أجوبة أسئلة سياسية (انعقاد القمة العربية - فوز حزب المؤتمر في الانتخابات الهندية - قانون محاسبة سوريا - خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة - استعانة أمريكا بأفراد الجيش العراقي السابق - أزمة أجاريا وتثبيت حكم ساكاشفيلي في جورجيا)
May 15, 2004

أجوبة أسئلة سياسية (انعقاد القمة العربية - فوز حزب المؤتمر في الانتخابات الهندية - قانون محاسبة سوريا - خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة - استعانة أمريكا بأفراد الجيش العراقي السابق - أزمة أجاريا وتثبيت حكم ساكاشفيلي في جورجيا)

أجوبة أسئلة سياسية
-انعقاد القمة العربية

- فوز حزب المؤتمر في الانتخابات الهندية

- قانون محاسبة سوريا

- خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة

- استعانة أمريكا بأفراد الجيش العراقي السابق

- أزمة أجاريا وتثبيت حكم ساكاشفيلي في جورجيا


س1: لقد كان من المقرر أن يُعقد مؤتمر القمة العربي في شهر آذار 2004م لكن هذا الانعقاد قد انفرط قبل انعقاده وأشيع حينها أن ذلك كان لاختلاف الأنظمة العربية حول إصلاح الجامعة والإصلاح السياسي علماً بأن الوضع السياسي للأنظمة العربية متشابه، فالحكام كلهم سواء من حيث البطش ومنع كلمة الحق. ولقد عاد الحديث حول التئام مؤتمر القمة في أواخر هذا الشهر 5/2004م علماً بأنه لَم يظهر على السطح أي جديد في العلاقات السياسية العربية. فما الذي منع الحكام من عقد القمة في آذار وأقنعهم بعقده في أيار؟ وهل سيعقد فعلاً أو يصيبه ما أصاب سابقه؟


جـ1: إن مؤتمرات القمة لا يتحكم في عقدها الحكام العرب ذاتياً، بل هي تنعقد وتنفرط وفق رغبة الدول الاستعمارية المؤثرة في المنطقة أمريكا وأوروبا (أو بريطانيا)، بل إن نقاط البيان الحاسمة تكون وفق هذه الرغبة، والنقاط العامة يتصرف بها الحكام العرب!


ولمعرفة الدوافع للانعقاد والانفراط ثم محاولة الالتئام، يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء:


إنَّ انعقاد مؤتمر القمة في شهر آذار هذا العام كان مقرراً قبل سنة، أي منذ انعقاد مؤتمر القمة السابق، لكنْ قبل موعد انعقاده في آذار هذا العام جدت أمور فرضت على الحكام العرب أخذها في الحسبان:


1 - في 13/2/2004م أعلنت أمريكا ورقةً تحت اسم (مشروع الشرق الأوسط الكبير) وسمته الكبير ليشمل ليس فقط ما عرف بالشرق الأوسط بل كذلك كل المنطقة من المغرب إلى باكستان. فهو يشمل المنطقة العربية ودولة يهود وتركيا وإيران وأفغانستان وباكستان. وقد أعلنت أمريكا أنها ستقدم مشروعها إلى قمة الدول الصناعية الثماني المقرر عقده في ولاية جورجيا في حزيران المقبل لاعتماده بعد أن يكون وزراء خارجيتهم قد ناقشوه في اجتماعهم المقرر في 14/5/2004م. وهي لَم تستشر الدول العربية في مشروعها بل طلبت منهم أن يبحثوه في مؤتمر قمتهم ويبدوا الرأي فيه بل يعتمدوه للتنفيذ. والورقة تطلب من الدول العربية (الإصلاح) السياسي و(إصلاح) الجامعة العربية لتتلاءم مع المشروع الكبير الذي يتسع ليشمل الجميع في منظومة واحدة. وكانت نصوص المشروع واضحةً في أنها مصممة لخدمة المصالح الأمريكية بغض النظر عن غلافها الذي يوحي بأنه لإنعاش المنطقة. فقد جاء في النصوص (الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة الأمنية ...) والدفع باتجاه (إعادة تشكيل) منطقة الشرق الأوسط، وتهدف إلى تغيير الأنظمة (بمنظور أمريكي) وقد علق بعض المحللين على ذلك بالقول إنه (مشروع قائم على فرض نموذج وقيم أمريكية بشكل أبوي ...) ولَم تجعل الورقة حل النـزاع العربي الإسرائيلي شرطاً للسير في المشروع، بل سواء حل أم لَم يحل فالمشروع الذي وضعته يراد السير فيه، وكذلك لَم تربطه بموضوع احتلال العراق.


