العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الأربعون
العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الأربعون

  نواصل حديثنا مع عقدة العلاقة مع الدنيا: وعليه فإن الدنيا لا تصلح أن تكون غاية ولا هدفاً، بل إن الغايةَ الحقيقية والهدفَ الأسمى هو ما يقتضيه الحلُّ الصحيحُ للعقدة الكبرى، وهو جعلُ الآخرةِ هي الهدفَ والغايةَ.

0:00 0:00
السرعة:
May 09, 2025

العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الأربعون

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

الحلقة الأربعون

نواصل حديثنا مع عقدة العلاقة مع الدنيا:

وعليه فإن الدنيا لا تصلح أن تكون غاية ولا هدفاً، بل إن الغايةَ الحقيقية والهدفَ الأسمى هو ما يقتضيه الحلُّ الصحيحُ للعقدة الكبرى، وهو جعلُ الآخرةِ هي الهدفَ والغايةَ.

إن من جعلَ الدنيا غايته فرّقَ اللهُ عليه أمرَه، وجعلَ فقرَه بين عينيه، وفي النهاية لا يأتيه من الدنيا إلا ما قسمه الله سبحانه له، ومن جعل الآخرةَ غايتهَ وهدفَه جمعَ الله له أمرَه، وجعلَ غناهُ في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، وفاز في الآخرة برضوان الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت الدنيا نيتَه فرّق الله عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرةُ نيتَه جمع الله له أمرَه، وجعلَ غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة).

وقد أمرنا باتقاء الدنيا، واتقاء ما فيها من فتنٍ، وبخاصةٍ فتنة النساء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن اللهَ مستخلفُكم فيها فناظرٌ ما تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء).

لقد ضربَ اللهُ سبحانَه مثل الحياةِ الدنيا بالماءِ الذي أنزلَه الله سبحانه من السماء، فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، فإذا تزيّنت الأرض واخضرّت جاءها أمرُ الله ليلاً أو نهاراً، فجعلها حصيداً، وهذا مثلٌ ضربه الله سبحانه وتعالى لمن يتفكرّ، أي للعاقل، الذي يستخدمُ عقلَه، فيشاهدَ الواقعَ ويربطُه بمعلوماته السابقة، ويرى هذه الحياة المتجددة على الأرض، ويرى أن الحياة كلها مثل حياة واحدة على الأرض، خلقٌ فنموٌ فهرمٌ فموت، وهكذا الحياة الدنيا، يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

فعقدةُ الدنيا تنشأ من خطأ النظرةِ إلى الدنيا، وينشأ عنها أمراضٌ نفسيةٌ تقضُّ مضجعَ الإنسانِ وتؤرقُه، فيتفرقُ على الإنسانِ أمرُه، ولا يستطيعُ الإحاطةَ بأمورِه، وتتفلت منه واحدةً بعد الأخرى، ويقضي جلَّ وقتِه في لملمةِ أمورِه، وجمعِها ليحسنَ السيطرةَ عليها، وأنّى له ذلك، فإنّ الله تعالى فرَّق عليه أمرَه لما جعلَ الدنيا نيته وأكبرَ همه.

ومهما امتلك هذا الإنسانُ صاحبُ العقدةِ فإنه سيبقى يرى نفسَه فقيراً، مهما أوتيَ من مالٍ ومهما أوتيَ من متاع الدنيا، ذلك أن الله تعالى جعلَ فقرَه بين عينيه لمّا جعلَ الدنيا نيتَه وأكبرَ همه.

ومهما سعى وجدّ واجتهدَ في دنياه فإنّه لن يصيبَه إلا ما كتبَ له، ولن يناله إلا ما قسمه الله سبحانه له، ولكنّه يبوء بغضبِ اللهِ تعالى، إذ صرَفَ همّه في الدنيا يجمعها للهلاك والبوار.

ومن الوبال الشديد على البشرية اليوم المبدأ الرأسماليّ، الذي صرَفَ الإنسانَ عن الحلِّ الحقيقيِّ الصحيح للعقدةِ الكبرى، فجعل جلَّ الاهتمامِ للدنيا وشهواتها وملذاتها، وجعل الدنيا محلّ اقتتال وخصام بين البشر، أفسدَ الناسَ وأفسدَ العلاقاتِ بين الناسِ، ولَخَّص علاقاتهم بما يحققه كل منهم من مصلحة من الآخر، وصارت أهميةُ الإنسانِ بقدرِ ما يملكُ من هذه الدنيا، فمن ملك الكثيرَ ارتفعت قيمته، ومن لم يملك إلا القليل قلت قيمته، حتى إن الإنسانَ صار سلعةً من السلعِ يتاجرُ بها أصحابُ رؤوس الأموال، ويتحكمون في البشر، وفي أرزاق البشر. أنتجَ هذا المبدأ أمراضاً نفسيةً لم تشهدها البشرية من قبل، جردّ الإنسانَ من إنسانيته، وأفقدَه كرامتَه التي أكرمَه الله سبحانه وتعالى بها، أكرمه بأن جعله عبداً له، لكن الرأسمالية أهانته وأذلته لما صنعت منه إلهاً يقضي ويحكم بما يوحيه إليه شيطانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.