العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الخامسة والثلاثون
العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الخامسة والثلاثون

خامسَ عشَرَ: عقدة الأولاد والبنات لقد منَّ الله على عبادِه بأن خلقَ لهم من أنفسِهم أزواجاً، وجعلَ لهم من أزواجهم بنين وحفدة، فقال سبحانه وتعالى: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ  الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)، ووضع في فطرة كل إنسانٍ ما يدفعه لحفظ نوِعِه البشريِّ، وبهذا التقديرِ من الله سبحانه وتعالى استمرَّ الجنسُ البشريُّ منذ آدمَ عليه السلام وإلى يومنا هذا، وبهذا يستمرُّ إلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها.

0:00 0:00
السرعة:
May 04, 2025

العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الخامسة والثلاثون

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

الحلقة الخامسة والثلاثون

خامسَ عشَرَ: عقدة الأولاد والبنات

لقد منَّ الله على عبادِه بأن خلقَ لهم من أنفسِهم أزواجاً، وجعلَ لهم من أزواجهم بنين وحفدة، فقال سبحانه وتعالى: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)، ووضع في فطرة كل إنسانٍ ما يدفعه لحفظ نوِعِه البشريِّ، وبهذا التقديرِ من الله سبحانه وتعالى استمرَّ الجنسُ البشريُّ منذ آدمَ عليه السلام وإلى يومنا هذا، وبهذا يستمرُّ إلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها.

ولكن الشياطين لم تتركْ للبشرِ باباً ينفذون منه إلى معصية الله ومخالفة المفاهيم الصحيحة التي أرسلها الله سبحانه وتعالى مع رسله، لم تترك باباً إلا وفتحتْه لهم، فوجد فيهم من يئدُ البنات، ووجدَ فيهم يُفضّلُ الأولادَ على البنات، ووجدَ فيهم من يبتعد عن إنجاب الأولاد والبنات بتأثير من المبدأ الرأسمالي الغربي، وغزوِه الفكري، ووجدَ فيهم من يقتصر على واحد أو اثنين، ويتعذّر بذلك بقوله: حتى يستطيع تربيتهم، وتنشئتهم وتعليمهم، حتى يحفظ لهم مستوى معيناً من العيش، وكأنه هو الذي خلقهم ورزقهم، ونجدُ فيهم من يغلبُ مظاهرَ البقاءِ عندَه على كثير من مظاهر النوعِ، فلا يسمح لأحدٍ أن يشاركَه حياته ووقته ومتعته، ووجدَ فيهم من يضحّي بدينه من أجل أولاده، ومنهم من يرتكب الحرام لأجلهم، ونجدُ من الناس من يفضلُ أولاده على الله ورسوله والجهاد في سبيله.

يخطئُ كثير من الناس بقولهم: نريد أن نحفظ لأولادنا مستوى عالياً من العيش، ويقولون: واحد واثنان يمكن أن تكفيهم حاجاتهم بمستوى مرتفع، ولو كانوا أكثر، لتقسّمَ الدخلُ على عدد أكبر، فيتدنى المستوى الذي سيناله كلُّ واحدٍ، يقولون هذا القول ويظنون أنهم هم الذين يرزقون أولادهم، فيخترعون فكرة التقسيم، فيجعلون المقسوم عليه قليلاً ليكون الناتج لكل واحد أكبر، وما دَرَوْا أنَّ الله تعالى قسَم لكل ولدٍ رزقه، وقسم لكل بنتٍ رزقها، ومهما بلغ عددهم فإنّ الله تعالى لم يخلق مخلوقاً دون أن يقسمَ له رزقه، فيتألّوْنَ على الله تعالى بما يسوّلُه لهم الشيطان، ويمنيهم فيه.

إن حفظ النوع البشري أمرٌ غريزيّ عند الإنسان، يتمثل في مظاهر متعددة، تسبب القلق للإنسان إن لم يتمَّ إشباعُها بنظام صحيح، وربما تكون مصدر شقاء للإنسان، فيشقى الإنسانُ بما يحملُ من مفاهيمَ ما أنزل اللهُ بها من سلطان، كمثل التي ذكرناها أعلاه.

إن من أول ما قررته العقيدة الإسلامية –الحلُّ الصحيحُ للعقدة الكبرى- أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يَهَبُ عبادَهُ الإناث، ويهبهم الذكور، ويهبهم الذكور والإناث، ويجعلُ من يشاءُ عقيماً، فهو مالك السماوات والأرض وما فيهما، قال الله سبحانه وتعالى في آخر سورة الشورى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا  وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ). فهي نعمةٌ من نعمِ اللهِ على الإنسانِ، يحتاجُ الإنسانُ أن يكونَ عندَه أولادٌ وبنات، يعينونه في هرمِه، فمنَّ الله سبحانه وتعالى علينا بذلك، فله الحمد وله الشكر. قال سبحانه: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ)، وأخبرنا سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)، ولكنّ الذي هو خير من المال والبنين هو الأعمال الصالحة التي تبقى إلى يوم القيامة، يحتسبها الله سبحانه في سجل عبدِهِ.

ومنفعة الأولاد والبنات لآبائهم هي في الدنيا فقط، ولا يناله منهم إلا ما قدّمه لهم من تربية صالحة يؤجرُ عليها، وما يقدمونه له من دعاء بعدَ موتِه، أما يوم القيامة فإن كل الأسباب بين الناس تتقطع، وحينها لا ينفع ولدٌ أباه، ولا أبٌ ولدَه، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)، بل في ذلك اليوم كل قريبٍ يهربُ من قريبِه، يقول عزّ وجلَّ: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ،  وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) فلا أحدَ ينفعُ أحداً لم يكن نفعَه من قبلُ، بل إن المجرمُ يودُّ لو افتدى نفسَه من النارِ بأولاده: (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ)، وحينها لا ينفعُ إلا من جاءَ ربّه بقلبٍ سليم، مؤمنٍ بالله عاملٍ للصالحات: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.