العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة السادسة والعشرون
العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة السادسة والعشرون

عاشراً: عقدة النقص، (النقص العام) أو الشعور بالدونية (النقص الخاص) ونبدأ بجانبها العام، لأن حلَّ العقدةِ من جانبها العام يحلُّها من جانبها الخاص، والجانب العام لعقدة النقص آتٍ مما فُطِرَ عليه الإنسان من الإحساس بالمحدودية في كل شيء، والعجز النسبي في كلِّ شيء، والنقص النسبيِّ في كل شيء، والاحتياج، فهذه السمات الأربع في الإنسان تجعلُهُ يُحِسُّ بالنقص، ويندفع تلقائياً وبغير شعور لأن يُخْفِيَ هذا النقص، ولكنه بإخفائه يخفيه عن غيرِهِ، ولا يُخْفيه عن نفسِهِ، فالإحساس يبقى موجوداً، لأنه فطريٌّ في كل إنسان، وهو مظهر من مظاهر غريزة التديّن عند كل واحدٍ من البشر.

0:00 0:00
السرعة:
April 25, 2025

العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة السادسة والعشرون

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

الحلقة السادسة والعشرون

عاشراً: عقدة النقص، (النقص العام) أو الشعور بالدونية (النقص الخاص)

ونبدأ بجانبها العام، لأن حلَّ العقدةِ من جانبها العام يحلُّها من جانبها الخاص، والجانب العام لعقدة النقص آتٍ مما فُطِرَ عليه الإنسان من الإحساس بالمحدودية في كل شيء، والعجز النسبي في كلِّ شيء، والنقص النسبيِّ في كل شيء، والاحتياج، فهذه السمات الأربع في الإنسان تجعلُهُ يُحِسُّ بالنقص، ويندفع تلقائياً وبغير شعور لأن يُخْفِيَ هذا النقص، ولكنه بإخفائه يخفيه عن غيرِهِ، ولا يُخْفيه عن نفسِهِ، فالإحساس يبقى موجوداً، لأنه فطريٌّ في كل إنسان، وهو مظهر من مظاهر غريزة التديّن عند كل واحدٍ من البشر.

والمفروض في هذا الإحساس، الإحساس بالنقص أن يدفعَ الإنسانَ للجوء إلى خالقِهِ سبحانه، الذي لا يعتريه النقص، ولا العجز، ولا المحدوديةُ، ولا الاحتياج، لأنّ الإنسانَ بما أوتي من قدرات وخواص يحسُّ عجزَهُ عن تغطية نقصه، وسدِّ حاجاته بدون خالقِهِ سبحانه، فهو الذي خلقه من العدم، وسوّاه في أحسن تقويم، وهداه لما يصلحه، وهو الذي قدّرَ له رزقه، وبغيرِهِ سبحانه لا يستطيع الإنسانُ تحقيقَ شيءٍ، وانظر إلى مئات الآياتِ التي يمنُّ الله سبحانه فيها على عبادِهِ بما سَخَّرَه لهم مما حولهم من السموات والأرض، فمنها يأكلون، ومنها يشربون، ومنها يلبسون، وعليها يمشون ويقعدون وينامون، ومنها يستخرجون ما يحتاجونه من موادَّ للصناعة، وحجارةٍ للبناء، ومنها تأكل أنعامهم وعليها تعيش، فلا بدّ أن يدركَ الإنسانُ أنه مهما أوتي من عقل وفكر وتدبير وتفكير وتخطيط، فإنه مقيَّدٌ في هذه الحياة بسننِ الكون وقوانينه، ومقيَّدٌ بخواصه وقدراته المحدودة، لا يستطيع تجاوزها، فالحلُّ الصحيحُ، هو حلُّ العقدة الكبرى التي تربط الإنسانَ بخالقِهِ، ليعقِدَ معه الصلات التي يقتضيها حلُّ العقدة الكبرى: صلة الخلق والإيجاد من العدم، وصلة البعث والنشور، والثواب والعقاب، والأوامر والنواهي، ويحمل ما اقتضاه هذا الحل من مفاهيم تسدُّ نقصه وعجزَه ومحدوديتَه واحتياجَه.

