الديمقراطية الخديعة
April 23, 2012

الديمقراطية الخديعة

من المفهوم أن يروِّج لهذه الديمقراطية العلمانيون ومن شايعهم، لكن أن يروج لها بعض الإسلاميين فيسوقونها لنا بطريقة مخادعة، ويقزّمون الموضوع إلى درجة تصوير الديمقراطية أنها مجرد الحرية في اختيار الحاكم من خلال صناديق الاقتراع، فإنه لأمر غريب عجيب!
والحقيقة أن الديمقراطية هي فكرة ناتجة عن تصور كلي عن الحياة والكون والإنسان، ناجم عن حضارة تختلف اختلافاً جذرياً عن حضارة الإسلام. فالحضارة الغربية تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وإذا فُصل الدين عن الدولة، فمن الذي ينظم المجتمع والدولة بالأنظمة والأحكام والقوانين؟ إنه الشعب حسب إدعاء هذا المبدأ.
بينما في الإسلام فإن الحاكم والمشرِّع هو الله سبحانه وتعالى، والأمة هي صاحبة السلطان فقط، فقد أعطاها الشارع الكريم الحق في اختيار الحاكم، ولذلك كان عقد الخلافة عقد رضى واختيار، والخليفة نائب عن الأمة في تطبيق الإسلام، فلا الأمة، ولا الحاكم، ولا مجلس الأمة، له الحق في التشريع فضلاً أن يملك القدرة على ذلك.
وحتى نبين ذلك لا بد من إبراز نقاط عدة:
1) لا حكم قبل ورود الشرع:
لقد قرر الشرع الحنيف أن الحاكم هو الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فإن مصدر الأحكام هو الوحي المنزل على سيدنا محمد، قال تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ}، وقال تعالى: {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ}.
فكل حكم غير حكم الله هو طاغوت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاَ بَعِيدًا}.
وطريق معرفة حكم الله هو الوحي المنزل على نبيه، ولذلك كان أهل الفترة ناجين؛ وأهل الفترة هم الناس الذين عاشوا بين فترة ضياع رسالة أو تحريفها، ومجيء رسالة جديدة، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}.
فالذي يريد أن يسوق الديمقراطية لنا اليوم، كمن يدعي أن لا حكم لله، إما رفضاً لهذا الحكم وادعاءً أن عقولنا أقدر على الحكم من الله -والعياذ بالله- أو أننا من أهل الفترة، والادعاءان باطلان.
فالعقل لا حكم له، لأنه لا يملك الأدوات اللازمة للحكم، والادعاء بإعطاء الحكم للعقل هو ادعاء باطل؛ لأن الذي يحكم هنا هو الهوى، والميول، واتّباع المصالح.
والادعاء الثاني باطل أيضاً، لأن النبي هو خاتم النبيين، ورسالته هي خاتمة الرسالات السماوية، والتي تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها من التبديل والتحريف.
إذاً فالديمقراطية تعطي الشعب حقَّ التشريع، والإسلام يعطي هذا الحق لله وحده سبحانه وتعالى، وشتان بين الأمرين، فالأول كفر والثاني إيمان.
2) آليات اختيار الحاكم في الإسلام:
الذين يحصرون الديمقراطية في اختيار الحاكم من خلال صناديق الاقتراع يقزمون الموضوع ويتقزّمون معه.
فالديمقراطية -كما قلنا- تعطي حق التشريع للشعب، وتعزل الدين في الزاوية أو المسجد، والحديث عن الاستفادة من آليات اختيار الحاكم في الديمقراطية تلاعبٌ بالألفاظ وخروج عن أساس الموضوع، وهذا لا ينطلي على أصحاب الفكر المستنير.
