أجوبة أسئلة: فكرية وفقهية منوعة
July 08, 2010

أجوبة أسئلة: فكرية وفقهية منوعة

 أجوبة أسئلة

المرسل في تعريف الحديث الصحيح والعمل به

المرسل الذي نعمل به هو الذي سقط من سنده صحابي

السؤال الأول:

 ورد في الشخصية ج 1 ص 336 س 8 (مِن أسفل) في مبحث تعريف الحديث الصحيح: (فقوله (الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله) احترز بذلك عن المرسل والمنقطع والمعضل، فلا يكون من أنواع الصحيح. لأن المرسل ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الصحابي. والمنقطع ما سقط منه واحد من الرواة في موضع أو مواضع. والمعضل ما سقط منه اثنان فأكثر في موضع أو مواضع. فهي كلها أي المرسل والمنقطع والمعضل لم يتصل إسنادها فخرجت من الصحيح) مخالف لما استقر من الأخذ بالمرسل في 342-343 من نفس الكتاب، فما تفسير ذلك؟ ولكم الشكر.

الجواب:

لا تناقض بين عدم إدخال "المرسل" في تعريف الصحيح حسب علم مصطلح الحديث، وبين العمل بالمرسل.

إن أهل كل علم يضعون اصطلاحات لعلمهم، أي حقيقة عرفية خاصة، وهذه الاصطلاحات تطبق في حدود ما وضعوه ولا تتعداه.

فإذا سئلنا: ما هو تعريف "الحديث الصحيح" في مصطلح الحديث فالجواب هو كما ذكرناه في الشخصية الجزء الأول باب أقسام خبر الآحاد بند "1":

" الصحيح: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً. أي هو المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى منتهاه من صحابي أو من دونه. فقوله (الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله) احترز بذلك عن المرسل والمنقطع والمعضل، فلا يكون من أنواع الصحيح. لأن المرسل ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الصحابي. والمنقطع ما سقط منه واحد من الرواة في موضع, أو مواضع. والمعضل ما سقط منه اثنان فأكثر في موضع أو مواضع. فهي كلها أي المرسل والمنقطع والمعضل لم يتصل إسنادها فخرجت من الصحيح..." 

ومنه يتبيّن أن "المرسل" ليس من "الصحيح" وفق مصطلح علم الحديث،

لكن إذا سئلنا: ما هو الحديث الذي يؤخذ به ويعمل به قلنا:

- الصحيح والحسن وفق مصطلح علم الحديث

- والمرسل، أي الحديث الذي يسقط من سنده الصحابي، فهو حجة ويستدل به لأنه مستوف شروط المتن والسند والراوي، والمحذوف من سنده صحابي لا يضر جهله، ما دام عرف أنه صحابي، فهو ثقة.

- وما ورد من أحاديث في كتب الأئمة وتلاميذهم وغيرهم من العلماء والفقهاء يعتبر من الحديث الحسن، ويحتج به؛ لأنهم أوردوه دليلاً على حكم، أو استنبطوا منه حكماً، فهو حديث حسن، سواء ورد في كتب أصول الفقه أم الفقه، على شرط أن تكون كتباً معتبرة كالمبسوط، والأم، والمدونة الكبرى، وأمثالها...

- وهناك من يأخذ بالضعيف إذا تقوى بأحاديث ضعاف أخرى... "ونحن لا نأخذ بهذا".

وهكذا، فليس هناك تناقض، لأن مصطلح الحديث علم، والعمل بالحديث علم، وقد لا يلتقيان بالضرورة في حالات معينة، ولا حجة في علمٍ على آخر إلا بدليل معتبر.

وحتى تتضح المسألة أكثر، فإن هذا الأمر ليس في هذا العلم فحسب، بل هو في علوم أخرى.

خذ مثلاً مصطلحات علماء المباني في اللغة "النحو..."، فهم اصطلحوا على تسمية الفاعل والمفعول به، ونائب الفاعل... ولكن علماء المعاني "فقه اللغة" لا يوافقونهم أحياناً في أمور من مصطلحاتهم... فعلماء النحو يقولون "أكل زيدٌ التفاحةَ"، ويكون زيد فاعلاً مرفوعاً، وأُسنِد أكل التفاحة إليه. ويتفق علماء المعاني معهم بذلك، فالمعنى متفق مع المبنى.

ولكن علماء النحو "المباني" يقولون كذلك: "أُكِلت التفاحةُ" ويسمون التفاحة نائب فاعل، وعلماء "المعاني" لا يوافقونهم، فالتفاحة لا علاقة لها بالفعل! فهي ليست نائب فاعل، فلم تنب عنه بشيء، بل هي لازالت من حيث المعنى مأكولة!

وهكذا في كثير من العلوم، فلكل طرقه ومسالكه، واصطلاحاته، وكما يقال فلا مشاحَّة في الاصطلاح.

وهكذا هنا، فمصطلح الحديث علم، والعمل بالحديث علم، فإذا اختلفا في أمر فلا يعني تناقضاً.        

السؤال الثاني:

ورد فيالشخصية ج 1 ص 342 س 4 (مِن أسفل): (ما دام عرف أنه صحابي): كيف يعرف أنه صحابي وقد سقط من السند؟ وكيف نعدّ كل مرسل أن الساقط من سنده هو الصحابي؟  وكيف نقبل مرويات جميع التابعين عن الصحابة بدعوى أنهم يروون عن عدول بالرغم من غلبة الظن (في حالة بعضهم على الأقل) بانتفاء سماعهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منهم؟ ثم إن مقولة (المشهور التسوية بين صغار التابعين وكبارهم) صحيحة عند من رد جميع مراسيلهم (لوجود الانقطاع أو الإعضال في السند)، فكيف يمكن أن تكون صحيحةً عندنا وحال صغار التابعين أو بعضهم على الأقل كما رأينا؟

الجواب:

إن المرسل الذي نعمل به هو فقط الذي سقط منه الصحابي، وهذا يحتاج إلى دراسة في معرفة رجال السند ومتعلقاته، فإن كان الساقط من السند هو صحابي قُبل الحديث وعُمل به على وجهه، سواء أكان التابعي الذي أرسله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كبيراً أم صغيراً، فالمهم أن يكون الساقط من السند هو الصحابي، أما إذا تبيّن بالدرس والتمحيص أن الساقط من السند تابعي آخر وصحابي فهذا لا يؤخذ ولا يُعمل به عندنا، لأننا ذكرنا لماذا نعمل بالمرسل، فقلنا:

(الحديث المرسل هو ما سقط منه الصحابي، كأن يقول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا أو فعل بحضرته كذا. وصورته حديث التابعي الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما إذا قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم). والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين. أي هو ما رواه التابعي عن النبي بدون ذكر الصحابة، ولا فرق بين التابعي الصغير والكبير لأن المشهور التسوية بين التابعين... وبما أنه مستوف شروط المتن والسند والراوي، والمحذوف من سنده صحابي لا يضر جهله، ما دام عرف أنه صحابي، فهو ثقة، فذلك يدل على أن الحديث المرسل حجة يُستدل به. قد يُقال إن العلّة هي احتمال رواية التابعي عن تابعي مثله عن الصحابي، فسقوط الصحابي لا يعني سقوط راوٍ واحد، بل هو انقطاع يحتمل سقوط راويين تتحقق في أحدهما العدالة وهو صحابي، ويشك في أمر الآخر وهو التابعي. فيوجد في الحديث احتمال الجرح أو عدم الضبط ولذلك يُردّ. قد يقال هذا الكلام، والجواب عليه هو أن تعريف الحديث المرسل هو "ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الصحابي" فلا يدخل فيه رواية التابعي عن التابعي غير المذكور...)