2 - أدركت أوروبا أن أمريكا لا تريد أن تُبقي لها مكاناً في الشرق الأوسط، فتداعى الثلاث الكبار في أوروبا إلى اجتماع في برلين في 18/2/2004م ضم قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأعلنوا دعمهم لأفكار سابقة كان قد عرضها وزير خارجية ألمانيا يوشكا فيشر في مؤتمر ميونيخ لتكون أساساً لمبادرة أوروبية وذكروا فيها ضرورة استشارة أهل المنطقة، وقالوا لا يصح فرض الحلول من الخارج إشارةً لمشروع أمريكا، وجعلوا بحث حل النـزاع العربي الإسرائيلي أمراً مهماً لنجاح هذه المبادرة، وكذلك حل مشكلة العراق بتسليم السلطة الفعلية للعراق. وحتى تأخذ هذه المبادرة الصفة الأوروبية الكاملة، وتكون باستشارة أهل المنطقة بشيء من المصداقية، ولكي تأخذ صورتها النهائية فقد كان لا بد من بحثها في مؤتمر وزراء خارجية بلدان الشراكة الأوروبية المتوسطية المقررة يومي 5، 6/5/2004م وذلك بعدما تكون قد انضمت الدول الأوروبية العشر في 1/5/2004م. وقد رأى هؤلاء الثلاثة في مبادرة الاتحاد الأوروبي عند اكتمالها، ودراستها من الاتحاد الأوروبي بكامل أعضائه، أن تعرض كذلك على قمة الدول الصناعية وعلى حلف الأطلسي في شهر حزيران من هذا العام لتبحث مع الورقة الأمريكية في القمم المذكورة.


3 - وهكذا كان (مشروع الشرق الأوسط الكبير) الذي وضعته أمريكا جاهزاً عند الانعقاد المقترح للقمة العربية في آذار 2004م في حين أن مشروع الشرق الأوسط الأوروبي حتى يتبلور بشكله النهائي على الدول الأوروبية الخمس والعشرين يحتاج الانتظار إلى ما بعد انضمام الدول العشر واجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بكامل أعضائه مع وزراء حوض البحر المتوسط الجنوب الشرقي تحت اسم الشراكة الأوروبية المتوسطية في دبلن يومي 5، 6/5/2004م.


4 - ولأن على مؤتمر القمة أن يبحث الإصلاح السياسي أي تشكيل الأنظمة، وإصلاح الجامعة ليتلاءم مع الشرق الأوسط الأمريكي والأوروبي فقد كان هناك انقسام: هل يعقد مؤتمر القمة ويبحث أفكار المشروع الأمريكي الجاهز أو يؤجل إلى أن تتبلور أفكار الاتحاد الأوروبي الجديد في مشروع أوروبي يعرضه الاتحاد على الدول المعنية في اجتماع دبلن؟ وقد كانت مصر والسعودية وسوريا تريد عقده، وكانت تونس ودول المغرب وساندتها معظم دول الخليج ترى تأجيله إلى أن يكون المشروعان جاهزين ليدرسا معاً أي أن استقطاب الدول قد أصبح واضحاً بين تلك التي وجهتها نحو أمريكا وتلك التي وجهتها نحو أوروبا. وقد بدا لتونس أن مجموعة مصر أقوى حجةً بعقد المؤتمر لأنه كان مقرراً من قبل فكيف يؤجل؟ ورأت أن استمرار النقاش بين أخذ ورد في الموضوع سيؤدي إلى ترجيح عقده لذلك حسمت الموضوع وقررت تونس في اليوم الأخير بل في اللحظة الأخيرة لاجتماع وزراء الخارجية تأجيل عقده وجَعْلَ انفراطه أمراً واقعاً. وأما ما أشيع من أن تونس احتجت على عدم موافقة بعض الدول على الإصلاح السياسي وهي كانت موافقةً فهو غير صحيح حيث إن تونس أشد من بعض الدول الأخرى بطشاً واعتقالاً للمعارضة السياسية فيها، بل حتى إنها تمنع النساء المسلمات من تغطية رؤوسهن وتجبرهن على نزع الخمار في الدوائر الرسمية وفي المدارس، ليس هذا فحسب، بل إن زبانيتها في بعض الأوقات لاحقوا النساء (المحجبات) في الشوارع والأسواق.


5 - لقد كانت أمريكا تريد عقده في آذار واستعملت وسائل ضغط لتحقيق ذلك لتكون ورقتها وحدها المعروضة على القمة لكنها لَم تستطع. وحاولت مصر أن تدعو لعقده في القاهرة ولو بشكل مصغر ولكنها لَم تستطع بسبب إصرار تونس والدول المؤيدة لها ذات الوجهة الأوروبية انتظاراً لبحث المشروع الأوروبي في مؤتمر قمة دبلن ليدرس المشروعان معاً في القمة.


6 - قبيل انعقاد قمة دبلن صرح مسؤولون في الإدارة الأمريكية في 4/5/2004م أنهم يعكفون على صيغة معدلة لمشروع الشرق الأوسط الكبير وأنهم (يضعون اللمسات الأخيرة على المشروع لضمان حصوله على دعم حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي وتأييد القمة العربية التي ستعقد في تونس أواخر الشهر الحالي) وذلك ليبقى على الساحة مشروع واحد تهيمن عليه أمريكا. ويبدو أن أمريكا لَم تنجح في ذلك. (أعلن قبل قليل على أثر اجتماع وزراء خارجية الدول الصناعية الثماني في 14/5 أن شقة الخلاف صغرت لكنها لَم تحسم وبخاصة في موضوع ربط المشروع بالنـزاع العربي الإسرائيلي وربطه كذلك بموضوع العراق).