فالإسلام ليس خالياً من هذه الآليات...
1- فقد تم اختيار أبي بكر الصديق خليفةً للمسلمين من خلال أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة، ثم ما لبثت الأمة أن بايعته رضي الله عنه في اليوم الثاني في المسجد بيعة الطاعة.
2- أما الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد رشحه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بعد أن أنابته الأمة عنها ووكلته بذلك ورضيت باختياره لعمر وبايعته.
3- أما في بيعة عثمان رضي الله عنه؛ فإن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أخذ رأي المسلمين في المدينة ولم يقتصر على سؤال أهل الحل والعقد.
4- وفي تولية علي بن أبي طالب رضي الله عنه اكتُفِيَ ببيعة أكثر أهل المدينة وأهل الكوفة وأُفْرِدَ هو بالبيعة، فلم يكن أحد يضاهيه في العلم والتقوى والقرب من الرسول صلى الله عليه و سلم .
إذاً فإن ما يسميه بعضهم بـ "الآليات" إنما هي مجرد إجراءات عملية تتم بها عملية تنصيب الخليفة قبل أن يُبايَع، وهي مما يجوز أن تأخذ أشكالاً مختلفة، كما حصل مع الخلفاء الراشدين، إذ لم يُلتزم معهم شكلٌ واحد معيّن، وصندوق الاقتراع هو إجراء عملي لاختيار الخليفة من بين عدد من المرشحين لهذا المنصب، والعمل به ليس مدعاةً لتبني الديمقراطية وإيهام الأمة أن الديمقراطية "بضاعتنا رُدّت إلينا"!
3) الفرق بين الحضارة والمدنية:
كثير من الذين يطالبوننا بأخذ الديمقراطية لا يفرّقون بين الحضارة والمدنية، أو بمعنى آخر لا يفرقون بين ما لا يجب أخذه، وما يجوز أخذه من غير المسلمين، فتراهم يلوون شفاههم بغيظ، قائلين لمن يرفض الديمقراطية: إنكم تستعملون كل أدوات الغرب من التلفاز والكمبيوتر والإنترنت والأسلحة وحتى الملابس فلماذا ترفضون الديمقراطية؟!
وهؤلاء من الذين صدق فيهم قول رسول الله: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى إذا دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، قيل: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟!).
إن الديمقراطية ليست شكلاً مدنياً -كالطائرة والصاروخ والإنترنت- لا يخضع لوجهة النظر في الحياة حتى يجوز للمسلمين أخذه من أيٍّ كان بغض النظر عن عقيدته، بل هي نتاج لوجهة نظر معينة تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة.
4) إشكالية الاصطلاح والتعاريف:
لفظ الديمقراطية اصطلاح غربي، يعني إعطاءَ حق التشريع للشعب وحصره فيه. ولهذا المعنى مجموعة من التوابع، فنقول:
- في الديمقراطية للناس الحرية في اختيار الحاكم.
- في الديمقراطية تجري انتخابات حرة لاختيار أحد المرشحين لمنصب ما.
- في الديمقراطية يُحاسب الحاكم من خلال مجلس منتخب.
فالقول بأخذ أو استعارة جزئية من الديمقراطية -كهذه التي ذكرناها- قول مشدود للانبهار باللفظ أكثر من الفكرة، ولا يتفق مع منهج الإسلام؛ لأنه لا مجال لأخذ ما لا يجوز أخذه حين توفر اللفظ الصحيح للفكرة الصحيحة، وهذا يشكل خروجاً عن المعنى الذي وُضع اللفظ لأجله، وهو تعريف ليس جامعاً ولا مانعاً، فهو لم يجمع كل ما هو داخل في التعريف، ولم يمنع ما هو خارج عنه من الدخول فيه.