وعليه فالأمر واضح لا لبس فيه.

السؤال الثالث:

لماذا أسقطنا جميع مرويات المبتدع الداعية؟ فالمدار في اعتماد الراوي أو إسقاطه هو العدالة والضبط، فما مدخل الدعوة إلى الفرقة أو الطائفة فيهما؟ ثم إن الكتاب (الشخصية ج 1 ص 330 س 3 (مِن أسفل)) يقول: (ثم إن الدعوة للفرقة والمذهب لا تجوز. وأما إن كان داعياً للإسلام ويشرح الأفكار التي يتبناها بأدلتها، فإنه تقبل روايته لأنه يكون حينئذ داعياً إلى الإسلام وهذا لا يطعن بروايته) ، مما يورد الأسئلة التالية:

- ما الفرق بين الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى الفرقة أو الطائفة؟ أليس ما لدى الفرق الإسلامية جزء من الثقافة الإسلامية؟

- أليس من يدعون إلى آرائهم (سواءً أكانوا شيعةً أم خوارجاً أم معتزلةً) مقتنعين بأنها تمثل الفهم الصحيح للإسلام؟

- ما المقصود بالمذهب؟

الجواب:

يبدو أن هناك التباساً لديك بالنسبة لبعض الأمور:

1- إن ما شهده التاريخ الإسلامي في تكوين الفرق الإسلامية هو أنها كانت تقوم على فكرة فرعية أو أكثر - لم تكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم - تقتنع بها وتدعوا إليها، وتبذل الوسع في جمع أدلة أو أمارات أو شبهات... وتجعل ذلك أدلة لدعم تلك الفكرة.

فمثلاً عند قضية التحكيم، ثار الخوارج وعدّوا هذا كفراً، ووصلوا إلى تكفير مرتكب الكبيرة، وأصبحت هي القضية لديهم... ويدعون إليها.

ومثلاً المعتزلة، ترجموا الفلسفات، ووصلوا إلى أن الإنسان يخلق أفعاله، ثم أضافوا لها فكرة خلق القرآن، وأصبحت قضيتهم... ويدعون إليها.

وهكذا.

والوقائع تثبت أنهم كانوا خلال دعوتهم لأفكارهم الفرعية يؤولون... ولا يتورعون عن سوق الحجج لإثبات فكرتهم التي أصبحت قضيتهم، حتى وإن كان التأويل لا وجه له، وعدم الورع في الاحتجاج ظاهراً...

ولهذا كان الشك في صحة رواياتهم، وهذه ليست أموراً نظرية، بل الوقائع أكدتها، وما نقل عن بعض من تركوا تلك الفرق أيدتها... قال ابن حجر في لسان الميزان " إن المبتدع، إذا كان داعية، كان عنده باعث على رواية ما يشدّ به بدعته". وقد حُكي عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعد ما تاب "إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثا...". 

ولذلك قلنا في الشخصية الجزء الأول صفحة 342 -343 ما يلي: "وقد حدثت بعد الفتنة فرق إسلامية اعتنقت آراء جديدة... وكان بعضهم تحمله الدعوة إلى فرقته والترغيب فيها، أو الدعوة إلى آرائه والترغيب فيها على وضع ما يحسنها من الأحاديث..."

ومع ذلك فأفكار هذه الفرق تعد من الثقافة الإسلامية، حتى وإن لم يؤخذ برواياتهم لأن الثقافة شيء والرواية شيء آخر.

2- أما الدعوة إلى الإسلام:

فهي تكون لتطبيقه في الدولة والحياة والمجتمع، ويُدعى إليه بفكرته وطريقته بناء على الأدلة الشرعية...

والإسلام هو القضية في الدعوة، وليس فكرة فرعية لم تكن على عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم كما في الفرق والدعوة إليها...

والتكتل في الدعوة إلى الإسلام يكون حول الإسلام، وليس حول فكرة فرعية تبرز دون سواها.

وحملة الدعوة إلى الإسلام بهذا المعنى، حتى لو اختلف اجتهادهم، فإن اختلافهم لا يمنع رواياتهم إذا تحقق فيها العدالة على وجهها...

3- أما المقصود بالمذهب، فإن من المجتهدين من يجتهد في الأحكام الشرعية ويجتهد في طريقة استنباطه للأحكام الشرعية، سواء أجعل له طريقة خاصة كما هي الحال في بعض المذاهب، أم لم يجعل له طريقة خاصة، ولكنه يسير طبيعياً في طريقة معينة من الفهم لاستنباط الأحكام، كما هي حال المجتهدين في عصر الصحابة، وسواء أكان هو واضع طريقة الاجتهاد أو يقلد مجتهداً من المجتهدين في طريقة الاجتهاد ولكنه يجتهد في الأحكام ولا يقلد واضع طريقة الاجتهاد ...

مثل هؤلاء المجتهدين الذين يجتهدون وفق تلك الطريقة في الأحكام الشرعية المختلفة، يشتهرون باجتهاداتهم ويقلدهم من يطمئنون باجتهاداتهم، ويتكون بذلك مذهب...

والأمر كما أراه واضح لا يحتاج إلى سؤال عن المذهب... 

السؤال الرابع:

أرجو توضيح ما ورد في النظام الاقتصادي ص(112-113) حول القيمة والثمن:

لقد عرّف القيمة بالعبارة: «قيمة أية سلعة هي مقدار ما فيها من منفعة، مع ملاحظة عامل الندرة».  ويضيف بعد عدة أسطر: «وهي القيمة الحقيقية للسلعة» ويتابع: «أما القيمة الفعلية للسلعة، فإنها تقدّر بمقدار بدلها بشيء آخر من سلعة أو نقد» ومقدار البدل هو الثمن وليس القيمة. وهنا هو يفرّق بين القيمة الحقيقية والقيمة الفعلية للسلعة. 

ولكنه يقول بعد ذكره القيمة الفعلية: «وتبقى قيمتها هذه على هذا الوجه ثابتةً مهما تغـيّر الزمان، والمكان، والظروف».

وكأنه هنا لا يفرق بين القيمة الحقيقية والقيمة الفعلية للسلعة، فما تفسير ذلك؟

هذا جانب من السؤال، أما الجانب الآخر فإن المثال المضروب هو: «خزانة معينة موصوفة» ... «قيمتها خمسون ديناراً»

فهل هذه الدنانير هنا هي الدنانير الشرعية لتكون القيمة ثابتة أم دنانير ورقية وفي هذه الحالة، فكيف تكون القيمة ثابتة؟ ثم أرجو توضيح هذا المثال بشكل أكبر، وبخاصة عندما يذكر قيمة الخزانة في العقد أو ثمنها؟

الجواب:

1- إن القيمة الحقيقية للسلعة هي مقدار ما فيها من منفعة...، وهي ثابتة لا تتغير، لأن منفعتها موجودة في السلعة ذاتها.

