن أثيوبيا يهمها أمر الصومال، ليس فقط كمحارب بالوكالة لصالح أمريكا، وإنما لأنها مجاورة لها وتحتل منطقة اوغادين الصومالية التي خاضت الصومال حربا مع اثيوبيا عامي 1977 و 1978 لاستعادتها ولكنها فشلت.فأثيوبيا تريد أن يكون في الصومال حكم لا يهددها ولا يطالبها بأوغادين، هذا فضلاً عن خدمة أثيوبيا لمصالح أمريكا في القرن الأفريقي، فأمريكا هي التي أرسلت إثيوبيا إلى الصومال، وهي التي طلبت منها الانسحاب بعد اتفاق جيبوتي في 26/10/2008م، عندما وجدت ضالتها في شيخ شريف.

4- لقد رأت أمريكا أن شيخ شريف هو الأقدر على مواجهة المجاهدين لأن له خلفية إسلامية، وأثيوبيا بوصفها دولة أفريقية لا تستطيع الاستمرار في مقارعة الإسلاميين، فكان الأفضل بالنسبة لأمريكا استخدام واحد من الإسلاميين للقيام بهذا الدور، ولقد سلطت أمريكا على شريف عملاءها في كينيا والسودان لاستمالته، وبخاصة السودان، يقول الخبير السياسي حسن مكي: "الحكومة السودانية أخبرت شريف أنه لا يمكن أن يتجاوز الأثيوبيين، ولا يمكنه أن يتعامل مع المجتمع الدولي وكأنه غير موجود، لذلك بدأ يستمع إلى هذه النصائح خاصة وأنه خريج المؤسسات التعليمية السودانية"، ويضيف: "وقد لعب الوسيط السوداني دوراً كبيراً في هذه المصالحات" -يقصد في محادثات جيبوتي

وهكذا نجحت أمريكا في استمالة شيخ شريف لدرجة أنه أصبح يمدحها، ففي مقابلة مع "صوت أمريكاـ القسم الصومالي" بتاريخ 20/2/2009 وصف السياسة الأمريكية تجاه الصومال بأنها ايجابية منذ انطلاق المفاوضات حتى الآن. وقال: نأمل أن تواصل تلك الجهود."!

5- بعد أن أصبح شيخ شريف رئيسا للصومال بأغلبية الأصوات من البرلمان الذي كان في عهد عبد الله يوسف! كانت الخطوة التالية هي اختيار رئيس الوزراء. وهنا أيضاً جاء دور أمريكا، فقد تم اختيار عمر عبد الرشيد شرماركي الذي كان يقيم في الولايات المتحدة، وهو يوصف بالمعتدل حسب معايير الولايات المتحدة، وقد تقلد مناصب عدة في الامم المتحدة، وكان سفيرا للصومال في واشنطن في عهد حكومة عبد الله يوسف، وهو نجل رئيس صومالي سابق.

لقد حرصت أمريكا على توليته رئاسة الوزارة لإقامته السابقة في أمريكا، وكذلك لأنه لم يتلوث بالحرب الأهلية حيث كان بعيداً عنها وعن بلاده، لذلك كان له نوع من القبول عند عامة الناس في الصومال.

ومن الجدير ذكره أنه على عادة الدول المستعمرة، فإنها إذا وجدت مصلحتها عند رجل آخر غير الرجل الذي يخدمها حالياً فهي تلفظه لفظ النواة وتأتي بالآخر الذي يحقق مصالحها بقدرة أفضل، فإن أمريكا تخلت عن عبد الله يوسف الذي أصبح محروقاً ومكروهاً ومكشوفاً بخيانته للصومال، فاضطر إلى الاستقالة في 29/12/2008م والرحيل عن مقديشو إلى مسقط رأسه بونت لاند وهو الإقليم الذي حكمه منذ عام 1998م حتى عام 2004 عندما أعلن رئيساً للصومال، ثم لجأ في ما بعد إلى اليمن...

7- لقد ظنت أمريكا أنها بنجاحها في وصول شيخ شريف لرئاسة الدولة، وهو ذو الخلفية الإسلامية في المحاكم التي كان لها رأي عام خلال حكمها، وكذلك بوصول رئيس وزراء كان بعيداً عن الحرب الأهلية مما يجعل له قبولاً عند عامة الناس، ظنت بذلك أنها نجحت في الإمساك بالصومال، غير أن ظنها خاب بانكشاف أمر الحكم الجديد في الصومال، فتبيَّن أن هذه الحكومة لا تختلف كثيراً عن السابقة، سوى أنها تلبس لباساً أكثر زينة وجمالاً من لباس الحكومة السابقة.