وبالتالي فإن الديمقراطية ليست هي كما يقول البعض "التعبير العصري عما نسميه بلغة الفقه والثقافة الإسلامية بالشورى"، وكأن المبدأ الإسلامي قاصر عن وضع المصطلح الصحيح، عدا عن كون اللفظ المستعار منافياً لمعنى الشورى.
فالشورى هي حكم شرعي له تفصيلات تتعلق بتنظيم عملية أخذ الرأي في الدولة الإسلامية، وأما الديمقراطية فهي حكم بشري يتعلق بإعطاء الشعب حقَّ التشريع، وفي ظلها يتاح للملحد أن يدعو إلى إلحاده، وللعلماني أن يعلن أن الإسلام غير صالح للعصر، وأن القرآن كتاب بشري يمكن نقده... إلى غير ذلك من دعوات الكفر والإلحاد!!
5) بيان الكذب والخداع في مصطلح الديمقراطية:
القول بأن الديمقراطية هي حكم الشعب، هو أكبر كذبة في العالم.
ففي هذا القول تضليل وخداع، فحتى في أعرق الديمقراطيات في العالم، فإن رؤساء الدول، وأعضاء البرلمانات، ورؤساء الحكومات، إنما يمثلون أصحاب رؤوس الأموال الذين يدفعون المبالغ الطائلة لإيصالهم إلى الحكم لتأمين مصالحهم.
فهل تداول السلطة في ظل النظام الديمقراطي يعني انحصار هذه السلطة في حزبين فقط هما "الحزب الجمهوري" و"الحزب الديمقراطي" في أمريكا، أو "حزب المحافظين" و"حزب العمال" في بريطانيا؟!
إنها صورة مبتدَعة لحكم القبيلة أو العشيرة أو الأسرة المالكة.
6) بيان فساد فكرة المطالبة بالحرية قبل المطالبة بتطبيق الإسلام:
إن الأنظمة العميلة في العالم الإسلامي هي أنظمة عدوة للإسلام، تعمل جاهدة بالتعاون والانصياع للغرب الكافر للقضاء على الإسلام.
والذي يجب أن يدركه أصحاب هذه الأطروحات؛ أن هكذا أنظمة لن تعطي الدعاة إلى الإسلام الحرية في دعوتهم مهما طمأنوا الكافر، ومهما تنازلوا عن بعض دينهم، ومهما حاولوا إرضاء الكفار، قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة 120].
فهذه "جبهة الإنقاذ" في الجزائر، كانت على وشك أخذ الحكم بشكل "ديمقراطي" عن طريق صناديق الاقتراع، فتدخّل الجيش وانقلب على الديمقراطية وألغى الانتخابات، وحظَر "جبهة الإنقاذ"، وأودع قادتها في السجون. وأيضا ما حصل مع حماس ليس عنا ببعيد. وها نحن نرى مهزلة الديمقراطية في مصر، في موضوع اختيار الهيئة التأسيسية للدستور، وموضوع الانتخابات الرئاسية، وإصرار دعاة العلمانية في مصر على أن يتم حسم الأمر بعيدا عن الإسلام وأحكامه، برغم أن الأغلبية الساحقة في البرلمان هي للإسلاميين.
ثم على من يطالب بالحرية ويصرّ عليها قبل أن يطالب بتطبيق الإسلام؛ أن يبين لنا ما العمل إذا مُنع من هذه الحرية؟!
7) ليس معنى رفض الديمقراطية المطالبة بالدكتاتورية:
إذا لم تكن ديمقراطياً فأنت دكتاتوري!
إذا لم تكن رأسمالياً فأنت اشتراكي!
إذا لم تطالب بالحرية فأنت نصير الاستبداد!
فأنت دائماً محصور بين خيارين، ولا مناص لك في خيار ثالث!
أنا لست ديمقراطياً، ولست دكتاتورياً، ولا يمكن أن أكون رأسمالياً، أو اشتراكياً، وأنا ضد الحرية بالمفهوم الغربي، وضد الاستبداد.