فإذا أردنا أن نقدر القيمة في معاملة من المعاملات، فهذا يسمى القيمة الفعلية، أي التي يُرجع إليها عند التقاضي، فإننا نقدرها بسلعة معروفة للطرفين عند التقدير، أو بنقد محترم عند الطرفين وقت التقدير له قيمة في ذاته كالذهب أو الفضة، فنقول هي تساوي كذا كغم من القمح مثلاً، أو تساوي كذا غم من الذهب، أو كذا درهم فضة، أي أن تقدير القيمة يكون بمادة لها منفعة في ذاتها، فلا تقدر القيمة بما ليس له منفعة في ذاته كالنقد الورقي مثلاً ...

ويتم هذا التقدير وفق مقارنة منفعة السلعة قيد البحث مع منفعة الأمور التي قدرناها بها وقت التقدير.

وسواء أكانت القيمةُ الحقيقية أم القيمةُ الفعلية هي قيد البحث، فإنها ثابتة لا تتغير عن وقت التقدير فيما بعد، لأنها قيمة... 

2- وهذا التقدير عندما نسجله في المعاملة بلفظ "القيمة" فهو يبقى ثابتاً، ويجب أن يَعرِف الطرفان مدلول هذا اللفظ اصطلاحاً، أي أنه تقدير للمنفعة، وأنه لا يتغير مع تغير الأزمان...، بل قيمة السلعة المذكورة هي ما سجلناه أمامها في المعاملة، وتُقضى وقت السداد ولو بعد سنة بالقيمة نفسها المسجلة لا زيادة ولا نقصان، لأن القيمة عند التقدير تبقى ثابتة، ما دامت سجِّلت "قيمة"، وما دام الطرفان يفهمان مدلول هذا الاصطلاح.

3- لكن لو سجِّلت السلعة في المعاملة بلفظ الثمن، فإنّ للثمن مدلولاً آخر، وهو أنه ليس بالضرورة أن يبقى ثابتاً، بل عند السداد بعد سنة مثلاً، فإنه يجوز أن يعطي صاحبُ الحق السلعةَ نفسَها، أو الثمَنَ المسجل، أو يُشترى له سلعة بالثمن نفسه، حتى ولو كانت السلعة التي اشتُريت  بهذا الثمن تنقص أو تزيد في جودتها عن السلعة الأصلية، وهكذا فإن التسجيل بالثمن لا يعني الثبات، وعليه فإنه يجوز عند التقدير بالثمن أن نذكر النقد ذهباً أو فضة أو نقداً ورقياً ونسجله.

4- وكل ذلك لأن قيمة السلعة المقدرة والمسجلة بهذا اللفظ تبقى ثابتة، فعند قضاء السلعة لصاحبها يجب أن يُعطى السلعة هي هي، أو قيمتها المسجلة نقداً عند التقدير إذا تلفت السلعة، ولكن لا يجوز أن يشترى له سلعة بالقيمة المذكورة عند التقدير، لأن هذا يجعل القيمة ثمناً ما دامت تتغير مع الوقت، لأن السلعة عند القضاء بعد سنة مثلاً سيختلف ثمنها عن قبل سنة أي وقت التقدير، ولهذا إن سُجلت قيمة وقت التقدير، فيجب أن تُقضى إما السلعة نفسها إن وجدت، وإن تلفت فقيمتها المسجلة وقت التقدير، ولا ثالث لهما.  

وأما ثمن السلعة المسجل فليس بالضرورة أن يبقى ثابتاً، فعند قضاء السلعة لصاحبها، يجوز إعطاؤه السلعة هي هي، وإذا تلفت يُعطى الثمن المسجل، أو يُشترى له سلعة بهذا الثمن.  

5- وهكذا يقال في الخزانة المسجلة مهراً للمرأة، فإن سجلت خزانة قيمتها "خمسون" وبطبيعة الحال خمسون ديناراً ذهباً، فإن هذا التقدير يبقى ثابتاً ما دام قد سُجل قيمةً، أي عند القضاء تُعطى المرأة الخزانة نفسها، وإن تلفت فتُعطى قيمتها المسجلة "50" دون تغيير عما سُجِّل في التقدير ابتداء.

وإذا سجلت خزانة ثمنها خمسون، وهنا يجوز أن يكون الثمن ديناراً ذهباً أو ديناراً نقداً ورقياً... لأنه ثمن، وهو يصدق على النقد الذي له قيمة في ذاته وعلى النقد الذي يتغير بالعرض والطلب "بالسوق الاقتصادي"، لأن الثمن يتغير بتغير السوق...

ولذلك فعند القضاء تُعطى الخزانة الموصوفة، وإذا تلفت فيجوز أن تعطى المرأة الثمن المسجل "50"، ويجوز أن يُشترى لها خزانة بخمسين، سواء أكان هذا الثمن يشتري خزانة مثل الموصوفة أم يشتري خزانة أحسن أم أسوأ...

ولكن كل هذا إذا كان الطرفان يدركان مدلول هذا الاصطلاح أي الفرق بين مدلول القيمة ومدلول الثمن، وإلا كان في المسألة حكومة أي قضاء.

آمل أن تكون هذه المسألة قد أصبحت واضحةً لديك.  

السؤال الخامس:

ورد في كتاب النظام الاقتصادي صفحة 79  روى أبو يوسف في كتاب الخراج عن سعيد بن المسيب قال عمر بن الخطاب ( ... وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين )

فعلق المشرف على الحلقة بأن قول عمر هذا دليل شرعي لأنه حصل عليه إجماع الصحابة وأنه يستفاد منه بأن من ملك أرضا سواء بالشراء أو بالإرث أو بالهبة أو بأي سبب مشروع آخر ولم يستغلها ثلاث سنين تؤخذ الأرض منه.

وهنا سأل أحد الشباب:                                                                          

1- هل يعامل قول عمر من حيث الدلالة كما يعامل الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث الدلالة ؟

2- هل يعتبر قول عمر دليل شرعي لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة؟ بمعنى حصل إجماع الصحابة على قول عمر ؟

 ولم يكن هناك جواب شافٍ حول الموضوع، فنرجو الجواب حول ذلك ولكم الشكر والتقدير.

الجواب:

- أما أن قول عمر هو دليل فغير صحيح، بل إن الدليل هو إجماع الصحابة على الحكم المستفاد من قول عمر رضي الله عنه.

- وأما معاملة قول عمر من حيث الدلالة كما يعامل الحديث من حيث الدلالة فهو صحيح.

أما الأول أي أن قول عمر ليس دليلاً بل الإجماع هو الدليل، فليس فيه لبس، فهو واضح، فإجماع الصحابة يكشف عن دليل لم يرووه، بل ذكروا الحكم دون الدليل، فالدليل كان مشهوراً عندهم، واضحاً لديهم وضوحاً جلياً، أي كأنه كان معروفاً لهم بديهياً، فاكتفوا بذكر الحكم.