وأهمُّ هذه المفاهيم التي تتعلَّقُ تعلُّقاً شديداً بعقدة النقصِ عند الإنسان مفهومُ التوكُّل على الله، به يَسُدُّ الإنسانُ نقصَهُ، ولكن كيف ذلك؟

التوكُّلُ في اللغة يعني الاعتماد على الغير، أما التوكل على الله فهو الاعتماد الكليُّ على الله تعالى، واليقين التامُّ بأنَّ الله سبحانه هو وحده الخالق الرازق الهادي مدبرُ شؤون الكون، صغيرِها وكبيرِها، وهو تعالى خالق الكون والإنسان، وخالقٌ فيهما الخواص، ومقدّرٌ فيهما الأسباب، فكل شيء بيدِ الله تعالى، وأنه لا يعمل قانونٌ في الكون، ولا يمضي سببٌ إلى نتيجته إلا بإذن الله تعالى، ولذلك على الإنسان أن يوقنَ أنه لا تتحققُ نتيجةٌ، أيةُ نتيجةٍ، صغرت أم كبرت، لا تتحققُ إلا بإرادةِ اللهِ، وبعلمِهِ، وبإذنِهِ، فعنده وحده يُطلَبُ تحقيقُ النتائج، ويوقنُ الإنسانُ أنَّ ما حققه ويحققه ليس بإرادته وحده، فلو شاء الله لما حققَ أحدٌ شيئاً، ولا أنتجَ أيُّ سببٍ أيةَ نتيجة، ولكن الله سبحانه شاء ذلك وأراده، إذن ما يتمُّ تحقيقُه على أيدينا إنما هو بإذن الله وعلمِهِ وإرادتِه.

والإنسانُ ضعيفٌ بطبعِهِ، يقول الله سبحانَه وتعالى: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا)، ضعيفٌ بفطرتِهِ التي فُطِرَ عليها، ولا يسدُّ ضعفَه هذا إلا خالقُهُ سبحانه، فهو ضعيف بذاته ونفسه، لكنه قويٌّ بالله. عاجزٌ بطبعه لكنه قادرٌ بالله، فقيرٌ بطبعه لكنه مستغنٍ بالله، ناقصٌ بطبعِه يكتملُ بالله، محدودٌ بطبعِهِ قادرٌ بالله.

هنا تأتي قيمةُ التوكل على الله، وقد رأينا ذلك في فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بتوكلها على الله، ورأينا الضعيف صارَ قوياً بالله، والفقير صار غنياً بالله.

وخواصُّ الإنسانِ وقدراتُهُ المجبولُ عليها هي من باب القضاء والقدر، أيْ مما وقعَ على الإنسانِ ووجِدَ الإنسانُ عليه رغماً عنه، ولا يملك له تغييراً، أو ردّاً، فهو مفطور أن يأكل، ولا يستطيع مخالفة ذلك، ومفطور أن ينام، ومفطور وفيه قابلية المرض والعجز والهرم، ولا يستطيع مخالفة ذلك، ومقيّدٌ قدراته كلها، فهو يمشي لحد معين، ويقف لحد معين، ويقعد لحد معين، ويأكل لحد معين، وهكذا في كل شيء من خواصه وقدراته، ولا يستطيع الإنسان بنفسه أن يغطيّ أية حاجة من حاجاته، ولا يستطيع أن يسدّ عجزَه، أو احتياجه، ولا يستطيع أن يتجاوز محدوديتَه.

ولكنه بحل العقدة الكبرى الحلَّ الصحيح، بعقيدة الإسلام، يرضى أولاً لحاله الذي هو عليه، ويسلّمُ راضياً مطمئناً على أن هذا الحال هو الخير له، فلا يشكّلُ له عقدة.

وكذلك بمفهوم التوكّل يستطيع تجاوزَ قدراتِه، فيحقق بالتوكل على الله والاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، والصبر على ذلك، والاحتساب عند الله، يحقق بكل ذلك ما لا يحققه غيره، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة.

كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.