أنا مسلم، والإسلام هو الأصل وليس البديل، والحاكم في الإسلام ليس دكتاتورياً، بل هو مقيد بالأحكام الشرعية، وهو منصّب لتنفيذ الشرع، ولا يملك إلا أن يُسَيِّر أعماله حسب الأحكام الشرعية، كما أن طاعته واجبة، إلا أن يأمر بمعصية، فلا طاعة له فيها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يُؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).
ومحاسبته فرض على الأمة، كما يجب الخروج عليه إذا أظهر الكفر البواح.
ومن المساوىء البارزة في النظام الديمقراطي أنه إذا لم يكن في البلد أحزابٌ كبيرة يمكنها أن تحصل على الأغلبية المطلقة في البرلمان، فإنهم يلجئون في هذه الحالة إلى ما يسمى بالحكومة الائتلافية، تتفق فيها عدة أحزاب على تشكيل ائتلاف حكومي فيما بينها، ويتوافقون على برنامج حكومي ويقسمون المناصب الوزارية فيما بينهم، ويبقى الحكم في هذا البلد غيرَ مستقر وتبقى الحكومة مهددةً دائما بسحب الثقة منها. وهذا هو المشاهد المحسوس في بلدان أوروبية كثيرة، مثل بلجيكا واليونان وإيطاليا وهولندا، وقد تبقى المساومة بين الأحزاب قائمة، وقد تتحكم الأحزاب الصغيرة في الأحزاب الأخرى التي تعرض عليها المشاركة في تشكيل الحكومة فتفرض عليها شروطا صعبة لتحقيق مصالحها الخاصة.
إن الديمقراطية بمعناها الحقيقي هي فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق، فالادعاء بأنها حكم الأغلبية مناقض للواقع، فالذي يضع الدستور هم مجموعة من القانونيين والسياسيين، وإن القول بأن هذا الدستور لا يُقَرُّ إلا بعد الاستفتاء الشعبي مردود من عدة نواح:
1- يتشكل الدستور من مجموعة مواد فيها مسائل معقدة لا يدركها إلا أهل الاختصاص، وبالتالي فإن الموافقة أو الاعتراض من باقي الشعب ممن هم ليسوا من أهل الاختصاص لا قيمة له.
2- إذا أُقِرَّت الوثيقة أو التعديلات الدستورية لكون الموافِق عليها أكثرَ من المعترض، فهذا يعني أن هناك فئةً كبيرة من الشعب قد تصل إلى الثلث أو النصف ناقص واحد لم توافق على الوثيقة.
3- إن فئة عمرية قد تشكل 25% من الشعب، وهم فئة الشباب الذين هم دون السنّ القانوني المصرح له بالانتخاب، لا تؤخذ أصواتهم وبالتالي لا يُلتفت إليها في الاستفتاء.
4- كما إن موافقة الموافِق لا تعني موافقةً حقيقية في ظل ضغوط من أطراف خارجية أو تأثير الآلة الإعلامية في تشكيل الرأي العام.
5- إقرارُ دستورٍ ما في فترة ما هو إقرار أغلبية الشعب الموجود في هذه الفترة، لكن بعد جيل أو جيلين يكون الذين صوتوا لصالح هذا الدستور تحت التراب!
6- إن الديمقراطية الحقيقية كما يشهد لها الواقع، هي حكم الأقلية الغنيّة المنظمة التي تتوفر لها القدرة على التحكم في الموارد الطبيعية ومصادر الثروة والقوة. حتى في أعرق الديمقراطيات كأمريكا وبريطانيا، فإن رؤساء الدول وأعضاء البرلمانات يمثلون إرادة الرأسماليين من رجال الأعمال وكبار الملاك. ولذلك فإن التشريعات التى تُسنّ والقرارت التي تَصدر تكون آخذة بعين الاعتبار مصالح هؤلاء الرأسماليين بالدرجة الأولى، ولا تلتفت إلى مصالح باقي فئات الشعب إلا بالقدر الذي يضمن سكوتهم وعدمَ خروجهم على الدولة والنظام، فهل هناك بعد كل هذا خديعة أكبر من تلك "الديمقراطية الخديعة"؟


شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر

المزيد من القسم null

دولة الخلافة ليست دولة مدنية ولا دولة دينية بل دولة إسلامية


يسود في هذه الأيام سجال بين التيارات الفكرية المختلفة وعلى رأسها الإسلامية، حول ما هي طبيعة الدولة التي يجب ان تحكم المجتمعات الإسلامية، هل هي دولة مدنية أو دولة دينية، ولأن المسألة أصبحت محسومة عند كثير من التيارات وخاصة الإسلامية، كان لابد من توضيح ماهية هذه المصطلحات، وتوضيح واقع الدولة الإسلامية، هل هي دينية أم مدنية؟ وحتى لا نطيل في بحث هذا الموضوع سوف أركز على أهم النقاط.


أولا: هذه المصطلحات واعني هنا مصطلح الدولة الدينية والدولة المدنية، لا تعنينا نحن المسلمين، لأنها مصطلحات غربية تخص غير المسلمين، فالدولة الدينية هي الدولة الكهنوتية أو الثيوقراطية، والتي كانت موجودة في اوروبا في العصور الوسطى عصور الظلام بالنسبة للغرب، وكان يحكمها الباباوات باسم الحق الإلهي او التفويض الإلهي، اذ كان هؤلاء الباباوات يعتبرون أنفسهم متصلين مباشرة مع الإله دون واسطة، لذلك انتشر الجهل والفقر والظلم والحرمان في المجتمعات التي حكمتها الكنيسة لقرون طويلة، وبقيت كذلك إلى أن قامت الثورات وفصلت الدين عن الحياة، وأوجدت عقيدة الحل الوسط بين رجال الدين ورجال السياسة، فأوجدت السلطة الروحية المتمثلة برجال الدين، ومكانهم في الكنيسة، وأوجدت السلطة الزمنية لرجال السياسة ومكانهم في الحكم والدولة، ومن هنا وجد ما يسمى بالدولة العلمانية التي تقصي الدين عن الحياة، وتقوم على فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، هذا باختصار شديد مفهوم الدولة الدينية والدولة العلمانية، ولأن كلمة العلمانية قد ارتبطت في أذهان المسلمين بالكفر والزندقة، فقد استخدم بعض مفكري التيارات غير الإسلامية في البلاد الإسلامية بدلا عنها مصطلح الدولة المدنية، كي يكون أكثر قبولا من العلمانية، وقد انطلى هذا التحايل على كثير من رواد الحركات والأحزاب والجماعات الإسلامية، الى أن وصل الأمر في بعض هذه الحركات إلى تبني هذا المصطلح، والذي هو في الأساس يقابل عسكرة الدولة أي الدولة التي يقودها العسكر، فالدولة التي تحكم من قبل الجنرالات تسمى دولة عسكرية، والدولة التي تحكم من قبل رجال السياسة المدنيين تسمى دولة مدنية، لكن هؤلاء قد محوروا هذا المعني إلى معنى الدولة العلمانية اللادينية، وبهذا يتبين لنا أن هذه المصطلحات غير موجودة في القاموس الإسلامي، ولم تستخدم من قبل حكام المسلمين الذين حكموا بالإسلام طوال ثلاثة عشر قرنا.


ثانيا: دولة الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين في الدنيا، حكامها بشر؛ يحكمون فيها بشرا مثلَهم، ويطبقون فيها أنظمة وقوانين معدة للتطبيق على البشر، تشتمل احكاما عامة تطبق على كل من يحمل تابعية الدولة دون تمييز، بغض النظر عن الدين او اللون او اللغة او غير ذلك، لكن الفرق بينها وبين الأنظمة والقوانين في الدول الأخرى، أنّ هذه الأنظمة والقوانين والأحكام مأخوذة من الكتاب والسنة وما أرشدا اليهما من إجماع صحابة وقياس فقط، أي انها مأخوذة من عند رب البشر، والأنظمة والقوانين والأحكام عند غيرها من الدول مأخوذة من البشر.


ثالثا: المسلمون ملزمون بأخذ الإسلام كاملا، ومعلوم أنّ الإسلام هو عقيدة ينبثق عنها أنظمة تشمل جميع مناحي الحياة والدولة والمجتمع، وتنظم علاقات الإنسان مع نفسه ومع ربه ومع غيره من بني البشر، ولا يجوز لهم أخذ الأنظمة والأحكام من غير الإسلام لقوله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ولقوله { أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وغيرها الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، فلا يجوز لنا أن نحكم بغير الإسلام بل لا يجوز لنا أن نأخذ بعضه ونترك بعضه لقوله تعالى: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ }، ومصادر هذه الأحكام هي الوحي.