وأما الثاني أي أن يعامل قول عمر معاملة الحديث من حيث الدلالة فهو صحيح، ولا بد، وذلك لأن عمر ذكر الحكم بنص، وعمر من أهل اللغة، وحتى يُفهم الحكم المستفاد من قوله لا بد من دراسته حسب دلالات الألفاظ في اللغة كما يدرس الحديث، وإلا فكيف يفهم الحكم المستفاد من قول عمر إن لم يدرس هذا القول دراسة لغوية كالحديث، وبخاصة وأن عمر من أهل اللغة؟ 

وحتى أوضح الأمر أكثر فانظر إلى قول عمر جيداً:

يقول "من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين" فهو يذكر الملكية للمحيي، ولم يذكر الملكية للمحتجر فإنه قال: "من أحيا أرضاً فهي له"، ولم يقل "من احتجر أرضاً فهي له"، فهل الميتة تملك بالإحياء فحسب، أي بعمارتها بالزرع ونحوه، ولا تملك بوضع الحجارة حولها؟ أي أن الملكية للمحيي وليست للمحتجر؟ ثم هل نزع الملكية عند إحياء الأرض ثلاث سنين هي من المحتجر وليس من المحيي بمعنى أن من احتجر الأرض ثم أهملها ثلاث سنين تؤخذ منه ولا ينطبق هذا على محيي الأرض لأن عمر يقول "وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين"؟ ولم يقل "وليس للمحي حق بعد ثلاث سنين"؟

أي هل الملكية للمحيي "من أحيا"، ونزعها من المحتجر "وليس لمحتجر حق"، هل الأمر كذلك؟ وإن كان الحكم يشمل المحيي والمحتجر في الملكية وفي نزعها، فكيف؟ وحتى يفهم ذلك لا يمكن إلا بدراسة دلالة قول عمر اللغوية كما ندرس أي حديث من حيث دلالات الألفاظ في اللغة.

وبدراسة ذلك نقول إن قول عمر هذا يقع في باب الإيجاز بالحذف، وهو معروف في فقه اللغة، فكأنَّ عمر قال: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس له حق بعد ثلاث سنين، ومن احتجر أرضاً ميتة فهي له وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين"، ثم أثبت شطر الحكم الأول "من أحيا..." وحذف العجز "وليس له حق بعد ثلاث سنين..."، ثم حذف شطر الحكم الثاني "ومن احتجر أرضاً..."، وأثبت العجز "وليس لمحتجر حق..."، وهكذا يفهم الحكم بأن الإحياء والاحتجار هما سواء في حق الملكية، وكذلك هما سواء في نزع الملكية بعد الإهمال، إن كان في حق المحيي أو في حق المحتجر.

هذه واحدة.

وأما الثانية فإنه إذا لم تدرس دلالة قول عمر دلالة لغوية فكيف سنفهم أن الإحياء هو علة ملكية الأرض دلالة؟ أما إذا دُرست دراسة لغوية فإنه يتبيَّن أن ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب تفيد العلة دلالة، سواء أدخلت الفاء على الحكم أم دخلت على الوصف، هذا إذا تحققت شروط دلالة الفاء على وجهها، أي الشروط الثلاثة التي تجعل الفاء تفيد العلة دلالة، وهي هنا في قول عمر "من أحيا..."متحققة، أنظر "تفسير الوصول إلى الأصول"، وهكذا يكون الإحياء علة المكية فمن قام بالإحياء، أي إحياء أنّى كان، فقد ملك الأرض... 

 وهكذا.

والخلاصة:

1- إن قول عمر ليس هو الدليل، بل إجماع الصحابة، على الحكم المستفاد من قول عمر، هو الدليل.

ولأن عمر عبّر عن الحكم المستفاد بنص عربي، وعمر من أهل اللغة، فلا يمكن معرفة الحكم المستفاد من قول عمر إلا بدارسة لغوية لدلالات الألفاظ في قول عمر كأي دراسة لغوية لألفاظ الحديث من حيث المنطوق والمفهوم، وأساليب اللغة.

السؤال السادس:

 في الشخصية الجزء الثالث:

  • ورد في ص (448) السطر (7): [... يتضمن معنى بمثابة العلة].
  • " " (453) السطر (6): [... فكأن ثبوته فيها معنى بمثابة العلة].
  • " " (459) " (9): [... فكأنه كان علة].
  • " " (460) " (9): [... فكأنه كان علة، فهو بمثابة العلة].

نحن نعرف أن أدلة العلة أربعة: (صريحة، دلالة، استنباط وقياساً)، فهل المعنى الذي هو بمثابة علة غير هذه الأربعة، أم أن العلة هي الصريحة فقط، وأن ما عداها هو بمثابة علة؟ أرجو توضيح عبارة (بمثابة علة)، وبارك الله فيكم وبكم.

الجواب:

العلة هي الباعث على التشريع، فهي محل قياس، فإذا وجدت العلة "صراحة، دلالة، استنباطية، قياسية" فإنه يقاس على حكم الأصل حكم فرعي آخر بجامع العلة.

فمثلاً:

{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}، فهنا تستنبط علة عدم البيع عند النداء وهي الإلهاء عن الصلاة. ويكون الحكم الوارد في النص "ترك البيع" محل قياس لحكم آخر بجامع العلة وهو مثلاً ترك إجراء عقد الإجارة عند النداء... وأحكام أخرى بجامع علة الإلهاء.

وهكذا...

وقد بُحثت أنواع العلة وفق الأدلة، فكانت الأنواع الأربعة "صراحة، دلالة، استنباطية، قياسية"، وغير هذه الأنواع ليس علة بمعنى الباعث على التشريع، وبمعنى وجود القياس بجامع هذه العلة.

وقد وُضّحت استعمالات اللغة في النصوص التي تفيد وجود العلة، وهي مُفصَّلة في الشخصية الثالث في بابها.

غير أن هناك استعمالات في اللغة يستنبط منها رابط بين الحكم الوارد في النص وبين أمر آخر يتعلق به، ولكنه لا يقاس عليه، وليس هو من أنواع العلة، فيقال عن هذا الاستعمال اللغوي إنه بمثابة علة، أو كأنه علة، أي فيه معنى الربط بين الحكم وشيء آخر في النص، ولكنه ليس علة لا صريحة ولا دلالة ولا استنباطاً ولا قياساً.

ولمزيد من التوضيح أقول:

«إذا زالت الشمس فصلوا»، فهنا الفاء سببيه ولكن لا رابط بين زوال الشمس والصلاة، فهنا سبب وحسب.

ولكن {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ} هنا الفاء سببية ولكن هناك رابط بين الحكم "ولا تسبوا" وبين "فيسبوا" فإن النهي عن سب آلهة الكفار هو خشية سبهم الله سبحانه، ولكن لا يقاس عليه، فلا يقال مثلاً لا تنكر ظلم الحاكم خشية أن يعتقلك... بل هو فقط الحالة المذكورة في النص، لكن الترابط بين الحكم وسببه يمكِّن المجتهد من أن يصوغ حكماً كلياً يشمل حالات تندرج تحته، فيقال سب آلهة الكفار مباح، وقد منع هذا المباح لأنه يقود إلى الحرام وهو سب الله سبحانه، ولذلك يصاغ الحكم الكلي "الوسيلة إلى الحرام حرام".

أي أن هذا الربط يُمكِّن من صياغة حكم كلي يندرج تحته جزئيات... فتمنع بموجبه كل وسيلة تؤدي إلى الحرام.     

ولاحظ الفرق هنا فأنني استنبطت من ترابط السبب حكماً شرعياً كلياً تندرج تحته جزئيات، ولكنني لم أقس حكماً فرعياً على الحكم الأصلي.

ومثلاً: سافِرْ إلى الخرطوم، فهنا غاية باستعمال "إلى"، ولكن لا ترابط بين السفر والغاية أي الخرطوم.

