العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الثامنة والثلاثون
العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الثامنة والثلاثون

  نواصل حديثنا مع عقدة الغرور: إن غيابَ المفاهيمِ الصحيحةِ عن الإنسانِ يجعلُه يرى نفسَه على غيرِ حقيقتِها، فيحسُّ بذاته، بل تتضخمُ ذاته لتصيرَ أكبرَ من حجمِها الطبيعي، حجمُها الطبيعي أنها مخلوقةٌ لله تعالى، تدينُ له بالعبودية، وتمتثل أوامرَ الله تعالى ونواهيَه، وتدركُ أنَّ كلَّ ما أوتيتْهُ إنما هو من عند الله، ومن كرمِ الله تعالى، ومن فضله عليها، ومن نعمِهِ عليها، وتدركُ أنها لا تملك شيئاً من النفعِ والضرِّ، لا لنفسها ولا لغيرها، هذا الرسولُ الذي اصطفاهُ اللهُ سبحانه وتعالى واختاره يأمرُه الله تعالى أن يقول: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، فإن كان الرسولُ لا يملك لنفسه شيئاً إلا بإذن الله، وهو من هو عندَ الله تعالى، فما بالُنا بأنفسنا؟

0:00 0:00
السرعة:
May 07, 2025

العقدة الكبرى والعقد الصغرى - الحلقة الثامنة والثلاثون

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

الحلقة الثامنة والثلاثون

نواصل حديثنا مع عقدة الغرور:

إن غيابَ المفاهيمِ الصحيحةِ عن الإنسانِ يجعلُه يرى نفسَه على غيرِ حقيقتِها، فيحسُّ بذاته، بل تتضخمُ ذاته لتصيرَ أكبرَ من حجمِها الطبيعي، حجمُها الطبيعي أنها مخلوقةٌ لله تعالى، تدينُ له بالعبودية، وتمتثل أوامرَ الله تعالى ونواهيَه، وتدركُ أنَّ كلَّ ما أوتيتْهُ إنما هو من عند الله، ومن كرمِ الله تعالى، ومن فضله عليها، ومن نعمِهِ عليها، وتدركُ أنها لا تملك شيئاً من النفعِ والضرِّ، لا لنفسها ولا لغيرها، هذا الرسولُ الذي اصطفاهُ اللهُ سبحانه وتعالى واختاره يأمرُه الله تعالى أن يقول: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلَّا مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، فإن كان الرسولُ لا يملك لنفسه شيئاً إلا بإذن الله، وهو من هو عندَ الله تعالى، فما بالُنا بأنفسنا؟

المفاهيم الصحيحةُ المنبثقةُ من الحلِّ الصحيحِ للعقدةِ الكبرى –العقيدة الإسلامية- يقضيْ أن يعرفَ الإنسانُ قدرَه فلا يتجاوزَهُ، وعليه أن يدركَ أنه واحدٌ من عبيدِ اللهِ المخلوقين الضعفاء الفقراء، فمهما اغتنى فإنه لا يستغني عن الله، ومهما أوتي من علم فلن يستغني عن الله، ومهما صارَ قوياً فإنّه بالله ومن الله أوتي هذه القوة، فلا يتكبّرُ على عباد الله، ولا يرى نفسه فوقهم.

وليتصوّر المتكبر نفسه قبل أن يولَدَ وحين ولادته؟ وليتصور نفسه بعد موته، وليرَ الدودَ يرتعُ في بدنِه.

حرّمَت العقيدةُ الإسلاميةُ الكِبرَ والغرورَ، وجعلت عاقبتَه الذلَّ والهوان والصغارَ يوم القيامة، فالمتكبرون يحشرونَ كالذرّ في صور الرجال، يطؤهم الناس بأقدامهم، ثم تكون جهنمُّ مثواهم، يقول الله سبحانه وتعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ)، ويقول أيضاً: (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ).

والله سبحانَه، المستحقُّ وحدَه للكبرياء، فهو المالك الحقيقيُّ لكلِّ شيءٍ، وهو القادرُ على كل شيءٍ، وهو الغنيُّ، وهو المحيطُ علمُه بكل شيءٍ، فكيفَ لهذا المخلوقِ الضعيف أن ينازعَ اللهَ سبحانَه وتعالى الكبرياء؟ قال الله سبحانه: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

والمتكبرُ يُطبَعُ على قلبِهِ، فلا يعودُ يبصرُ، ولا يعودُ يسمعُ، ولا يعودُ يفقَه، فيفقدُ البصرَ والبصيرةَ، وتنسدُّ في وجهِه أبوابُ الهدايةِ ما دامَ متكبراً، يقول الله سبحانه وتعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ).

والمتكبرُ محرومٌ من دخولِ الجنة، روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ حبةٍ من خردلٍ من كبرٍ).

ومن ابتغى أن يرتفعَ قدرُه في الدنيا والآخرة فعليه بالتواضع، فقد روى مسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).

وإبليسُ أولُ من استكبرَ، أُمِرَ بالسجودِ لآدمَ فاستعظمَ ذلك، وقال إنه خيرٌ من آدمَ، خلقَ من نارٍ وآدمُ خلقَ من طين، فرأى أن النارَ خيرٌ من الطينِ، فاستكبر عن أمرِ الله، فاستحقَّ غضبَ اللهِ ولعنتَه، وطردَ من الجنةِ، ثم أنظرَهُ الله تعالى إلى يوم القيامةِ، لينالَ جزاءَه في جهنمّ. فالموقف الصحيح أن يمتثلَ العبدُ لأمرِ اللهِ تعالى، دونَ أن يُعِمِلَ عقلَه في واقع الأمرِ، لأنَّ الأمرَ إن صدرَ من صاحبِ الأمرِ فإنّه لا يحتملُ إلا التنفيذ، ولا يحتملُ المناقشةَ أو الردَ والرفض. لكنه الكبرُ الذي أعمى بصرَه وبصيرتَه، فأحلّه دارَ البوارِ، وبئس المصير.

فالعقيدة الإسلاميةُ- التي هي الحلُّ الصحيحُ للعقدةِ الكبرى- وضعت الإنسانَ موضعَه الصحيحَ الذي لا يجوزُ له أن يتجاوزَه، فإن فعلَ فقد ظلم نفسَهُ وأوردَها مواردَ الردى، وأرداها في الحضيض، ومن وضعَ نفسَه موضعَها الصحيح بالتواضعِ أعزّه الله تعالى، ورفعَ قدرَه في الدنيا والآخرة.

كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد - الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.