رابعا: معلوم من الدين بالضرورة أنّ الكتاب والسنة هما من الوحي، فالكتاب لفظا ومعنى من الله، والسنة معنى لا لفظا من الله، ولم يقل احد أن السنة هي فقط الأقوال دون الأفعال، وإذا كان الأمر كذلك فيجب الالتزام بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ووجوب التأسي والإتباع له، لقوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وقوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر }، ورجاء الله واليوم الآخر هي قرينة على وجوب الإتباع، وقد كانت له أفعال وأقوال في الأحكام المتعلقة بالأفراد، وكانت له كذلك أفعال وأقوال في علاقات الحاكم - بصفته الدولة- مع الدول الأخرى ومع الأفراد، وله أقوال وأفعال متعلقة بالمعاونين والولاة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "... وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر" وأيضا من إرساله ولاة على الأمصار، كما أرسل معاذا وعليا، فكيف يصح أن يأخذ المسلمون بعض أحكامه ويتخلوا عن بعضها، يأخذون ما وافق هواهم ويتركون ما خالفه، { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ الله قد نهى نهيا جازما عن إتباع الهوى في التشريع، بقوله تعالى: { وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }، وكيف نفعل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذ شيء ليس من مطلق البشر فحسب، بل حتى من أهل الكتاب فقد روى الإمام أحمد : عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فغضب وقال: [ أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ] وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا قال: فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : [والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين] تفسير ابن كثير [ جزء 2 - صفحة 613، وكذلك لم ينقل أحد حتى برواية ضعيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عن الفرس أو الروم نظام حكمهم أو جزءا ولو يسيرا منهم، قال تعالى: { ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون }، فوصف أخذ غير أحكام الشريعة باتباع أهواء الذين لا يعلمون، وكذلك أمر في حالة التنازع بين الحكام والرعية برده إلى الله والرسول أي إلى الكتاب والسنة وليس الى أهواء البشر، قال تعالى: { يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر }، والحكام هم ولاة الأمر الشرعيين، وليسوا مغتصبي السلطة.


وفي المحصلة بماذا يصف من يطالب بالدولة المدنية من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوس الناس في الدولة، ويطبق فيها نظام حكم واقتصاد وسياسة خارجية وغيرها من الأنظمة؟! ومن هم ولاة الأمر الذين ذكروا في القرآن والسنة؟! وبماذا يسمون أبا بكر وعمر وعثمان وعلي عندما كانوا يحكمون الناس؟! فإذا كان هؤلاء ليسوا حكاما مسلمين فماذا يكونون إذن؟! وهل استطاعوا أن يوجدوا هم هذا النظام المتميز في الحكم والاقتصاد والسياسات المختلفة وغيرها؟! ما لهؤلاء الذين يفترون على الله الكذب لا يكادون يفقهون حديثا!!.


وكيف يقبل بشر أن يأخذ بتشريع بشر، ونحن نرى أن الثورات قامت على تشريعات البشر، فكيف يقبلون استبدالها بتشريعات بشر أيضا، { أفحكم الجاهلية يبغون } ومعلوم أن من يشرع من البشر يشرع حسب أهوائه ومصالحه، واتخاذ البشر مشرعين من دون الله هو اتخاذهم آلهة يعبدون من دون الله، كما قال تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله }، رُوِيَ عَنْ عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لِي: "يَا عُدَيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"، فَطَرَحْتُهُ ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأ:( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله(حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، قُلْتُ لَهُ : إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُم، فَقَالَ : " أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ " ؟ قَالَ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : " فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ "


والنتيجة أنّ العقيدة الإسلامية كما ينبثق عنها أحكام العبادات، ينبثق عنها أيضا نظام حكم ونظام اقتصاد ونظام سياسة خارجية وجميع أنظمة الحياة والدولة والمجتمع، طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم عمليا، في الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها في المدينة، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، واستمر هذا التطبيق لهذه الأنظمة في جميع عصور الدولة الإسلامية حتى إلغائها من قبل مجرم هذا العصر مصطفى كمال أتاتورك في مطلع القرن الماضي، وما حدث من بعض الإساءات في التطبيق لم يخرج الدولة عن كونها دولة إسلامية، بل بقيت تستمد أحكامها وأنظمتها وقوانينها من الإسلام، وكان الإسلام هو المصدر الوحيد للدولة الإسلامية في جميع تشريعاتها وأنظمتها وأحكامها، ولم يُنقل أن حكما واحدا أخذ من غير الإسلام، وها هي كتب الفقه وهي التي تمثل الثروة التشريعية للأمة الإسلامية والدولة الإسلامية زاخرة بالأحكام المستنبطة من أدلتها التفصيلية، ولمن أراد الإطلاع على تفاصيل أنظمة الحكم والاقتصاد وغيرها فعليه بالرجوع إلى كتب حزب التحرير التي أفرد لها كتبا خاصة بكل نظام، وضعها نتيجة استقراء واستنباط للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ومما ارشدا اليه من قياس وإجماع صحابة فقط، والسنة تشمل السنة القولية والسنة الفعلية وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حدد أربع قواعد للحكم هي:


