February 22, 2012

الإسلام ضامن لمنع الاستبداد

كلما ذكرت الخلافة وفرضيتها كنظام للحكم، انبرى العديد من المضبوعين بالفكر الغربي للهجوم على الخلافة من باب أن السلطات فيها مركزة في يد شخص واحد, وهذا ما يجعله مستبدا. ولقد انطلق الفكر الغربي في بلورته لمبدأ الفصل بين السلطات من رغبته في منع الاستبداد لكي توقف كل سلطة السلطة الأخرى وتمنعها من الطغيان.وقد أكد مونتسكيو أن الحرية تفقد معناها حين تتركز السلطة التنفيذية والتشريعية في يد شخص واحد.

وقد اعتبر كثير من المفكرين السياسيين المسلمين المعاصرين أن هذا الفصل لا يتنافى مع الفكر السياسي الإسلامي، نظرا لتغير الظروف البيئية, ومن منطلق المصلحة- حسب رأيهم- برغم اعترافهم أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يكن مأخوذا به في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين الذين جمعوا السلطات الثلاث.

والواقع أن مشكلة الاستبداد لم تنشأ لوجود مشكلة تركز السلطات, وإنما وجدت أساسا لانعدام القواعد الشرعية الثابتة في الفكر الغربي، بل إن القواعد التي فيه تعطي العقل السلطة في التشريع, ومن المعلوم أن ما ينتجه العقل من أحكام لا يتصف بالثبات, وإنما هو عرضة للتغيير والتبديل من وقت لآخر. أما الشريعة الإسلامية فقد جاءت بأنظمة وتشريعات ثابتة لكافة جوانب الحياة ومنعت الحاكم من تجاوزها مطلقا, وأكدت أن تجاوزها يؤدي إلى خروج الحاكم عن الإطار الإسلامي المتضمن للشرعية مما يستلزم "عدم الطاعة" للحاكم الجائر في المعصية, ويستلزم النصيحة له, أو الخروج عليه إذا تحققت الشروط المؤدية الى ذلك من كفر بواح, فضلا عما نصت عليه الشريعة من حقوق الرعية في محاسبة الحاكم وإنكار المنكر.

وإننا إذا استعرضنا واقع النظام الغربي فإننا نلحظ أنه باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي نرى فيها هذا الفصل بين السلطات, نجد دولا أخرى كسويسرا تأخذ بمبدأ دمج السلطات. كما يمكننا أن نرى دول أخرى كإنجلترا تقيم تعاونا بين السلطات. ولذلك فمبدأ الفصل بين السلطات لا يعد قاعدة لبناء حكم ديمقراطي بعكس ما يتوهمه المضبوعون بالغرب الذين لا يرون أي تناقض بين الديمقراطية والإسلام. وبنظرة بسيطة للممارسات السياسية في الدول الديمقراطية نلاحظ هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، فالبرلمان رهين بالموافقة على برنامج الحكومة التي تأتي ومعها مجلسها التشريعي الذي يرتبط بتأييدها.

إن إقامة هيئة مستقلة تتولى التشريع وسن القوانين مخالف لإجماع الصحابة على حصر سلطة تبني التشريعات في الخليفة , وأن له وحده الحق في إلزام الرعية بالأحكام الشرعية التي يتبناها من المصادر الشرعية, والإلزام بالقوانين الإجرائية التي تحقق مصلحة الدولة والرعية بما لايخالف الشرع, نحو القوانين التي سنها أبوبكر وعمر رضي الله عنهما بشأن العطاء ووقف الأراضي الخراجية, وما سنه عثمان رضي الله عنه من الإلزام بكتابة المصاحف بلغة قريش "فالإمام راع وهو مسؤل عن رعيته".