ولكن {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فهنا غاية باستعمال "إلى"، ولكن فيها ترابط بين الصيام ودخول الليل، أي لا يصح الصيام إذا لم يدخل شيء من الليل، ومنه أستطيع استنباط حكم كلي بان الصيام الواجب لا يصح حتى يمتد إلى غاية معينة، وأن الامتداد إلى هذه الغاية يصبح واجباً ما دام لا يصح الحكم الواجب الوارد في نص الآية إلا به، وهكذا نتوصل إلى حكم كلي "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فيكون إيجاد الخليفة واجباً لأن  إقامة الحدود الواجبة لا تتم إلا بالخليفة، ولاحظ الفرق، فنحن لم نقس بيعة الخليفة على الصيام، لأنه لا توجد علة تجمع الصيام مع بيعة الخليفة... وإنما وجد حكم كلي اندرج تحته وجوب بيعة الخليفة لصحة إقامة الحدود الواجبة.

ومثل هذا يقال في استنباط الاستصحاب، فقد عرفه علماء الأصول بأنه عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول، أي هو ثبوت أمر في الزمن الحاضر بناء على ثبوته فيما مضى. فكل أمر ثبت وجوده ثم طرأ الشك في عدمه فالأصل بقاؤه، والأمر الذي علم عدمه ثم طرأ الشك على وجوده فالأصل استمراره في حال العدم، أي أن هناك رابط بين ثبوت الحكم في أصله واستمراره بعد ذلك، فكأن ثبوته فيما مضى بمثابة العلة في ثبوته في الزمن الحاضر، وهذا يقود إلى صياغة حكم كلي "الاستصحاب" أي ثبوت أمر في الزمن الحاضر بناءً على ثبوته فيما مضى.

ومثلاً لقد روي «أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أقامَ بِتَبُوك بِضْعَ عَشْرَةَ ليلةً لَمْ يُجاوِزْها، ثـُمَّ انصرَفَ قافِلاً إلى المدينة، وكانَ في الطريق ماءٌ يَخْرُجُ من وَشَلٍ، ما يُروي الراكبَ والراكبين والثلاثة، بِوادٍ يُقالُ له وادي الْمُشَقَّقِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَبَقَنا إلى ذلكَ الوادي فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئاً حتى نَأْتِيَهُ، قالَ: فَسَبَقَهُ إليه نَفَرٌ من المنافقين، فَاسْتَقَوْا ما فيه، فلمّا أتاهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ عليه، فَلَمْ يَرَ فيه شيئاً، فقالَ: مَنْ سَبَقَنا إلى هذا الماء؟ فَقِيلَ له: يا رسولَ اللَّهِ، فُلانٌ وفُلان، فقالَ: أَوَلَمْ أَنْهَهُمْ أنْ يَسْتَقُوا منه شيئاً حتى آتِيَهُ، ثـُمَّ لَعَنَهُمْ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ودَعا عليهم» رواه ابن هشام في سيرته. ففي هذا الحديث حرَّم الرسول صلى الله عليه وسلم شرب ذلك الماء القليل؛ لأنه يؤدي إلى ظمأ الجيش، فإنه قال: «مَنْ سَبَقَنا إلى ذلكَ الوادي فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئاً حتى نَأْتِيَهُ»، ولعن الذين استقيا منه... مع أن الاستقاء من ذلك الماء في ذلك الوادي في حالات أخرى جائز، ولكن الاستقاء منه قبل حضور الرسول صلى الله عليه وسلم وتقسيمه بين الجيش يؤدي إلى حرمان الجيش، أي يؤدي إلى ضرر، فحرم الاستقاء من ذلك الوادي حتى يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان هناك ربطٌ بين الاستقاء قبل وصول الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ظمأ الجيش الذي يلحق به ضرراً، فكأنَّه كان علة أو بمثابة العلة لعدم الاستقاء من ذلك الوادي في حالة كونه يؤدي إلى ضرر، لكن ظل الاستقاء مباحاً في غير تلك الحالة، وهذا قاد إلى صياغة حكم كلي بأن «كل فرد من أفراد المباح، إذا كان مؤديا  إلى ضرر حرم ذلك الفرد وظل الأمر مباحاً».

وهكذا، فقد مكّن هذا الترابط في الاستعمال اللغوي بين الحكم في النص وشيء آخر فيه، مكَّن هذا الترابط من صياغة أحكام كلية لأن الحكم الكلي يستنبط من النص الشرعي كاستنباط أي حكم شرعي سواء بسواء، سواء أكان من دليل واحد أم من أدلة عدة، إلا أن الدليل الذي يستنبط منه الحكم الكلي يجب أن يتضمن ترابطاً في النص ما بين الحكم وشيء آخر يتعلق به، وهذا ما نقول عنه إنه بمثابة العلة، أو يتضمن علة. وهذا هو الذي يجعله منطبقاً على جميع جزئياته،

والحكم الكلي ليس كالقياس دليلاً شرعياً، ولا أصلاً من أصول الشرع، وإنما هو حكم شرعي استنبط كسائر الأحكام الشرعية، فلا يكون دليلاً؛ كل ما هنالك أنه يستنبط من أدلة يوجد فيها ربط بين الحكم وبين شيء آخر في النص، كأنه علة.

والخلاصة: أن الاستعمال اللغوي في النص إذا كان يفيد ترابطاً بين الحكم وبين شيء آخر، بغير الاستعمالات اللغوية المفيدة للعلة، أي بغير الحالات الأربع للعلة، فإنه يقال عن هذا الترابط كأنه علة، أو بمثابة العلة.

أي إذا كان الاستعمال اللغوي يفيد الترابط،

وهذا الترابط بغير الاستعمالات اللغوية للعلة،

وأنه ليس محل قياس حكم جديد على حكم الأصل،

وإنما يصاغ منه حكم كلي تندرج تحته جزئيات...

فإن هذه الحالات تسمى "كأنها علة"، "بمثابة العلة".

السؤال السابع:

جاء في كتاب الدولة الإسلامية ص15 ما نصه: (ولذلك لم يكن إعلان الرسول صلى الله عليه وسلم للإسلام شيئاً جديداً على كفار مكة، وإنما كان الشيء الجديد ظهور هذه الكتلة المؤمنة. فقد أسلم حمزة بن عبدالمطلب ثم أسلم عمر بن الخطاب بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام فاشتد ساعد المسلمين ونزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} فصدع بأمر الله، وأظهر التكتل علناً للناس جميعاً، وإن كان قد بقي بعض المسلمين مستخفين، ومنهم من بقي مستخفياً حتى فتح مكة، وكان أسلوب إظهار الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر هذا التكتل أنه خرج في أصحابه في صفين اثنين كان على رأس أحدهما حمزة بن عبدالمطلب، وعلى رأس الصف الثاني عمر بن الخطاب، وذهب بهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة في نظام دقيق لم تعهده العرب من قبل فطاف بهم الكعبة، وانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في أصحابه من دور الاستخفاء إلى دور الإعلان)انتهى.

والسؤال أني قرأتُ ان إسلام عمر كان بعد الهجرة إلى الحبشة أي بعد السنة السادسة للبعثة وليس في السنة الثالثة وهو ما صحت فيه الروايات: 

روى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه ليلى قالت: (كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة أتى عمر بن الخطاب وأنا على بعيري وأنا أريد أن أتوجه، فقال: أين أم عبد الله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال: صحبكم الله، ثم ذهب، فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يسلم؟ والله ولا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب) [رواه الطبراني، وقال الهيثمي: وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فهو صحيح].