7 - كل ذلك جعل عقد القمة أواخر هذا الشهر (أعلن في 22، 23/5/2004م) ممكناً، فالخطوط العريضة للقوى الكبرى وشبه الكبرى قد أنجزت، وأصبح المطلوب من الحكام العرب واضحاً أمامهم. وليس بعيداً أن ترسل لهم الخطوط التفصيلية للإصلاح السياسي وفق التشكيل الجديد للمنطقة وبخاصة إذا نجحت أمريكا في أخذ موافقة الاتحاد الأوروبي على المشروع الذي أعلنت أنها تعدله، وبذلك تقدم للمجتمعين خطوطاً واحدةً لا يختلف الحكام عليها لأن من وراءهم قد اتفقوا عليها. ولذلك فإن احتمال انعقاد مؤتمر القمة أمر راجح إلا إذا خلعت هذه الأنظمة ثوب حيائها كاملاً فأجلت المؤتمر مرةً أخرى انتظاراً إلى ما تسفر عنه قمة الدول الصناعية الثماني عند عرض المشروعين عليها في شهر حزيران القادم.


ومن الجـدير ذكـره أن الإصلاح السياسي المقصود ليس هو أن ينتخب المحكومون حكامهم أو أن يبدوا آراءهم بحرية واختيار لأن هذا سيسقط جميع أعوان أمريكا وأوروبا في المنطقة وسيجعل الإسلام الذي تدين بها الأمة هو الحاكمَ لها وهذا ما لا ترضاه الدول الكافرة المستعمرة حفاظاً على عملائها في المنطقة، وإنما المقصود بالإصلاح السياسي هو إعادة تشكيل الحكام وفق وجهة نظر الدول المهيمنة في المنطقة وليس مهماً عندها ما هم عليه من دكتاتورية وظلم ما داموا ينفذون مخططات الدولة الاستعمارية المعنية.


لقد كنا لا نحب التطرق إلى مؤتمر القمة لولا السؤال المذكور، وذلك لأن مؤتمرات القمة العربية (لا تحل ولا تربط) شيئاً بل لا تتفق على شيء فيه خير للأمة وذلك واضح طيلة عمر هذه القمم الذي ناهز نصف قرن.


إن مؤتمرات القمة نعمة عند الدول الحية التي ترعى شئون الناس بما يسعدهم وينهضهم، ومؤتمرات القمة في بلادنا نقمة علينا لعدم وجود الحاكم المخلص الذي يرعى شئون الناس وفق أحكام دينهم، الإسلام العظيم، بل وفق ما يريده المستعمرون، لذلك كانت قممهم ضرراً فوق ضرر. قاتلهم الله أنى يؤفكون.


س2: انتهت مراحـل الانتخـابات الخـمـس في الهند في 10/5/2004م وأعلن فوز حزب (المؤتمر) واستقالة الحكومة السابقة، حكومة حزب (بهاراتيا جاناتا) الذي قاد الائتلاف الحاكم منذ ثمانية أعوام حتى اليوم، فكيف تم ذلك رغم الدعم الأمريكي لفاجبايي. ثم لماذا أظهرت باكستان قلقاً من فوز حزب المؤتمر علماً بأن خطورة حزب جاناتا أشد لأنه حزب هندوسي متشدد وماضيه ضد المسلمين أكثر شدةً من حزب المؤتمر العلماني (المنفتح) على الأديان أو أن سبب القلق هو فجأة التغيير غير المتوقع في الهند؟


جـ2: لقد بقي نفوذ الإنجليز في الهند بعد (استقلاله) نحو خمسين سنةً. وكان حزب المؤتمر هو القوة الحاكمة والفاعلة، وسياسة الإنجليز هي النافذة. وكانت الولايات المتحدة تبذل كل مستطاع من جهد ووسائل ضغط، بل واستعانت بعبد الناصر مع نهرو لإحداث اختراق في الهند فلم تستطع إلى أن واتتها الفرصة في انتخابات 1996م ووصول فاجبايي إلى الحكم. وقد دعمته بكل ما يمكن ومكَّنته من نصر لا يستحقه في معركة (كارجيل) حيث ضغطت على باكستان لتسحب جيشها ولا تسند المقاتلين في مرتفع كارجيل. ثم دعمته عسكرياً واقتصادياً وكانت تمنع عن باكستان الأسلحة المتطورة (مثل تأجيل تسليم صفقة الطائرات على الرغم من دفع باكستان ثمنها) من أجل أن يظهر فاجبايي أمام الشعب الهندي أنه سبب في تفوق قدرتهم العسكرية على قدرة خصمهم باكستان. كل ذلك لأنها كانت ترى أن الرصيد لحزب المؤتمر قوي وأن جاناتا تجمع من ائتلاف لا يستطيع الوقوف أمام المؤتمر دون دعم.


لكن مقتل حزب جاناتا جاء من هذا الدعم! فقد أغدقت الولايات المتحدة دعماً اقتصادياً وضخت أموالاً لحكومة جاناتا ودفعته ليتبنى (الخصخصة). فأصبحت هناك شركات ضخمة وانتعاش اقتصادي ولكنه على النمط الرأسمالي أي زيادة في تركز الثروة، وهذا لا يناسب بلاداً ينتشر فيها الفقر، لذلك وجد أغنياء وشركات مالية ومصانع في المدن، ولكن الفقراء ازدادوا فقراً وبخاصة في الأرياف والقرى.