ولقد راعى الشارع واقع كون الخليفة شخصا غير معصوم قد يضعف عنده الوازع الديني ما يؤدي إلى الاستبداد. ولهذا جاء الإسلام بأحكام وضوابط شرعية تعالج هذا الواقع وتحول دون حصول إساءة التطبيق أبرزها ما يلي:


1-إن الحاكم في الإسلام ليس منشأ للأحكام ابتداء وإنما هو متبنٍّ لها. ولهذا فإن مسألة التشريع تعد محسومة سلفا في النظام السياسي الإسلامي، بخلاف الأنظمة الوضعية التي لا يستند التشريع فيها إلى قواعد وأحكام ثابتة مما قد يؤدي إلى استغلال سلطة التشريع لتبرير استبداد الحاكم أو تركيز سلطة أفراد أو طبقة معينة في الحكم, ولقد رأينا كيف يتدخل الحكام في سن التشريعات في الأنظمة المعاصرة لما يوافق هواها, وكيف يمكن لها تغيير الدستور لتقوم بتمديد فترة حكمها, أو توريث أحد أبنائها.

2-الخليفة ملزم بالتقيد بالشرع في كل أمر عند سن القانون, كما أن طاعة الحاكم في الدولة الإسلامية مقيدة بالتزامه بالشرع وعدم الخروج عليه. ولهذا فإن سيادة الشرع في الدولة الإسلامية تعتبر ضمانا لمنع الاستبداد السياسي وإستغلال التشريع كأداة للسيطرة السياسية.

3- القوانين الإجرائية في الدولة الإسلامية مقيدة بعدم مخالفة الشريعة, فليس للدولة مثلا إلزام الناس بقانون يمنع تعدد الزوجات أو الطلاق أو منع زواج المسلم للمسلمة بسب الانتساب القبلي أو الإقليمي, فهذا ليس من تنظيم المباح الذي أعطي للخليفة حق تنظيمه, وإنما هو في حقيقته تحريم لما أحل الله.

4-حق الأمة في محاسبة الحاكم انطلاقا من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله", وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره". كما أن وجود الأحزاب الإسلامية في الدولة التي تراقب عمل الحكام وتأخذ على أيديهم وتأطرهم على الحق أطرا ضمانة أخرى تمنع الاستبداد.

5-أشار الفقهاء إلى الجهة المنوط بها التأكد من شرعية القوانين ومحاسبة الحاكم إن هو قصر في أداء مهامه وهي محكمة المظالم استنادا إلى قول الحق سبحانه وتعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" أي أن الإسلام يوجب وجود هيئة قضائية عليا في الدولة تتكفل بمراقبة الحكام للتأكد من حسن تطبيق الإسلام ومنع أي مظهر من مظاهر الاستبداد.


بهذا يتبين لنا أن النظام الإسلامي هو نظام يملك الضمانات الكافية لمنع الاستبداد, وهو فوق ذلك أعظم نظام عرفته البشرية لأنه من عند العليم الخبير الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه, قال تعالى "آلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير".

شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية مصر

المزيد من القسم null

دولة الخلافة ليست دولة مدنية ولا دولة دينية بل دولة إسلامية


يسود في هذه الأيام سجال بين التيارات الفكرية المختلفة وعلى رأسها الإسلامية، حول ما هي طبيعة الدولة التي يجب ان تحكم المجتمعات الإسلامية، هل هي دولة مدنية أو دولة دينية، ولأن المسألة أصبحت محسومة عند كثير من التيارات وخاصة الإسلامية، كان لابد من توضيح ماهية هذه المصطلحات، وتوضيح واقع الدولة الإسلامية، هل هي دينية أم مدنية؟ وحتى لا نطيل في بحث هذا الموضوع سوف أركز على أهم النقاط.