واستدل ابن كثير في البداية والنهاية على تأخر إسلام عمر بما رواه عبد الله بن عمر أنه رأى ما فعلت قريش بعمر عندما أسلم، فيقول ابن كثير: (وهذا إسناد جيد قوي وهو يدل على تأخر إسلام عمر لأن ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزاً يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم).

أما حديث خروج المسلمين في صفين والذي استدل به الكتاب فهو لم يثبت، وقد رواه أبو نعيم في الحية ولم يروه غيره، إلا أن ابن عساكر رواه في تاريخه بسند نازل أي بنفس السند الذي ورد في الحلية، وفيه أبان بن صالح ليس بالقوي، وعنه اسحق بن عبد الله الدمشقي وهو متروك كما ذكره صاحب الكنز.

وإذا صح ما تقدم، فهل يستدعي ذلك تصحيح ما في الكتاب؟

الجواب:

 لقد وردت في إسلام عمر روايات:

أ- أسلم عمر قبل هجرة الحبشة نحو أوائل السنة الثالثة "أو أواخر السنة الثانية"

ومن هذه الروايات:

- تاريخ الإسلام للذهبي حيث ورد فيه:

"فقال "أي عمر" ... فانطلق حمزة فأسلم، وخرجت بعده بثلاثة أيام، فإذا فلان المخزومي فقلت: أرغبت عن دين آبائك واتّبعت دين محمد - قال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقّاً منّي، قلت: ومن هو - قال: أختك وختنك، فانطلقت فوجدت همهمةً... وقلت: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالت: فإنّه في دار الأرقم، فأتيت فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم - قالوا: عمر، قال: وعمر! افتحوا له الباب، فإن أقبل قبلنا منه، وإن أدبر قتلناه، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج فتشهّد عمر، فكبّر أهل الدّار تكبيرةً سمعها أهل المسجد..."

- مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمؤلفه محمد بن عبد الوهاب، حيث ورد فيه:

"وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال لعمر رضي الله عنه : « لم سميت الفاروق ؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام. ثم شرح الله صدري للإسلام. وأول شيء سمعته من القرآن وَوَقَر في صدري: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } فما في الأرض نسمة أحب إليَّ من نسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسألت عنه فقيل لي: هو في دار الأرقم . فأتيت الدار - وحمزة في أصحابه جلوسًا في الدار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت - فضربت الباب، فاستجمع القوم. فقال لهم حمزة : ما لكم ؟ فقالوا: عمر ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذ بمجامع ثيابي. ثم نترني نترة لم أتمالك أن وقعت على ركبتي. فقال: ما أنت بمنته يا عمر ؟ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد...".

ومعروف أن إسلام حمزة رضي الله عنه كان في أواخر السنة الثانية أو أوائل السنة الثالثة، وقد ورد نحو ذلك في أسد الغابة، وما سبق يدل على أن عمر أسلم بعد حمزة بثلاثة أيام، أي أنه أسلم قبل هجرة الحبشة، وأن ذلك كان في أواخر السنة الثانية أو أوائل السنة الثالثة من البعثة.  

ب- أسلم عمر بعد هجرة الحبشة نحو السنة السادسة،

ومن هذه الروايات بالإضافة لما ذُكر في السؤال:

- الكامل في التاريخ: "وأسلم بعد هجرة المسلمين للحبشة، ثم ذكر قصة أم عبد الله زوج عامر ابن ربيعة: " إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء أذىً وشدة، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله ؟ قالت: قلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزناً. قالت: فلما عاد عامر أخبرته وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا ! قال: أطمعت في إسلامه ؟ قلت: نعم. قال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، لما كان يرى من غلظته وشدته على المسلمين، فهداه الله تعالى فأسلم فصار على الكفار أشد منه على المسلمين...".

وورد في تاريخ إسلام عمر نحو ذلك في أسد الغابة، الوافي بالوفيات، سمط النجوم...  

ج- أسلم بعد نحو أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة أو بعد تسعة وثلاثين رجلاً وعشرين امرأة...

ومن هذه الروايات:

- الكامل في التاريخ: "ثم أسلم عمر بعد تسعة وثلاثين رجلاً وثلاث وعشرين امرأة، وقيل أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة".

- أسد الغابة: "قال هلال بن يساف: أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة، وقيل أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلاً و عشرين امرأة، فكمل الرجال به أربعين رجلاً، وهكذا ورد عن ابن عباس...".

- الوافي بالوفيات: "ثم أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة".

- تاريخ الإسلام للذهبي: "عن الزهري أن عمر أسلم بعد أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيف وأربعين من رجال ونساء".

د- ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة       

ومن هذه الروايات:

- الوافي بالوفيات: "ولد عمر رضي الله عنه بعد الفيل بثلاث عشرة سنة"

- أسد الغابة: "ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة".

هـ- عندما أسلم عمر كان عُمره ستاً وعشرين سنة

ومن هذه الروايات:

- تاريخ دمشق، حيث ورد فيه: "... وأسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوة وهو ابن ست وعشرين سنة ". 

* عند دراسة هذه الروايات نجد في كل منها بعض القول:

أ- فإذا أخذنا برواية أن عمر أسلم في السنة السادسة بعد هجرة الحبشة كما ذكر السؤال، وكما ذكر في بعض الروايات، فإن هذا يتناقض مع كونه أسلم بعد نحو أربعين رجلاً، وذلك لأن الذين هاجروا  للحبشة، كما في سيرة ابن هشام وغيرها، هم نحو "83" رجلاً ما عدا الأطفال والنساء، وكان من بينهم ليلى زوجة عامر بن ربيعة  صاحبة القصة مع عمر، وهؤلاء يكونون أسلموا قبل إسلام عمر، بالإضافة لمن بقي في مكة لم يهاجر، أي قد يكون المسلمون عند هجرة الحبشة فوق هذا العدد بكثير.

فضلاً عن أنه في قصة إسلام عمر التي رواها "الكامل في التاريخ" فيها كما ترى أن عمر عندما ذهب إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم حيث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين الذين لم يهاجروا كان عدد المسلمين في الدار نحو أربعين! هذا ما عدا الـ "83" الذين هاجروا أي أن المسلمين كانوا عندما أسلم عمر، حسب هذه الرواية فوق "120" رجلاً، وهذا يناقض أنه أسلم بعد نحو أربعين.  فقد ورد في الكامل:

"... قالت أم عبد الله بنت أبي حثمة، وكانت زوج عامر بن ربيعة، إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء أذىً وشدة، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله ؟ قالت: قلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزناً. قالت: فلما عاد عامر أخبرته وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا ! قال: أطمعت في إسلامه ؟ قلت: نعم. قال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، لما كان يرى من غلظته وشدته على المسلمين، فهداه الله تعالى فأسلم فصار على الكفار أشد منه على المسلمين.

وكان سبب إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بن زيد بن عمرو العدوي، وكانا مسلمين يخفيان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام قد أسلم أيضاً وهو يخفي إسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً ومعه سيفه يريد النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، وهم مجتمعون في دار الأرقم عند الصفا، وعنده من لم يهاجر من المسلمين في نحو أربعين رجلاً، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر ؟ فقال: أريد محمداً الذي فرق أمر قريش وعاب دينها فأقتله. فقال نعيم: والله لقد غرتك نفسك، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم ؟ قال: وأي أهلي ؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما..."