وقد أضيف لهذا الوضع الاقتصادي (المتناقض بين طرفين: غنىً فاحش وفقر مدقع) أضيف له عنصر ثانٍ وهو التشدد الديني القومي عند الهندوس حيث ارتكبوا مجازر ضد المسلمين وضد مساجدهم وهدموا بعضها بل وضايقوا فئاتٍ (دينيةً) أخرى.


ثم أضـيف عنصـر ثالث وهو عراقة حزب المؤتمر ودهاؤه السياسي على الطريقة البريطانية فحارب تشدد جاناتا الديني بإظهار علمانية المؤتمر بأنها ليسـت مع دين دون آخـر، وحـارب رأسمالية الخصخصة بإظهار (يساريته) بإيجاد مشاريع تتولاها الدولة وتوجد أعمالاً للعمال والفقراء. ثم ركز على موقف حزب جاناتا بالنسبة لكشمير حيث أظهره على أنه ضعف أمام باكستان لأن حزب المؤتمر لا يقبل أن تكون كشمير المحتلة موضع تفاوض لأن نهرو قد ضمها بقرار سنة 1956م وأعلن اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الهند.


وهذا الأمر الأخير هو ما تخشاه باكستان، فنظراً لكون الهند في عهد فاجبايي، وباكستان في عهد مشرف، كلاهما لأمريكا نفوذ فيه بدرجات متفاوتة، وكلاهما كذلك قد وافق بتأثير أمريكا للدخول في مفاوضات حول كشمير، وتخفيف التوتر بينهما، وهذا ما تخشى باكستان عدم استمراره بسبب نجاح حزب المؤتمر واحتمال تشكيله الحكومة، وهو حزب ولاؤه للإنجليز، ودهاؤه السياسي يسير على خطاهم. وبالتالي فإن خطورته على باكستان لن تكون فقط في تباطؤ وتيرة (السلام) بل في تأثيره لإعادة نفوذ الإنجليز في باكستان كما حصل في الهند وهذا ما يخشاه مشرف لأنه يؤثر على شخصه مباشرةً.


وبذلك فإن قلق باكستان هو سياسي بسبب عودة نفوذ الإنجليز من جديد في الهند لنجاح حزب المؤتمر في الانتخابات واحتمال تشكيله الحكومة. هذا هو سبب القلق ولا يُهِمُّ مشرف ما يلقاه المسلمون على أيدي المؤتمر أو أيدي جاناتا فكلاهما آذى المسلمين وألحق ضرراً فاحشاً بهم، وماضي المؤتمر (العلماني اليساري) مظلم بالنسبة للمسلمين كما هو حزب جاناتا الهندوسي المتشدد مظلم بالنسبة للمسلمين، فكلاهما متفق على عدائه للمسلمين وإن اختلفت حدة هذا العداء تبعاً للظروف السياسية المحلية أو الإقليمية أو الدولية.


وسيبقى الكفار يتداعون على المسلمين، مهما اختلفت أحزاب أو مسميات أولئك الكفار، إلى أن يكرم الله سبحانه الأمة بالخليفة الراشد الذي يحوطها بنصحه ويرعى شأنها وتتقي به وتقاتل من ورائه.


س3: فرضت الإدارة الأمريكية في 11/5/2004م عقوباتٍ على سوريا في إطار قانون محاسبة سوريا، على الرغم من تكرار تصريحات المسؤولين السوريين أنهم قدموا لأمريكا مساعداتٍ استخباراتيةً ومعلوماتيةً في موضوع (مكافحة الإرهاب)، بالإضافة إلى نفيهم المستمر السماح بإرسال مقاتلين من سوريا للعراق. فهل يعني ذلك تغيير في نظرة أمريكا لسوريا أو أن هذا بداية تنفيذ أمريكا لمشروعها (الشرق الأوسط الكبير) بإحداث تغيير في المنطقة؟


جـ3: ليس هناك تغيير في نظرة أمريكا لسوريا، فالعلاقات السياسية والدبلوماسية لَم تنقطع، وكما ذكرت في السؤال فإن سوريا أبدت تعاوناً ملحوظاً بتقديم معلومات استخباراتية لأمريكا حول ما يسمى (مكافحة الإرهاب)، وتصريحات الطرفين مستمرة بإعلان الاستعداد للحوار وأنَّ أقنية الحوار مفتوحة. وهذا ما صرح به السفير السوري في أمريكا كما نقلته عنه (الحياة) في 12/5، أي بعد فرض بوش العقوبات، فقد صرح بأن (آفاق التحسن مع أمريكا لا تزال قائمةً ووجود حرص من الطرفين على أقنية الحـوار مفتوحـة). وكان السفير السوري في أمريكا قد رافق وفداً من اليهود الأمريكيين من أصل سوري أثناء زيارتهم لسوريا واستقبال الرئيس السوري لهم في 11/5. وقد سئل السفير، كما نقلت (الحياة) عنه أثناء حضوره إلى دمشق مع الوفد المذكور، سئل عن قرار بوش فرض العقـوبات على سوريا ما دامت أقنية الحوار مفتوحةً كما يقول السفير، فأجاب (إن قرار الرئيس بوش فَرْضَ بعض العقوبات جاء بعد تردد ثلاثة أشهر وبعد تهديد متطرفين في الكونغرس بالقيام بخطوات جديدة ما لَم يعلن تطبيق بعض العقوبات.