إن الفارق بين الحكمين، إذا ما أحسنا الظن، هو أن عبد الله يوسف كان يخدم أمريكا على علم، وأن شيخ شريف يخدم أمريكا على جهل وهو يظن أنه يحسن صنعاً إلى الصومال! ولقد كنا نحب لشيخ شريف أن يبقى كما بدأ بعيداً عن مؤامرات الكفار المستعمرين، ولعله يعود إلى سيرته الأولى بإذن الله.

8- على ضوء ما انكشف من أمر هذه الحكومة، فقد استمرت مقاومة المسلمين على أشدها، وكان من أبرزها حركة الشباب المجاهد.

إن حركة الشباب المجاهد قد انفصلت عن المحاكم الإسلامية، جناح أسمرة وجناح جيبوتي، بعد أن وقَّعا اتفاقية اسمرا في أيلول 2007م، حيث اتهمتهما بأنهما تحالفا مع العلمانيين وتخلوا عن الجهاد في سبيل الله...

وهي تعلن أنها تريد الجهاد ضد أثيوبيا وضد أمريكا لتحرير منطقة القرن الأفريقي جميعها، كما تريد إقامة حكم إسلامي يتجاوز الوطنيات الضيقة... وقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية  بيانا تعلن فيه بان حركة الشباب هي مجموعة متطرفة وعنيفة ينتمي عدد من أعضائها إلى تنظيم القاعدة.( صفحة الشعب الصينية 18/3/2008) وكانت الولايات المتحدة قد ألقت القبض في منتصف 2007 على زعيمها السابق إسماعيل عرالي وذلك في جيبوتي وأودعته في معتقل غوانتنامو. واختارت الحركة مختار عبد الرحمن "أبو الزبير" قائدا لها ومختار ربو "أبو منصور" ناطقا رسميا باسمها. (العربية 22/12/2007)، وقد رد هذا الناطق الرسمي على وزارة الخارجية الأمريكية بقوله: " علاقتنا بالقاعدة هي علاقة المسلم بأخيه المسلم ومن صميم عقيدة المسلم هو (الولاء والبراء) و (أن نبتعد عن الكفار وأن نصل جميع المسلمين ونحبهم)" وقال بأن الحركة: "سعدت وتفخر بقرار الولايات المتحدة الأمريكية وضعها في لائحة الإرهاب"، وجاء في بيان صادر عن الحركة في 5/4/2008م، "نعلم علم اليقين أننا لم نُستهدف من أجل أننا صوماليون، بل من أجل أننا نحمل فكر الجهاد بمفهومه العام الذي لا يعترف بالحدود الوهمية ولا ما يُسمى بـ (الشرعية الدولية)".

لقد نجحت حركة الشباب المجاهد في السيطرة على الكثير من المدن الصومالية تفوق بكثير سيطرة الحكومة. والظاهر من هذه الحركة أنها تقاتل الكفار المستعمرين بصدق وإخلاص... إلا أن نقطة الضعف، هي كما ذكرنا، في الحركات الإسلامية المسلحة ضعف الوعي السياسي، وإنا نسأل الله سبحانه لهذه الحركة الاستمرار في موقفها القوي ضد الكفار المستعمرين.

ومع ذلك فهي أكثر وعياً من الحزب الإسلامي الذي يعارض هو الآخر حكومة شيخ شريف، وهو مكون من حركات أربع أبرزها: حركة تحرير الصومال جناح أسمرة بزعامة حسن طاهر أويس، والحركات الثلاثة الأخرى في الحزب الإسلامي هي معسكر كامبوني، والجبهة الإسلامية، ومعسكر فاروق"، فقد سألت صفحة "موقع غرينج" بتاريخ 24/1/2009م،وهي صفحة مقربة من حركة الشباب المجاهد، سألت حسن طاهر أويس عن سبب وجوده في العاصمة الإريترية أسمرة، فأجاب هؤلاء أصبحوا لنا كما النجاشي للمسلمين الأوائل!! هكذا يقول!!

إننا نسأل الله سبحانه للحركات الإسلامية الإخلاص لله سبحانه والصدق مع رسول الله r والوعي التام على مخططات الكفار ومؤامراتهم، فإنهم يكيدون للإسلام ويضمرون الشر له فوق ما يعلنونه }قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر{، ومن يركن إليهم فإنه يخسر دنياه وآخرته، وذلك هو الخسران المبين، وشواهد ذلك كثيرة مستفيضة...

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م