العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة التاسعة والعشرون
العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة التاسعة والعشرون

  ثاني عشَرَ: عقدة التوفير إنَّ مما ابْتُلِيَ به الناس في هذا الزمان، بسبب النظام الرأسمالي العفن، المطبق في العالم، هو عقدةَ التوفير، وفقدانَ القناعة بما يتيسر، وانعدامَ الرضا بالمقسوم، فالكلُّ يريدُ أن يرفعَ من مستوى دخلِهِ، ويريد أن يكون دخلُهُ يزيد عن حاجاتِهِ كثيراً، ليدّخِرَ منه لقابل الأيام، وقد شاعَ بين الناس أمثلة تعزّزُ هذا المفهومَ الخاطئَ، من مثلِ قولهم: (خبي قرشَك الأبيض ليومك الأسود).

0:00 0:00
السرعة:
April 28, 2025

العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة التاسعة والعشرون

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

الحلقة التاسعة والعشرون

ثاني عشَرَ: عقدة التوفير

إنَّ مما ابْتُلِيَ به الناس في هذا الزمان، بسبب النظام الرأسمالي العفن، المطبق في العالم، هو عقدةَ التوفير، وفقدانَ القناعة بما يتيسر، وانعدامَ الرضا بالمقسوم، فالكلُّ يريدُ أن يرفعَ من مستوى دخلِهِ، ويريد أن يكون دخلُهُ يزيد عن حاجاتِهِ كثيراً، ليدّخِرَ منه لقابل الأيام، وقد شاعَ بين الناس أمثلة تعزّزُ هذا المفهومَ الخاطئَ، من مثلِ قولهم: (خبي قرشَك الأبيض ليومك الأسود).

لقد وقع كثير من أبناء المسلمين اليوم في هذه العقدة، حتى صار جمعُ المالِ وعَدَّه هدفاً وغايةً بحدِّ ذاته، بحيث صار يسبب لهم قلقاً واضطراباً، ولا يريدُ أحدٌ أن ينقصَ مالُه، فصارَ الهمُّ الأكبرُ عندَ الناس كيف يحصلونَ على المال، وكيف يزيدون مدّخراتهم، وكيف يحمونَها، وكيف يستثمرونها، وكأن غايةَ وجودِهم قد صارت المال فقط، وجعلوا من أنفسِهم عبيداً للمالِ، يجمعونه ويعدّدونه، ويحرسونه، حتى شكّلَ لهم همّاً إضافياً على همومِ حياتهم ومعيشتهم.

وقد ساهم النظام الرأسماليُّ العفنُ السائدُ في العالمِ اليوم في إيجادِ هذا المفهومِ وتثبيته لدى كثير من أبناء المسلمين، بما أوجدَهُ هذا النظامُ الفاسدُ من شركاتٍ مساهِمةٍ، ومؤسساتٍ ماليةٍ متعددة كالمصارف والبنوك وأسواق الأسهم والسندات، إضافة إلى المفاهيم الغربية التي تقدّس المال، وتتيح الحصول عليه بغض النظر عن حلال أو حرام، وتشجّع التوفير واستثمار المال بأية طريقة كانت. وزرعت في نفوس الناس الخوف على مستقبلهم، فدفعتهم لكي يدّخروا لمستقبلهم، ولنوائب الزمان، ولتعليم أبنائهم، وغير ذلك مما لا ينطبق تمام الانطباق مع الحلِّ الصحيح للعقدة الكبرى، فانساق الناس وراء هذه المفاهيم دون أن يدروا، فتشكّلت لديهم العُقَد، واستولت عليهم الهموم.

إن الحلَّ الصحيحَ للعقدة الكبرى بالعقيدة الإسلامية أعطى معتنقَه جملةً من المفاهيمِ والأحكام تجعلُهُ يحدّدُ موقفَه من مسألةِ المالِ وتوفيرِه وادّخاره، فمن هذه المفاهيم:

-أن المالَ مالُ الله، والإنسانُ مستخلَفٌ فيه، يسير فيه ومعه بحسب أوامر الله تعالى ونواهيه، قال الله سبحانه وتعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم  مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) فلا يحصُلُ على مالٍ إلا من حلالٍ، ولا ينفقُ إلا في مُباحٍ أو مندوبٍ أو واجبٍ، فلا ينفق في حرام، ولا يكسِبُ إلا من حلال بطرق الكسبِ التي بيّنَها الله سبحانَه وتعالى، وبهذا فالإنسانُ يسير في المال كسباً وإنفاقاً طالباً رضوانَ اللهِ تعالى، فلا يقلقُ إن فاتَه الحلال، ولا يستبدل به الحرام، ولا يأسى على ما فاتَه، ولا يفرَحُ بما أوتي، فتبقى مشاعرُهُ وأحاسيسُه متوازنة غيرَ مضطربةٍ ولا قلقة، وتهدأ دوافعُه المتعلقة بالمالِ فلا تثورُ إلا بما يتوافقُ مع مفاهيمِه المبنية والمنبثقة على الحلِّ الصحيح للعقدة الكبرى.

-حرّمَ الإسلامُ كنزَ المال، أي جمعَهُ وادّخارَه لغيرِ حاجةٍ، وتوعّدَ من يفعلُهُ بالعذابِ الشديدِ في جهنم، حيث يُحمَى عليها في نار جهنم، وتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورُهم، قال الله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ  تَكْنِزُونَ)، فالأصلُ في المسلمِ ألَّا يدّخِرَ المالَ ويوفِّرَه لغيرِ حاجةٍ محددة، كأنْ يريدَ أن يبنيَ بيتاً، أو يزوّجَ ولداً، أو يشتريَ شيئاً يحتاجُ لمبلغٍ كبير، وما أشبهه، وما عدا ذلك، أي أن يجمعَ المالَ لمجردِ التوفير، فلا يجوزُ، ولربما احتجّ بعضُ الناس بأن كنزَ المالِ محرمٌ إنْ لم تُؤَدَّ زكاتُه، والحقُّ أنَّ شرطَ الزكاةِ غيرُ مذكورٍ في الآيةِ التي حرَّمَت الكنزَ، بل المذكور هو الإنفاقُ في سبيل الله، والإنفاقُ في سبيل اللهِ أينما وردَ في القرآنِ الكريمِ إنما المقصودُ به الإنفاق على الجهاد، وليس أداء الزكاة، لأن واجب الأمة، بمجموعها وأفرادها أن تُعِدَّ للجهادِ العُدَّةَ اللازمة، وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يريد إعداد جيش، حيث كان يطلبُ من المسلمين أن يجهزوا الجيش من نفقاتهم، لأن الإنفاقَ على الجهادِ فرضٌ على كلِّ من يملكُ ما يزيد عن حاجته.

ويدلُّ أيضاً على عدم صحة اشتراط الزكاة في المال حتى يكون كنزاً ما روي أنه توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كَيَّة، قال: ثم توفي آخرُ، فوجدَ في مئزره ديناران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيتان. والدينار والديناران لا تجبُ فيهما الزكاة، ولا يبلغانِ نصابَها. ولكنّ الدينارَ والدينارَين لمن يزيدان عن حاجته يُعدّان كنزاً، وهؤلاء من أهل الصفة كان الناس يتصدقون عليهم، فاستحقّ صاحب الدينار الكَيَّةَ واستحق صاحب الدينارين الكيّتينِ.

كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.