1- السيادة للشرع وليست للشعب أو للأمة، ودليلها قوله تعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم }.
2- السلطان أي الحكم للآمة، ودليله "بايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره".
3- نصب خليفة واحد فرض على المسلمين، " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".
4- للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية، "أمر الإمام يرفع الخلاف"


وبهذا يتبين لنا أنّ دولة الخلافة هي دولة بشرية تستمد أحكامها من الإسلام فقط، وبالتالي فهي ليست دولة مدنية او علمانية وكذلك ليست دولة دينية او كهنوتية.


أحمد أبو قدوم

الحمد لله حمد الشاكرين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين, ومن اهتدى بهديه, واستن بسنته وسار على دربه, ودعا بدعوته إلى يوم الدين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم, برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:


إخوة الإيمان:


من الأفكار التي غزا بها الغربيون عقول المسلمين فكرة فصل الدين عن الحياة, وفصل الدين عن الدولة, وفصل الدين عن السياسة. فكرة فصل الدين عن الحياة والتي هي أساس حضارة الغرب ووجهة نظره في الحياة. فالدين عند الغربيين هو مجرد طقوس وشعائر معينة تعنى بالفرد ولا تخاطب المجتمع بوصفه كلا متكاملا. فنجد أن الدين عند الغرب يعالج أمورا مثل الزواج والطلاق والصلاة وبعض الأمور الخلقية, ولا علاقة له بالنظام الاقتصادي ونظام الحكم والسياسة الخارجية والحكام وغيرها من شؤون الحياة والمجتمع.


في مقابلة صحفية أجريت مع الملك حسين في الثمانينات أيام حرب الخليج بين العراق وإيران, عبر جريدة النهار العربي والدولي قال فيها: " نعتز بالإسلام دينا ونرفض تسييسه ", وقال أيضا: " أما دعاة التزمت الذين يدخلون الدين في السياسة والسياسة في الدين فأولئك يعملون عكس المطلوب ".


وقبل اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات بأيام قليلة قال مهددا الجماعات الإسلامية التي تهتم بالسياسة: " الذي يدخل الدين في السياسة والسياسة في الدين حفرمه فرم ". أي سأفرمه فرما. هذا التعبير باللهجة المصرية يعني أنه سيقطعه قطعا صغيرة. وقال الكاتب المصري أحمد أمين في كتابه " إلى ولدي " الذي تقرر تدريسه في مناهج التعليم في المرحلة الثانوية لدى بعض الدول العربية: " أما السياسة فأرتضيها لك قولا, ولا أرتضيها لك عملاً ".


هذا المفهوم يقدم للمسلمين لا بوساطة العلمانيين فحسب, بل للأسف يجري تقديمه بأسلوب خداع خبيث من قبل بعض " دعاة الإسلام " وشيوخهم, وحتى بعض الجماعات الإسلامية بغض النظر إذا كان يقدم للأمة بعلم من قبل الدعاة أو من غير علم فالنتيجة واحدة. فكم مرة سمعنا عبارات تحمل هذا المفهوم مثل : " السياسة تياسة ". " دع السياسة للسياسيين ". " لا سياسة في الدين, ولا دين في السياسة ". " عليك بنفسك " أو " دع السياسة واعمل على بناء إيمانك " أو " الأمة ليست مستعدة للحديث عن الحكام والحكم بالإسلام فعلينا الآن العمل على بناء أنفسنا " أو " على الشباب أن لا يشغل نفسه بهذه الأمور وعليه أن يركز على طلب العلم "... فما معنى السياسة؟ وما موقف الإسلام منها؟


السياسة في اللغة مشتقة من الفعل: ساس, يسوس, فهو سائس, ومعناه: رعى, يرعى, فهو راع. ومنها أخذ لفظ " سائس الخيل " و " سائس الإبل " وهو الرجل الذي يعتني بالخيل أو الإبل: يختار لها أفضل المراعي, ويطعمها, ويسقيها, ويوفر لها المبيت الآمن, ويضمد جراحها, ويداويها إذا مرضت. فالسياسة معناها الرعاية.