والمعروف أن بوش وقع القرار في أواسط كانون أول 2003م بعد أن كان قد أقره الكونغرس نتيجة تنافس، لأجل كسب أصوات اليهود، بين الديمقراطيين الذين قدموا القانون والجمهوريين الذين (زايدوا) عليهم فيه، ويبدو أن بوش كان يتردد في تطبيقه إلى أن حاول الديمقراطيون استغلال تردد بوش في تطبيقه ومن ثم هددوا بمناقشة الموضوع من جديد في الكونغرس مستغلين في ذلك قرب موعد الانتخابات، فكان الحل الذي استقرت عليه الإدارة بتوصية الجمهوريين في الكونغرس أن تفرض بعض العقوبات لتفويت الفرصة على الديمقراطيين انتخابياً.


وعلى كلٍّ فإن العقوبات ليست مؤثرةً على سوريا كما صرح بذلك رئيس الوزراء السوري، وكما صرح بذلك عدد من المحللين السياسيين، وكما هو واقع الحال من نوعية العقوبات التي فرضت، وإنما هي رسالة انتخابية لإرضاء اللوبي اليهودي والنصرانية اليمينية الجديدة المؤيدة لليهود وكسب أصوات الفريقين.


أما إن فرض العقوبات على سوريا هو بداية تنفيذ للمشروع الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) في إحداث تغيير في المنطقة فإنه من غير المتوقع أن يوضع هذا المشروع موضع التنفيذ إلا بعد الانتهاء من المرحلة الانتخابية الأمريكية أي في السنة القادمة وتكون أمريكا قد عرضته على حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي والدول الصناعية في قممها في حزيران المقبل، ثم يستعمل المشروع ورقةً انتخابيةً لبوش. وبعد أن يتحدد مصير الإدارة الجديدة يبدأ بتنفيذه في إعادة (تشكيل الحكام) في المنطقة سواء أكانوا يتبعونها أم يتبعون غيرها. ولن تكون الخطورة عند ذاك هي إعادة تشكيل الحكام بل في الهيمنة على المنطقة بواسطة هؤلاء الحكام وإعادة الاستعمار المقنع وغير المقنع من جديد. هذه هي خطورة مشروع أمريكا وغيره من المشاريع التي تتسابق على المنطقة، ونجاحها أو عدمه يتوقف على الأمة واتخاذها الموقف الصلب للحيلولة دون تنفيذ هذه المشاريع والقضاء عليها. فإن فعلت فازت وعَزَّتْ، وإن استكانت خسرت وذلت، وإن أمةً أكرمها الله بالإسلام لن تستكين ولن تذل وستُسْقِط هذه المشاريع بإذن الله.


س4: لقد ذهب شارون إلى أمريكا وعرض خطته للانسحاب من غزة وإزالة مستوطناتها، من طرف واحد، واستطاع الحصول على دعم بوش لذلك، والحصول أيضاً على تصريحات بإسقاط (حق العودة) للاّجئين، وأخذ الواقع الموجود على الأرض (المستوطنات) عند تقرير الحدود النهائية وبالتالي فحدود 67 ليست ملزمةً لليهود. لكن شارون عند عرضه خطته على حزبه، حزب الليكود، في 2/5 سقطت بأغلبية نحو 60%، فهل يعني ذلك أن خطة شارون قد سقطت بسقوط نجاحها في استفتاء الليكود؟ وهل يمكن القول إن هذه بوادر انشقاق في الليكود واستبعاده من الحكم مستقبلاً؟


جـ4: إن اهتمام اليهود بالانسحاب من قطاع غزة ليس جديداً، بل هو منذ عقود وقد ورد على ألسنة ساستهم مثل إسحق رابين وغيره، فمن قائل عنها إنها (عش دبابير) أو متمنياً أن يأخذها البحر إلى غير ذلك، بسبب المقاومة العنيفة التي كانوا يلاقونها فيها بالإضافة إلى عدم نظرتهم لها كما ينظرون للضفة لاعتبارات توراتية مزيَّفة.


لكن هناك أمراً يجب أخذه في الاعتبار حتى يمكن معرفة الدوافع وراء خطة شارون. وهذا الأمر هو أن من يتتبع سياسة دولة يهود منذ نشأتها يرى أن هذه السياسة قائمة على القضم التدريجي لفلسطين سياسياً ثم عملياً، فهي استطاعت أن تنقل قضية احتلالها لفلسطين 1948م إلى قضية احتلالها للضفة والقطاع في 1967م. فتُرك البحث في عودة فلسطين 48 لأهلها والقضاء على كيان يهود، إلى الاعتراف بكيان يهود وعودة الضفة والقطاع المحتلة 1967م إلى أهلها، ثم بعد ذلك فصل من الضفة والقطاع أمور اعتبرت، محل نزاع أي ليست كباقي الضفة والقطاع حقّاً لأهلها، وذلك مثل: اللاجئين، المياه والحدود والمستوطنات، وصارت هذه أموراً متنازعاً عليها أي أنها قابلة للأخذ والرد، فأسقطوا حق أهل فلسطين فيها.


ثم جاءت خطة شارون هذه وهي نقل البحث في قضية الضفة والقطاع إلى البحث في قضية القطاع، فأعلن خطته وجعل التركيز عليها، وذهب إلى واشنطن وهو يدرك أن الإدارة الأمريكية في فترة الانتخابات ستراعي مصالح يهود كما تراعي مصالحها، وحصل على دعم بوش، وصارت قضية الانسحاب من غزة حدثاً يبحث دولياً وإقليمياً ومحلياً.


