العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الرابعة
العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الرابعة

إن العقد الصغرى تنشأ عند الإنسان من مظاهر الغرائز الثلاث والحاجات العضوية لديه، -       حين لا يشبعها، -       أو حين يشبعها إشباعاً خاطئاً، -       أو حين يشبعها إشباعاً شاذّاً

0:00 0:00
السرعة:
April 03, 2025

العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الرابعة

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

الحلقة الرابعة

إن العقد الصغرى تنشأ عند الإنسان من مظاهر الغرائز الثلاث والحاجات العضوية لديه،

-       حين لا يشبعها،

-       أو حين يشبعها إشباعاً خاطئاً،

-       أو حين يشبعها إشباعاً شاذّاً

فهذه ثلاثة من الاحتمالات الممكنة عند كل إنسان، حينما يثور لديه أي مظهر من مظاهر الغرائز أو الحاجات العضوية. والاحتمال الرابع هو الإشباع الصحيح الموافق لحل العقدة الكبرى، فلا ينشأ عنه مشكلة أو قلق أو اضطراب، والاحتمال الأخير ألّا تثورَ لديه فلا يحتاجَ لإشباعٍ، ولا تسببَ له مشكلة.

وربما قال قائلٌ: هذا شأن الذي ثارت لديه لم يشبع، فلماذا عممت على من أشبع إشباعاً خاطئاً، أو إشباعاً شاذّاً؟

والجواب: أن تركيب هذا الإنسان العجيبَ جعله لا يسعد إلا بالإشباع الصحيح الموافق لحل العقدة الكبرى الصحيح، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)، وغير ذلك من الآيات والنصوص الشرعية القطعية الدلالة على ما نقول.

ولربما قال قائل إن هذه الأدلة تستدلّ بها وتحتجّ بها على المسلم الذي يؤمن بهذه الأدلة، وبمصدرها، وأما غير المسلم فكيف تثبت له أنه يشقى سواء أشبع أم لم يشبع؟

والجواب هو في واقع هذه الغرائز والحاجات، فالمشاهد المحسوس أنها لا تتطلب مجرد الإشباع، وإنما تتطلب شيئاً آخر غير الإشباع، وبيان ذلك في أنه لا يمكن الشبع إلا بإحدى حالتين:

1-             توقف قدرة الإنسان على الإشباع، كمن يأكل حتى لا يبقى لديه قدرة ليأكل أكثر مما أكل.

2-             تسيير السلوك في الإشباع أو عدم الإشباع بحسب ما يقتضيه الحل الصحيح للعقدة الكبرى، فسواء تحقق الإشباع أم لم يتحقق فإن الرضا يتحقق عند الإنسان.

ونوضح أكثر بمثال آخر:

يسعى الإنسان لأن يمتلك مالاً، ويجدّ ويكدّ وينفق ليله ونهاره، وحين يمتلك هذا المال فإنه يحس بمتعة الحصول عليه وامتلاكه أول ما يحصل عليه، ولكن بعد ذلك يثور لديه إحساس يدفعه لأن يسأل نفسه: وماذا بعد؟ أو بالعامية: وبعدين؟ وهذه الحالة يجدها كل إنسان لم يحلّ العقدة الكبرى حلاً عقلياً صحيحاً، ودون ربط الإشباع بحل العقدة الكبرى، لارتباط الإشباعات عند الإنسان بما بعد الحياة الدنيا.

 ويمكن أن نسميها بـ (البعدية) أو (البعدينية) التي تسبب الشقاء للإنسان، سواء أشبع أم لم يشبع، أشبع بشكل خاطئ، أم بشكل شاذّ، حتى لو أشبع إشباعاً صحيحاً دون ربطه بحل العقدة الكبرى لديه فإنه يحسّ بالإحساس نفسه.

ولذلك فإن الإشباعَ الوحيدَ المؤدّي إلى الاستقرار والرضا والطمأنينة لا يمكن أن يكونَ إلا بتحقيق الأمور الثلاثة التالية:

-الإشباع على هيئة معينة وكيفية معينة، وهو أن يكون بحسب أوامر اللهِ ونواهيه.

-ربط الإشباع على هذه الهيئة والكيفية بحلِّ العقدةِ الكبرى، وتمثّل أنّ هذا الإشباع بهذه الكيفية هو ما انبثق عن حل العقدة الكبرى.

-تمثُّل الغايةِ من الإشباع على هذه الهيئة وهذه الكيفية، وكون الغاية تحقيق رضوان اللهِ.

بهذه الأمور الثلاثة تتحقق الطمأنينة، ويتحقق الرضا النفسي المستمر عند الإنسان، ويتحقق هذا في حالتي الإنسان: الإشباع، وعدم الإشباع، فهو يحقق الرضا والطمأنينة حتى لو لم يشبع، كالصائم الذي يمتنع عن طعامه وشرابه، ويقرصُه الجوع، لكنه راض تمام الرضا، ومطمئنٌ كامل الطمأنينة، لأنه يسير إشباعه وعدم إشباعه بحسب أمر الله ونهيه، ويربط هذا الإشباع أو عدم الإشباع بحل العقدة الكبرى لديه، ويتمثلُ الغايةَ التي أشبع أو لم يشبع من أجلها، فيحقق رضوان الله تعالى، ويحقق الطمأنينة والرضا.

وعليه فلا بد من نظام كامل للإشباع، لإشباع الحاجات العضوية، ومظاهر الغرائز لدى الإنسان، نظام منبثق من حلّ العقدة الكبرى، يعطي صاحب هذا الحل كيفية محددة لإشباع كل حاجة وكل مظهر من مظاهر الغرائز لديه، فتنحلّ كل العقد الصغرى عنده.

كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.