أولا: هذه المصطلحات واعني هنا مصطلح الدولة الدينية والدولة المدنية، لا تعنينا نحن المسلمين، لأنها مصطلحات غربية تخص غير المسلمين، فالدولة الدينية هي الدولة الكهنوتية أو الثيوقراطية، والتي كانت موجودة في اوروبا في العصور الوسطى عصور الظلام بالنسبة للغرب، وكان يحكمها الباباوات باسم الحق الإلهي او التفويض الإلهي، اذ كان هؤلاء الباباوات يعتبرون أنفسهم متصلين مباشرة مع الإله دون واسطة، لذلك انتشر الجهل والفقر والظلم والحرمان في المجتمعات التي حكمتها الكنيسة لقرون طويلة، وبقيت كذلك إلى أن قامت الثورات وفصلت الدين عن الحياة، وأوجدت عقيدة الحل الوسط بين رجال الدين ورجال السياسة، فأوجدت السلطة الروحية المتمثلة برجال الدين، ومكانهم في الكنيسة، وأوجدت السلطة الزمنية لرجال السياسة ومكانهم في الحكم والدولة، ومن هنا وجد ما يسمى بالدولة العلمانية التي تقصي الدين عن الحياة، وتقوم على فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، هذا باختصار شديد مفهوم الدولة الدينية والدولة العلمانية، ولأن كلمة العلمانية قد ارتبطت في أذهان المسلمين بالكفر والزندقة، فقد استخدم بعض مفكري التيارات غير الإسلامية في البلاد الإسلامية بدلا عنها مصطلح الدولة المدنية، كي يكون أكثر قبولا من العلمانية، وقد انطلى هذا التحايل على كثير من رواد الحركات والأحزاب والجماعات الإسلامية، الى أن وصل الأمر في بعض هذه الحركات إلى تبني هذا المصطلح، والذي هو في الأساس يقابل عسكرة الدولة أي الدولة التي يقودها العسكر، فالدولة التي تحكم من قبل الجنرالات تسمى دولة عسكرية، والدولة التي تحكم من قبل رجال السياسة المدنيين تسمى دولة مدنية، لكن هؤلاء قد محوروا هذا المعني إلى معنى الدولة العلمانية اللادينية، وبهذا يتبين لنا أن هذه المصطلحات غير موجودة في القاموس الإسلامي، ولم تستخدم من قبل حكام المسلمين الذين حكموا بالإسلام طوال ثلاثة عشر قرنا.


ثانيا: دولة الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين في الدنيا، حكامها بشر؛ يحكمون فيها بشرا مثلَهم، ويطبقون فيها أنظمة وقوانين معدة للتطبيق على البشر، تشتمل احكاما عامة تطبق على كل من يحمل تابعية الدولة دون تمييز، بغض النظر عن الدين او اللون او اللغة او غير ذلك، لكن الفرق بينها وبين الأنظمة والقوانين في الدول الأخرى، أنّ هذه الأنظمة والقوانين والأحكام مأخوذة من الكتاب والسنة وما أرشدا اليهما من إجماع صحابة وقياس فقط، أي انها مأخوذة من عند رب البشر، والأنظمة والقوانين والأحكام عند غيرها من الدول مأخوذة من البشر.


ثالثا: المسلمون ملزمون بأخذ الإسلام كاملا، ومعلوم أنّ الإسلام هو عقيدة ينبثق عنها أنظمة تشمل جميع مناحي الحياة والدولة والمجتمع، وتنظم علاقات الإنسان مع نفسه ومع ربه ومع غيره من بني البشر، ولا يجوز لهم أخذ الأنظمة والأحكام من غير الإسلام لقوله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ولقوله { أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وغيرها الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، فلا يجوز لنا أن نحكم بغير الإسلام بل لا يجوز لنا أن نأخذ بعضه ونترك بعضه لقوله تعالى: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ }، ومصادر هذه الأحكام هي الوحي.