ويبدو أن هذا هو الذي كان يريده شارون، أن يجعل حَيِّزَ البحث في فصل قضية غزة عن الضفة بحيث يثبت عرفاً إمكانية بحث حل لقطاع غزة دون تطبيق الحل نفسه بالضرورة على الضفة أي ليس بالضرورة أن لا يوجد حل في غزة إلا إذا وجد في الضفة، أو إذا أزيلت المستوطنات في غزة بحث إزالتها في الضفة. أما انسحابه الفعلي منها فلم يكن وارداً عنده على عجل إنما لاحقاً عندما يتركز في السياسة الدولية أن هناك قضيةً في غزة يمكن أن تبحث مفصولةً عن قضية الضفة، سواء أطال الزمن بين خطته نظرياً وتنفيذه عملياً، أم قصر.


أما لماذا قلنا إن شـارون كان يريد من خطته محاولة إيجاد سابقة لفصل قضية غزة عن قضية الضفة، وإن انسحابه من غزة كان يريده لاحقاً بعد إيجاد أجواء تجيز بحث قضية غزة دون ضرورة ربطها بالضفة وبالحل نفسه، فذلك لأنه عرض خطته على حزب الليكود للاستفتاء عليها. ومن المعروف أن إدارة أي حزب تعرف الاتجاه السياسي الغالب عند الأعضاء فليس الحزب كالشعب مثلاً يصعب معرفة اتجاهه الغالب لتعدد أحزابه وهيئاته وباقي مكوناته. ولذلك فإن شارون كان يدرك تماماً أن خطته لن تنال الغالبية الحزبية.


والخلاصة أن شارون أراد من خطته أن يوجد سابقةً لبحث قضية غزة منفصلةً عن قضية الضفة، ثم بناءً على مجريات الأمور اللاحقة يكون تحديد وقت تنفيذه الفعلي لخطته سواء أكان بعيداً أم قريباً أم أقرب من القريب.


ولذلك فلا يمكن القول إن خطته سقطت لعدم تنفيذه الانسحاب في الوقت الحالي بل هي تسقط عندما لا يستطيع أن يجزئ فلسطين إلى قضايا جزئية تبحث كل واحدة منها على حدة منفصلةً عن الأخرى.


وكذلك لا يمكن القول إن الانشقاق دبَّ في الليكود لعدم تأييدهم لخطة شارون، لأن شارون كان يعرف ذلك مسبقاً.


ومن الجدير ذكره أن الخطورة ليست في أن يخطط شارون، ويأخذ دعم أمريكا، بل الخطورة في هذا الصمت الرهيب على بقاء كيان يهود واحتلاله لفلسطين، وهو صمت يتقاسمه (بإخلاص) الحكام في بلاد المسلمين والسلطة والمفاوضون.


س5: لقد عادت أمريكا وقبلت الاستعانة بالجيش العراقي السابق بعد أن أعلنت حلَّه، فهل عجز أمريكا عن إنشاء جيش جديد بسبب الرفض المتزايد من أهل العراق للانضمام لهذا الجيش المشكل بإمرة الاحتلال، هل هذا هو السبب وراء استعانة أمريكا بالجيش السابق؟ أو أن أمريكا تريد عودته لتضمن تحركه تحت نظرها فلا تشكل عناصره خطراً عليها؟


جـ5: أما عجز أمريكا عن تشكيل جيش جديد فهو صحيح، لأن الناس لا زالت مفاهيم الأعماق الإسلامية التي ترفض القتال في سيل الكفار، وترفض القتال تحت إمرتهم، هذه المفاهيم تمنع الانضواء في جيش بإمرة الكافر المحتل، حتى إن القلة من الذين تجندوا في هذا الجيش، لسبب أو لآخر قد رفضوا أن يشتركوا مع المحتل في قتال إخوانهم في الفلوجة.


وأما أن وجود أفراد الجيش السابق تحت نظر أمريكا يجعل خطرهم عليها أقل مما لو لَم يكونوا كذلك، فهو صحيح أيضاً.


لكنَّ الذي دفع أمريكا للاستعانة بالجيش السابق أمر آخر. وحتى نفهمه لا بد من ملاحظة أن أمريكا دولة تتبنى المبدأ الرأسمالي، و"البراغماتية" أي الغاية تبرر الواسطة، هي ركن أساس في هذا المبدأ. ولقد وضعت أمريكا تاريخاً (تسلِّم) فيه السلطة للعراقيين، وهو 30/6/2004م وقد فرضت هذا التاريخَ اعتباراتٌ انتخابية ليضمن بوش الهدوء دون قتال خلال الشهور السابقة للانتخابات أو على الأقل الحد من القتل في جنوده قبيل الانتخابات المقررة في شهر 11/2004م، أما إذا استمر القتال على وتيرته فإن فرصته في النجاح ستتقلص لأن انشغال الناس بقتلاهم سيشكل حملةً مضادةً.