ب- أما الأخذ برواية أن عمر قد أسلم قبل هجرة الحبشة فهي لا تتناقض مع كونه أسلم بعد نحو أربعين رجلاً لأن المسلمين في السنوات الأولى الثلاث كانوا نحو هذا العدد.

ج- وكذلك فإن عمر ولد بعد الفيل بنحو ثلاث عشرة سنة حسب الروايات أو نحوها، فإذا أسلم وهو ست وعشرون سنة أو نحوها، فلا يمكن بحال أن يكون عمره ستا وعشرين سنة في السنة السادسة للبعثة! لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل وبعث وهو في الأربعين، والسنة السادسة للبعثة تعني بعد الفيل بست وأربعين سنة، أي أن عمر قد يكون بلغ "46 - 13" = 33 سنة، ولو فرضنا أن ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم وولادة عمر رضي الله عنه يختلفان ما بين آخر السنة وأولها، فينقص العمر نحو سنتين، أي يكون عمره 31 سنة، في حين أن الروايات أنه رضي الله عنه أسلم وعمره ست وعشرون سنة.

د- وأما الرواية التي أخذنا بها في كتابنا فهي أقرب إلى تطابق الروايات من أن عمر كان في السادسة والعشرين عندما أسلم، وبعد نحو أربعين رجلاً أسلموا قبله، أي في الثالثة من البعثة أو نحوها "آخر الثانية أو أوائل الثالثة".

هذا من حيث متى كان إسلام عمر رضي الله عنه، ومن حيث أن إسلامه قبل هجرة الحبشة لا يتناقض مع الأمور الأخرى.

* أما الخروج في صفين فلم يُذكر فقط في الحلية أو تاريخ ابن عساكر، كما ورد في السؤال، بل إن من المصادر التي ذكرت إسلام عمر بعد الهجرة قد ذكرت الصفين:

جاء في كتاب "سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي" بعد أن نقل عن ابن اسحق أن إسلام عمر كان بعد هجرة الحبشة، قال:

" ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم، فقال: ما يحبسك بأبي أنت وأمي؟! فوالله ما بقي مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإسلام غير هائب ولا خائف، فخرج - عليه الصلاة والسلام - في صفين من أصحابه، عمر بن الخطاب في يمينهما، وحمزة بن عبد المطلب في يسارهما، حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا. ثم انصرف إلى دار الأرقم هو ومن معه أخرجه أبو القاسم الدمشقي في الأربعين الطوال."

وكذلك فإن من المصادر التي ذكرت إسلام عمر رضي الله عنه قبل الهجرة قد ذكرت الصفين: جاء في تاريخ الإسلام للذهبي بعد أن ذكر إسلام عمر رضي الله عنه بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، وحمزة كان قد أسلم في أواخر الثانية أو أوائل الثالثة، كما ذكرنا سابقاً، أي أن إسلام عمر رضي الله عنه كان قبل الهجرة في آخر الثانية أو أوائل الثالثة، بعد ذلك قال الذهبي: 

" فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم - قالوا: عمر، قال: وعمر! افتحوا له الباب، فإن أقبل قبلنا منه، وإن أدبر قتلناه، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج فتشهّد عمر، فكبّر أهل الدّار تكبيرةً سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسول الله السنا على الحقّ - قال: بلى، فقلت: فيم الاختفاء، فخرجنا صفّين أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر، حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إليّ وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة، فسمّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق يومئذ وفرق بين الحقّ والباطل." وذُكر نحوه في مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهكذا فإن الخروج في صفين قد ذُكر في قصة إسلام عمررضي الله عنه بعد الهجرة وقبلها.

* أما الطريقة فهي لا تتأثر بأي سنة أسلم فيها عمر، لأن المرحلة السرّية، فضلاً  عن الروايات الواردة فيها  التي تفيد بأن الرسول  صلى الله عليه وسلمكان يختفي في دار الأرقم، أقول فضلاً عن هذه الروايات، فإن هناك دليلاً قاطعاً بأن  بداية الكتلة كانت سرّية، وهذا الدليل هو قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر}، ومفهومه يفيد أنّ الكتلة قبل نزول الآية كانت سرية، ومنطوقه يفيد أنها بعد نزول الآية أصبحت علنية.

ولذلك فالطريقة لا تتأثر بالسنة التي أسلم فيها عمر، فمراحل التكتل ثابتة بأدلة شرعية، ولا يؤثر فيها مدة المرحلة الأولى أهي كذا أم كذا.

* ولذلك فلا داعي لتغيير ما في الكتاب، ويكفي هذا الجواب في هذه المسألة.

 السؤال الثامن:

1- ورد في كتاب الدولة صفحة (46) وفي الأموال صفحة (35) روايتان مختلفتان عن سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه:

ففي الأولى من كتاب الدولة ذُكر: "... سرية عبد الله بن جحش التي كانت مقدمة لغزوة بدر. وحديث هذه السرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث في رجب من السنة الثانية للهجرة، عبد الله بن جحش ومعه جماعة من المهاجرين..."

 وفي الثانية من كتاب الأموال ذُكر: "... غنيمة سرية عبد الله بن جحش. وكانت بعض إبل لقريش محملة أدما وتجارة، أصابتها في جمادى الآخرة من السنة الثانية من الهجرة...."

أي رواية تقول في رجب، وأخرى تقول في جمادي الآخرة، فما تفسير هذا الاختلاف؟

2- وكذلك فقد ورد في كتاب الدولة صفحة (107) "ولما رجع المسلمون من مؤتة وقد قُتل منهم خلق كثير..."، فكيف ذلك؟ وقد قرأت في بعض الروايات أن الشهداء كانوا اثني عشر رجلاً، أرجو التوضيح؟ وجزاكم الله خيرا.    

الجواب:

1- بالنسبة لسرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه، فقد ورد فيها روايتان:

الأولى: أن القصة حدثت في الشك بين آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فظن المسلمون أنها في آخر يوم من جمادى الآخرة، أي ليست في الشهر الحرام، وقال كفار قريش إنها في أول يوم من رجب أي في الشهر الحرام.

ومن الروايات في ذلك:

(قَالَ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَال فِيهِ كَبِير " الْآيَة . وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّة وَكَانُوا سَبْعَة نَفَر عَلَيْهِمْ عَبْد اللَّه بْن جَحْش الْأَسَدِيّ....الى ان قال: وَسَارَ اِبْن جَحْش إِلَى بَطْن نَخْلَة فَإِذَا هُوَ بِالْحَكَمِ بْن كَيْسَان وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة وَانْفَلَتَ وَقُتِلَ عَمْرو قَتَلَهُ وَاقِد بْن عَبْد اللَّه فَكَانَتْ أَوَّل غَنِيمَة غَنِمَهَا أَصْحَاب رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة بِأَسِيرَيْنِ وَمَا أَصَابُوا مِنْ الْمَال أَرَادَ أَهْل مَكَّة أَنْ يُفَادُوا الْأَسِيرَيْنِ عَلَيْهِ وَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُم أَنَّهُ يَتْبَع طَاعَة اللَّه وَهُوَ أَوَّل مَنْ اِسْتَحَلَّ الشَّهْر الْحَرَام وَقَتَلَ صَاحِبنَا فِي رَجَب فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا قَتَلْنَاهُ فِي جُمَادَى الآخرة... وَأَغْمَدَ الْمُسْلِمُونَ سُيُوفهمْ حِين دَخَلَ شَهْر رَجَب، وَأَنْزَلَ اللَّه يُعَيِّر أَهْل مَكَّة " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ"...)