ومن هنا ندرك الحكمة من رعاية الأنبياء للغنم: فما من نبي إلاَّ ورعى الغنم, وقد كان نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة.


وفي مقابلة صحفية مع العقيد القذافي حاكم ليبيا, قالت الصحفية تسأل العقيد: " ما من نبي إلاَّ ورعى الغنم ". فهل رعيت الغنم يا سيادة العقيد؟ فأجاب: " نعم ". فقالت الصحفية لترضي غرور القذافي: " أنت رسول الصحراء ".


جاء في صحيح البخاري قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن عبد الله، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام : « كلكم راع وكلكم مسئول فالإمام راع وهو مسئول والرجل راع على أهله وهو مسئول والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة والعبد راع على مال سيده وهو مسئول ألا فكلكم راع وكلكم مسئول ».


وما دام الإمام راع لأفراد رعيته, والرجل راع لأهل بيته, والمرأة راعية لبيتها, والعبد راع لمال سيده. مادام كل واحد من هؤلاء راع وهو مسئول عن رعيته, وما دامت السياسة هي الرعاية, وما دام النبي عليه الصلاة والسلام يقول: « كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته »؛ إذن من حقنا أن نقول بملء الفم هذه العبارة: " كلنا راع أي كلنا سياسي ".


وجاء في صحيح البخاري أيضا قال: حدثني محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فرات القزاز قال: سمعت أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا: فما تأمرنا قال فُوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ».


الإسلام دين منه الدولة. والسياسة جزء من الإسلام. والإسلام دين يعالج جميع شؤون الحياة, ومن يقول خلاف ذلك يكون مخطئا أشد الخطأ. وها هم بعض " دعاة الإسلام " وشيوخهم, وحتى بعض الجماعات الإسلامية منذ عشرات السنين يشغلون الأمة ببعض جوانب من الإسلام بشكل مبتور لا يعالج الموضوع بشكل متكامل ولا يربطون هذه الأحكام بالعقيدة أو كونها جزءا من طريقة الحياة الإسلامية بل تقدم كطقوس كهنوتية.


وبالإضافة إلى هذا ها هم يتركون أحكام الإسلام المتعلقة بالحدود والجهاد وواقع الدار هل هي دار إسلام أو دار كفر. وأحكام المعاهدات في الإسلام ومقارنتها بالمعاهدات الحياتية التي تعقد وأنظمة الكفر التي تطبق.


هذا العمل المركز من قبل هؤلاء نجح نجاحا كبيرا منذ غدا الإسلام عند الأمة مجرد طقوس وشعائر لا تمت للحياة بصلة فتراهم يغضبون لمسلم يدخل المسجد برجله اليسرى, ولا يرون بأسا بإقصاء حكم الله تعالى عن الحياة والمجتمع وتطبيق حكم الكفر عليهم. حتى وإن رأوا بأسا بالحكم بأنظمة الكفر فهم لا ينظرون إليها على أنها قضية حياة أو موت بل يرونه على أنه الهدف البعيد الذي سيأتي في الوقت المناسب، أما الآن فهو في نظرهم وقت تصحيح الأمور الفردية. وما هذا الاتجاه إلا تكريس لفكرة فصل الدين عن الحياة حتى لو لم يعلم حامل هذه الأفكار هذه الناحية فهذا هو الواقع. وإلا فما الذي يفرق فصل الدين عن الحياة عن هذا الاتجاه؟ من الواضح أنه لا فرق. فليحذر المسلمون من الأخذ بهذه الأفكار.


اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا, وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا, واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير, واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علما نافعا. اللهم أقر أعيننا بقيام دولة الخلافة, واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مهاجرة غير