وقد بذل الجيش الأمريكي المحتل للعراق كل ما أوتي من عدة وعتاد تناسب المعركة، بأسلحة محظورة وغير محظورة، ليقضي على المقاومة أو يحد من قوتها فلم يستطع، بل لَم يستطع اقتحام مدينة صغيرة بمقاس المدن ولكنها كبيرة ببطولة أهلها وبقلوبهم العامرة بالإيمان رغم استمراره نحو شهر استعمل خلاله المدافع والدبابات والطوافات بل والطائرات المقاتلة ومع ذلك لَم يستطع السيطرة على الفلوجة توأم جنين تلك البلدة التي قهرت ببطولتها دولة يهود بطائراتها ودباباتها.


فعلم الجيش الأمريكي المأخوذ بغطرسة القوة، علم أن استمراره في أعماله العسكرية مهما بلغت من الوحشية فلن يستطيع أن يقضي على المقاومة البطولية لعدوانه بل ولا أن يُهَدِّئَها.


بعد ذلك تنازل عن غرور غطرسة القوة التي كانت عنوان وصوله لما يريد، تنازل عنها وعمد إلى الدهاء السياسي بالمفاوضات والمناورات حتى أمكنه أن يجعل مجموعةً من الجيش السابق أن تتولى حفظ الأمن وتوفير الهدوء في الفلوجة، ففعلت هذه المجموعة ما لَم يستطعه الجيش العراقي نفسه.


وهذا ما يحاوله في النجف، أن يوجد فريقاً من أهل البلد يقف في وجه فريق آخر، وبذلك يكْفون الجيش الأمريكي مؤونة الخسائر في صفوفه. ويؤمِّنون له ما أراد من تهدئة المقاومة وحفظ أمنه حتى ولو نسبياً ليتم (تسليم) السلطة المدنية للمتعاونين معه من العراقيين، وليكمل بوش حملته الانتخابية دون مشاكل أو معوقات.


ولذلك فإنه على الرغم من عجز الجيش الأمريكي المحتل عن تنفيذ مخططاته باقتحام الفلوجة بسبب ما لاقاه من بطولة فائقة أوقعت به خسائر كثيفة، وأوقعته في ذل ومهانة مع قلة أسلحة المقاومين بالنسبة لترسانة الجيش الأمريكي المدججة بأنواع الأسلحة المدمرة، نقول بالرغم من ذلك إلا أن تمكنه من استقطاب مجموعة من الجيش السابق تقوم بتأمين عدم مقاومة المحتل، وسعيه كذلك لمثل هذا في النجف لضمان عدم مقاومته وإخراج المقاومين من النجف بأيدي إخوانهم، كل ذلك إذا تمكن من تحقيقه وضمان الهدوء إلى حين (التسليم) فإنه يكون قد نجح بتحقيق ما لَم يستطع تحقيقه بالأعمال العسكرية.


لكـل هـذا فـإن الجـيـش الأمـريكـي قبـل أن يسـتـعـيـن بـل ألح على الاستعانة بمجموعة من الجيش السابق لتحقق له ما عجز عن تحقيقه.


س6: أعلن رئيس جورجيا ميخائيل ساكاشفيلي يوم 06/05/2004م بدء إعادة توحيد بلاده عقب الإطاحة بحاكم إقليم أجاريا أصلان أباشيدزه. وكان (الفضل) في ذلك إلى رئيس مجلس الأمن القومي الروسي إيغور إيفانوف، وما لعبه من دور في إقناع أصلان بالاستقالة والرحيل مع إيفانوف إلى موسكو. وقد أثنت وزيرة الخارجية الجورجية سالومي على الدور الكبير الذي لعبته روسيا لحل الأزمة.


والسؤال الذي يتبادر هنا هو ما الذي دفع روسيا إلى التخلي عن عميلها في أجاريا أصلان أباشيدزه؟ والمساهمة في حل أزمة أجاريا وتثبيت حكم ساكاشفيلي عميل أمريكا المعروف؟


جـ6: بدايةً ينبغي تسليط الأضواء على أهمية الموقع الجغرافي لأجاريا، تقع أجاريا على البحر الأسود والذي يضم ميناء باتومي وهو ميناء رئيسي لتصدير النفط، مما يعني أنها ذات أهمية للولايات المتحدة التي تنوي إنشاء خط لأنابيب النفط من باكو على بحر قزوين عبر جورجيا إلى البحر الأسود، مما يعني أنها تحتل أهمية إستراتيجية لأميركا، لذلك اهتمت أمريكا بإخضاع هذا الإقليم كليا للسيطرة المركزية في تبليسي، أي للحكومة الموالية لها هناك.


وما تم في أجاريا وإن كان لا يخرج عن المخطط الأميركي في القوقاز ووسط آسيا وأوروبا الشرقية وهو خنق روسيا وتحجيم نفوذها الإقليمي ومجالها الحيوي إلا أن أجاريا كانت ذات أولوية لموقعها على البحر الأسود ووجود ميناء باتومي فيها.