الثانية: أن القصة حدثت في الشك بين آخر يوم من رجب وأول يوم من شعبان...

ومن الروايات في ذلك:

( قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن السَّائِب الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَ فِيمَا كَانَ مِنْ مُصَاب عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ " إِلَى آخِر الْآيَة . وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن هِشَام رَاوِي السِّيرَة عَنْ زِيَاد بْن عَبْد اللَّه الْبِكَائِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار الْمَدَنِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَاب السِّيرَة لَهُ إِنَّهُ قَالَ : وَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن جَحْش بْن رَبَاب الْأَسَدِيّ فِي رَجَب مَقْفَله مِنْ بَدْر الْأُولَى وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَة رَهْط مِنْ الْمُهَاجِرِينَ... إلى أن قال: وَمَضَى عَبْد اللَّه بْن جَحْش وَبَقِيَّة أَصْحَابه حَتَّى نَزَلَ نَخْلَة فَمَرَّتْ بِهِ عِير لِقُرَيْشٍ تَحْمِل زَيْتًا وَأُدْمًا وَتِجَارَة مِنْ تِجَارَة قُرَيْش فِيهَا عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ وَاسْم الْحَضْرَمِيّ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاد أَحَد الصَّدَف وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة وَأَخُوهُ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيَّانِ وَالْحَكَم بْن كَيْسَان مَوْلَى هِشَام بْن الْمُغِيرَة فَلَمَّا رَآهُمْ الْقَوْم هَابُوهُمْ وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَة بْن مُحْصِن وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسه فَلَمَّا رَأَوْهُ آمَنُوا وَقَالُوا : عَمَّار لَا بَأْس عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَتَشَاوَرَ الْقَوْم فِيهِمْ وَذَلِكَ فِي آخِر يَوْم مِنْ رَجَب فَقَالَ الْقَوْم وَاَللَّه لَئِنْ تَرَكْتُمْ الْقَوْم هَذِهِ اللَّيْلَة لَيَدْخُلَنَّ الْحُرُم فَلْيَمْتَنِعَنَّ مِنْكُمْ وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلَنَّهُمْ فِي الشَّهْر الْحَرَام فَتَرَدَّدَ الْقَوْم وَهَابُوا الْإِقْدَام عَلَيْهِمْ ثُمَّ شَجَّعُوا أَنْفُسهمْ عَلَيْهِمْ وَأَجْمَعُوا قَتْل مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَأَخْذ مَا مَعَهُمْ فَرَمَى وَاقِد بْن عَبْد اللَّه التَّمِيمِيّ عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ وَاسْتَأْسَرَ عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه وَالْحَكَم بْن كَيْسَان وَأَفْلَتَ الْقَوْم نَوْفَل بْن عَبْد اللَّه فَأَعْجَزَهُمْ وَأَقْبَلَ عَبْد اللَّه بْن جَحْش وَأَصْحَابه بِالْعِيرِ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَة... إلى أن قال: وَقَالَتْ قُرَيْش قَدْ اِسْتَحَلَّ مُحَمَّد وَأَصْحَابه الشَّهْر الْحَرَام وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّم وَأَخَذُوا فِيهِ الْأَمْوَال وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَال فَقَالَ مَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّة إِنَّمَا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا فِي شَعْبَان... فَلَمَّا أَكْثَر النَّاس فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَال فِيهِ كَبِير...)

وكما ترى فإن إحدى الروايتين في آخر يوم من جمادى الآخرة، والأخرى في آخر يوم من رجب.

ونحن قد أخذنا بإحداهما في الأموال، وبالأخرى في الدولة.

2-  ما ورد في كتاب الدولة ص107:

(ولما رجع المسلمون من مؤتة وقد قتل منهم خلق كثير....)، فقد اطلعت على بعض المصادر فوجدت أكثرها لا تذكر عدد الشهداء، ووجدت بعضها يذكر أنهم اثنا عشر رجلا، فإن صح هذا فهو يعني أن ما ورد في الدولة غير دقيق، إلا أنني وجدت في البداية والنهاية لابن كثير عند الحديث عن غزوة أحد في الجزء السادس، عند ذكر عدد الشهداء، ما يلي:

 " قال موسى بن عقبة جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والانصار تسعة وأربعون رجلا وقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا فالله أعلم.


وقال قتادة عن أنس قتل من الانصار يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون.


وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه كان يقول قارب السبعين يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة ويوم اليمامة"

 وعليه فإن هناك روايات بأن عدد الشهداء في مؤتة هم اثنا عشر، وهناك روايات أخرى بأن عدد الشهداء نحو السبعين. وهذا يعني أن ما هو مذكور في الدولة له وجه، وبخاصة وأنه (عقلاً) يتوقع المرء أن الشهداء أعداد كثيرة، وذلك لأن عدد الجيش الإسلامي نحو ثلاثة آلاف، وجيش الأعداء نحو مئتي ألف... بالإضافة إلى أن قادة الجيش الثلاثة قد استشهدوا، وبخاصة وهم الذين كانوا يحملون الراية، ويندفع الجيش بكثافة عادة في الحروب القديمة للقتال حول الراية.. فهو يدل وفق واقع الحروب القديمة أن أعداداً كثيرة من الجيش قد استشهدوا...

وإن تأكد لي غير ذلك مما يستوجب تصحيحاً فسأفعل إن شاء الله.       


 

السؤال التاسع:

لقد لاحظت في بعض خطاباتنا وخطابات الآخرين القول عن المسجد الأقصى بأنه ثالث الحرمين الشريفين، فهل يجوز ذلك مع أنه يختلف عن الحرمين في الأحكام الشرعية؟ 

الجواب:

إن ضم عدد ترتيبي لآخر جائز إن كان العدد المضموم من الجنس نفسه للعدد الأصلي، سواء أكان ذلك على الحقيقة أم على المجاز بقرينة واضحة، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر المجاز في اللغة.

والصواب أن هذا القول جائز لأن المسجد الأقصى ذو علاقة مهمة بالحرمين الشريفين، فأنت تقول عن فلان الشجاع الجريء إنه أسد، وهو ليس أسداً على الحقيقة، ونحن لا نريد هنا أن نخوض في بحث المجاز فهو موجود في اللغة وفي القرآن بشكل واضح.

وقد ورد في القرآن الكريم {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ... } وكما ترى فالله سبحانه يقول (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وأبو بكر ليس رسولاً، وإنما ضُمَّ أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلاقة التقوى والصدق والأعمال الصالحة... ونحوها.

وأزيدك توضيحاً فإن صلاح الدين رحمه الله عندما حرر القدس من دنس الصليبيين، كلف القاضي محي الدين بن زكي الدين بأول خطبة جمعة بعد تحرير القدس... وقد قال فيها عن المسجد الأقصى ما يلي: " ... وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه..." انظر خطبته رحمه الله في وفيات الأعيان الجزء الرابع صفحة 232 إلى 236 ...

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م