العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الخامسة
العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الخامسة

ومما يجبُ لفتُ النظرِ إليه هنا وجودُ مظاهرَ غريزية متناقضة عند الإنسان، وليس في هذه المظاهر المتناقضة ميزة لأحد المتناقضين على الأخر تجعله الأولى بالإشباع، فيقعُ الإنسانُ في حيرةٍ من أمرِه، أيشبعُ هذا المظهرَ فيهدئه ويسكنه، ويتركُ الآخرَ ينغّصُ عليه عيشَه؟ أم يتركُ الاثنين فلا يشبعهما فيستمر قلقه ويتضاعف وتزدادُ حيرتُه؟ وهو كذلك لا يستطيع أن يشبعهما معاً في الموقف المثيرِ الواحد، فماذا يفعل؟

0:00 0:00
السرعة:
April 04, 2025

العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الخامسة

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

الحلقة الخامسة

ومما يجبُ لفتُ النظرِ إليه هنا وجودُ مظاهرَ غريزية متناقضة عند الإنسان، وليس في هذه المظاهر المتناقضة ميزة لأحد المتناقضين على الأخر تجعله الأولى بالإشباع، فيقعُ الإنسانُ في حيرةٍ من أمرِه، أيشبعُ هذا المظهرَ فيهدئه ويسكنه، ويتركُ الآخرَ ينغّصُ عليه عيشَه؟ أم يتركُ الاثنين فلا يشبعهما فيستمر قلقه ويتضاعف وتزدادُ حيرتُه؟ وهو كذلك لا يستطيع أن يشبعهما معاً في الموقف المثيرِ الواحد، فماذا يفعل؟

ومن أمثلة هذه المظاهر المتناقضة الأثرةُ والإيثار، والشحّ والكرم، وغيرها، فلا بد من المفهوم الصحيح للإشباع، وهذا المفهوم لا يكونُ صحيحاً إلا إذا انبثق عن الحلّ الصحيح للعقدة الكبرى انبثاقاً صحيحاً.

ولكن الغالب على الناس أنهم يهربون من هذا السؤال بجواب لسؤال آخر، وليس لهذا السؤال: وماذا بعد؟ فبعد أن يحقق المرء هدفاً كان يسعى إليه، كالنجاح في الثانوية العامة مثلاً، فإنه يجيب أن ما بعده هو الجامعة، وبعد الدرجة الجامعية الأولى عندما يثور عليه السؤال مرة أخرى، تكون إجابته بمتابعة الدراسة أو البحث عن عمل، فيسعى للحصول على عمل يحقق له أعلى مستوى من العيش، وبعد الحصول عليه وبعد أن يطمئن للحصول عليه، يثور عليه السؤال مرة أخرى، فيكون الجواب: البيت... الزواج... الأولاد، ثم تربية الأولاد، ثم تعليمهم أفضل تعليم، وتنشئتهم أفضل تنشئة، وبأعلى مستوى ممكن من الحياة، وهكذا فلا تنتهي طموحات الإنسان إلا بالموت، انظر إلى قول الله تعالى في سورة الحجر: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، فهل خلق الإنسان لأجل هذا؟ أم أن كلّ ما سبق من آمال للإنسان إنما هي تحصيل حاصل؟ تتحقق لكل إنسان، سواء أجعل الآخرةَ هدفَه وغايتَه، أم جعلَ الدنيا غايتَهُ وهدفَه؟

انظر بم وصف الله سبحانه وتعالى الكفار، في سورة محمد: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ)، فهذا يعني أن هناك أكلاً غير أكل الأنعام، وتمتعاً غير تمتَع الأنعام، فليست المسألة مسألة إشباع حاجة عضوية، أو إشباع مظهر من مظاهر الغرائز، بل المسألة مسألة إشباع على هيئة معينة وكيفية معينة، وإلا فإن الإشباع لا يتحقق، يتحقق في حالة واحدة فقط من حالات الإشباع، أن يشبع على هيئة معينة، ويربط هذا الإشباع بحل العقدة الكبرى، ويتمثل الغايةَ من الإشباع على هذه الهيئة، فحينئذ لا تنشأ عقد صغرى عند الإنسان. ولهذا القول تفصيل.

وندخل هنا إلى مسألة أخرى، وهي مسألة مادية الإنسان، فالإنسان مادة فقط.

وكل ما يقع حسه عليه مادة فقط، ولكن هناك أمراً آخر، وهو كون هذه المادة سواء التي هي حوله، أو التي تكوّن جسمه منها، مخلوقةٌ لخالق، هو الله عز وجل، وهنا تتشكل صلةٌ بين هذه المواد وبين الخالق سبحانه وتعالى، صلة الخلق، وهذه الصلة هي الروح، ولكن من الذي يدرك هذه الصلة؟ يدركها المؤمن بالله سبحانه خالقاً لهذا الكون، فمن أدركها صار عنده روح، وهذه الناحية في الأشياء هي الناحية الروحية، إدراك الصلة بالخالق سبحانه.

وهذا الإدراك مطلوب من الإنسان في كل عمل من أعماله، مطلوب منه أن يسيّر أعماله بحسب ما أمر الله سبحانه وتعالى، فيفعل حين يفعل الفعل بحسب مقياس الفكرة الكلية (حل العقدة الكبرى) من جهة حكمه الشرعي، ويتعامل مع الأشياء في هذا الكون على أنها مخلوقة للخالق سبحانه، وأنه سخرها له لينتفع بها بحسب أمر الله تعالى ونهيه، ولذلك فإنه عندما يقوم بإشباع حاجة من حاجاته، أو مظهر من مظاهر غرائزه يدرك هذه الصلة، فيسير إشباعه بحسب مقياس الحكم الشرعي، وهنا تنشأ عنده الناحية الروحية، الصلة بالخالق سبحانه وتعالى، ويتم التسيير بحسب نظرته للسعادة من أنها إرضاء الله تعالى، ومن حيث نظرته للحياة وتصويره لها الذي أخذه من الفكرة الكلية (حل العقدة الكبرى) فيحقق القيمة المرجوة من الفعل، والمثل الأعلى الذي يسير بحسبه، في هذه الحالة، وفي هذه الحالة فقط لا يثور عليه سؤال: وماذا بعد؟ أو: وبعدين؟ فيكون قد تخلص من العقدة الصغرى المتعلقة بهذا المظهر الغريزي، أو الحاجة العضوية.

وعليه يتحقق القول: وإعطاء الفكرة الكلية عن هذه الأشياء [الكون والإنسان والحياة] هو حل العقدة الكبرى عند الإنسان . ومتى حلت هذه العقدة حلت باقي العقد

 كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.