وكانت على مايبدو مسألة أجاريا من اهم المسائل التي طرحت لدى زيارة باول لموسكو 26/01/2004م والتي وصفها السفير الأميركي في موسكو ألكسندر فيرشو للحياة في 24/01/2004 (بأنها فائقة الأهمية. وقال إن باول ينوي مناقشة المسائل المتعلقة بالجمهوريات السوفياتية السابقة مع الجانب الروسي, مشيراً إلى أن أحد أهم أهداف الزيارة تتمثل في البحث عن "نقاط التقاء" بين الطرفين الروسي والأميركي في الفضاء السوفياتي السابق، واعترف السفير الأميركي بوجود "مشكلات معينة" تواجه تسوية العلاقات بين الجانبين في هذه المنطقة...... وكان سياسيون روس طالبوا بمناقشة هذا الملف مع الوزير الأميركي. ودعا رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الروسي قسطنطين كوتساتشيوف إلى إدراج ملف الوجود العسكري الأميركي في المنطقة على جدول أعمال الزيارة.


وقد تزامن تصاعد الجدل في هذا الشأن مع تسريب وسائل إعلامية غربية, معلومات عما وصف بأنه ترتيبات لعقد "صفقة" روسية - أميركية تهدف إلى اقتسام النفوذ في المنطقة السوفياتية السابقة. واعتبر محللون روس كلام السفير الأميركي في موسكو المذكور مؤشراً إلى اتفاق بين الطرفين.


إلى ذلك أعلن ناطق باسم الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيجري مع الوزير الأميركي محادثات تتركز على عدد من الملفات الدولية والإقليمية وفي مقدمتها الوضع في العراق ومسألة التعاون النووي بين روسيا وإيران. وكانت مصادر ذكرت أن باول سيبحث خلال الزيارة تطورات قضية شركة "يوكوس" النفطية التي تقوم السلطات الروسية بملاحقة كبار مساهميها بتهم تتعلق بالفساد المالي.).


وبادر باول وفور وصوله إلى موسكو إلى انتقاد سياسة موسكو على الصعيدين الداخلي والخارجي. وأبدى في لهجة غير مسـبـوقـة, تحفظات عن الديموقراطية في روسيا, ورأى أن ثمة "حدوداً في العلاقات بين البلدين, في حال استمر غياب القيم والمعايير المشتركة".


وفيما يتعلق بالشيشان أعرب باول عن قلق بلاده إزاء "بعض جوانب سياسة موسكو الداخلية في الشيشان", وكذلك علاقات روسيا مع جاراتها في دول الرابطة المستقلة". وأضاف أن واشنطن تحترم وحدة الأراضي الروسية "لكنها تنظر في المقدار نفسه إلى حقوق جيران روسيا".


ولاحقا، وكما ذكرت الحياة في عددها المذكور, حرص الوزير الأميركي على تخفيف لهجته بعد لقائه بوتين. وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع إيغور إيفانوف انه "ناقش مع الرئيس مسائل الديموقراطية وحرية الصحافة في روسيا, من دون أن يشكل هذا الملف محوراً رئيسياً للمحادثات".


وهذا يشير إلى أن انتقادات باول لدى قدومه من جورجيا لم تكن متعلقة لا بديمقراطية موسكو ولا بحرية الصحافة فيها، وكذلك تصريحه عن الشيشان لم يكن إلا للمساومة عليه.


ويبدو أنه تم الاتفاق على غض الطرف عن الملف الشيشاني وحرب الإبادة التي يقوم بها الكافر المجرم بوتين هناك والإيعاز لجورجيا بعدم تقديم أي دعم ولا ملجأ للشيشان مقابل أن تتنازل روسيا عن أجاريا وعن عميلها أصلان أباشيدزه. وكانت الرئيسة الجورجية الجديدة نينو بوردجانادزه بعد الإطاحة بالرئيس السابق شيفارد نازده قد اعترفت لـ "الحياة" في 27/12/2003م بأن تبيليسي قدمت تسهيلات كبيرة إلى المقاومة الشيشانية.


ويبدو أن أصلان أباشيدزه أدرك أن روسيا قد تخلت عنه فأراد بتفجير الجسور التي تربط منطقته بجورجيا منع أي زحف جورجي لعلمه بأن الجيش الروسي المرابط في القاعدة الروسية في أجاريا لن يتدخل لصالحه، لكن الأمر لم يكن مدبراً بضربة عسكرية من جورجيا، بل كان كما يقال (من مأمنه يؤتى الحذر) فقد توجه رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، صديق أصلان، إلى أجاريا ليقنعه بالرحيل معه إلى موسكو. وهذا ما حصل فعلاً في 6/5/2004م.


وهكذا تمت الصفقة بين الولايات المتحدة وروسيا على أن تطلق يد روسيا في جرائمها في الشيشان مع ضمان سكوت أمريكا عن روسيا في هذه الجرائم، بل وتأييدها باعتبار ذلك مسألةً داخليةً. وأن تكف أمريكا يدها عن مصالح روسيا في دول الاتحاد السوفياتي السابق، مقابل قلع نفوذ روسيا من أجاريا ومغادرة عميلها أصلان نهائياً إلى موسكو.


ولكن بوتين يخطئ لو ظن أن تنازلاته هذه ستؤدي إلى أن تكف عنه أميركا في المستقبل القريب. فأميركا عاقدة العزم على تحجيم روسيا بزرع القواعد العسكرية في مناطق الاتحاد السوفيتي السابق وجعل روسيا حتى دون نفوذ إقليمي بمرابطة القوات الأميركية والناتو على باب دارها. وقد تدرك روسيا ذلك ولكن بعد فوات الأوان.


26 من ربيع الأول 1425هـ
15/05/2004م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م