رابعا: معلوم من الدين بالضرورة أنّ الكتاب والسنة هما من الوحي، فالكتاب لفظا ومعنى من الله، والسنة معنى لا لفظا من الله، ولم يقل احد أن السنة هي فقط الأقوال دون الأفعال، وإذا كان الأمر كذلك فيجب الالتزام بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ووجوب التأسي والإتباع له، لقوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وقوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر }، ورجاء الله واليوم الآخر هي قرينة على وجوب الإتباع، وقد كانت له أفعال وأقوال في الأحكام المتعلقة بالأفراد، وكانت له كذلك أفعال وأقوال في علاقات الحاكم - بصفته الدولة- مع الدول الأخرى ومع الأفراد، وله أقوال وأفعال متعلقة بالمعاونين والولاة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "... وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر" وأيضا من إرساله ولاة على الأمصار، كما أرسل معاذا وعليا، فكيف يصح أن يأخذ المسلمون بعض أحكامه ويتخلوا عن بعضها، يأخذون ما وافق هواهم ويتركون ما خالفه، { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ الله قد نهى نهيا جازما عن إتباع الهوى في التشريع، بقوله تعالى: { وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }، وكيف نفعل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذ شيء ليس من مطلق البشر فحسب، بل حتى من أهل الكتاب فقد روى الإمام أحمد : عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فغضب وقال: [ أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ] وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا قال: فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : [والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين] تفسير ابن كثير [ جزء 2 - صفحة 613، وكذلك لم ينقل أحد حتى برواية ضعيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عن الفرس أو الروم نظام حكمهم أو جزءا ولو يسيرا منهم، قال تعالى: { ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون }، فوصف أخذ غير أحكام الشريعة باتباع أهواء الذين لا يعلمون، وكذلك أمر في حالة التنازع بين الحكام والرعية برده إلى الله والرسول أي إلى الكتاب والسنة وليس الى أهواء البشر، قال تعالى: { يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر }، والحكام هم ولاة الأمر الشرعيين، وليسوا مغتصبي السلطة.


وفي المحصلة بماذا يصف من يطالب بالدولة المدنية من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوس الناس في الدولة، ويطبق فيها نظام حكم واقتصاد وسياسة خارجية وغيرها من الأنظمة؟! ومن هم ولاة الأمر الذين ذكروا في القرآن والسنة؟! وبماذا يسمون أبا بكر وعمر وعثمان وعلي عندما كانوا يحكمون الناس؟! فإذا كان هؤلاء ليسوا حكاما مسلمين فماذا يكونون إذن؟! وهل استطاعوا أن يوجدوا هم هذا النظام المتميز في الحكم والاقتصاد والسياسات المختلفة وغيرها؟! ما لهؤلاء الذين يفترون على الله الكذب لا يكادون يفقهون حديثا!!.


وكيف يقبل بشر أن يأخذ بتشريع بشر، ونحن نرى أن الثورات قامت على تشريعات البشر، فكيف يقبلون استبدالها بتشريعات بشر أيضا، { أفحكم الجاهلية يبغون } ومعلوم أن من يشرع من البشر يشرع حسب أهوائه ومصالحه، واتخاذ البشر مشرعين من دون الله هو اتخاذهم آلهة يعبدون من دون الله، كما قال تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله }، رُوِيَ عَنْ عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لِي: "يَا عُدَيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"، فَطَرَحْتُهُ ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأ:( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله(حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، قُلْتُ لَهُ : إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُم، فَقَالَ : " أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ " ؟ قَالَ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : " فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ "


والنتيجة أنّ العقيدة الإسلامية كما ينبثق عنها أحكام العبادات، ينبثق عنها أيضا نظام حكم ونظام اقتصاد ونظام سياسة خارجية وجميع أنظمة الحياة والدولة والمجتمع، طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم عمليا، في الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها في المدينة، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، واستمر هذا التطبيق لهذه الأنظمة في جميع عصور الدولة الإسلامية حتى إلغائها من قبل مجرم هذا العصر مصطفى كمال أتاتورك في مطلع القرن الماضي، وما حدث من بعض الإساءات في التطبيق لم يخرج الدولة عن كونها دولة إسلامية، بل بقيت تستمد أحكامها وأنظمتها وقوانينها من الإسلام، وكان الإسلام هو المصدر الوحيد للدولة الإسلامية في جميع تشريعاتها وأنظمتها وأحكامها، ولم يُنقل أن حكما واحدا أخذ من غير الإسلام، وها هي كتب الفقه وهي التي تمثل الثروة التشريعية للأمة الإسلامية والدولة الإسلامية زاخرة بالأحكام المستنبطة من أدلتها التفصيلية، ولمن أراد الإطلاع على تفاصيل أنظمة الحكم والاقتصاد وغيرها فعليه بالرجوع إلى كتب حزب التحرير التي أفرد لها كتبا خاصة بكل نظام، وضعها نتيجة استقراء واستنباط للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ومما ارشدا اليه من قياس وإجماع صحابة فقط، والسنة تشمل السنة القولية والسنة الفعلية وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حدد أربع قواعد للحكم هي:


1- السيادة للشرع وليست للشعب أو للأمة، ودليلها قوله تعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم }.
2- السلطان أي الحكم للآمة، ودليله "بايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره".
3- نصب خليفة واحد فرض على المسلمين، " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".
4- للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية، "أمر الإمام يرفع الخلاف"


وبهذا يتبين لنا أنّ دولة الخلافة هي دولة بشرية تستمد أحكامها من الإسلام فقط، وبالتالي فهي ليست دولة مدنية او علمانية وكذلك ليست دولة دينية او كهنوتية.


أحمد أبو قدوم

الحمد لله حمد الشاكرين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين, ومن اهتدى بهديه, واستن بسنته وسار على دربه, ودعا بدعوته إلى يوم الدين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم, برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:


إخوة الإيمان:


من الأفكار التي غزا بها الغربيون عقول المسلمين فكرة فصل الدين عن الحياة, وفصل الدين عن الدولة, وفصل الدين عن السياسة. فكرة فصل الدين عن الحياة والتي هي أساس حضارة الغرب ووجهة نظره في الحياة. فالدين عند الغربيين هو مجرد طقوس وشعائر معينة تعنى بالفرد ولا تخاطب المجتمع بوصفه كلا متكاملا. فنجد أن الدين عند الغرب يعالج أمورا مثل الزواج والطلاق والصلاة وبعض الأمور الخلقية, ولا علاقة له بالنظام الاقتصادي ونظام الحكم والسياسة الخارجية والحكام وغيرها من شؤون الحياة والمجتمع.


في مقابلة صحفية أجريت مع الملك حسين في الثمانينات أيام حرب الخليج بين العراق وإيران, عبر جريدة النهار العربي والدولي قال فيها: " نعتز بالإسلام دينا ونرفض تسييسه ", وقال أيضا: " أما دعاة التزمت الذين يدخلون الدين في السياسة والسياسة في الدين فأولئك يعملون عكس المطلوب ".


وقبل اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات بأيام قليلة قال مهددا الجماعات الإسلامية التي تهتم بالسياسة: " الذي يدخل الدين في السياسة والسياسة في الدين حفرمه فرم ". أي سأفرمه فرما. هذا التعبير باللهجة المصرية يعني أنه سيقطعه قطعا صغيرة. وقال الكاتب المصري أحمد أمين في كتابه " إلى ولدي " الذي تقرر تدريسه في مناهج التعليم في المرحلة الثانوية لدى بعض الدول العربية: " أما السياسة فأرتضيها لك قولا, ولا أرتضيها لك عملاً ".


هذا المفهوم يقدم للمسلمين لا بوساطة العلمانيين فحسب, بل للأسف يجري تقديمه بأسلوب خداع خبيث من قبل بعض " دعاة الإسلام " وشيوخهم, وحتى بعض الجماعات الإسلامية بغض النظر إذا كان يقدم للأمة بعلم من قبل الدعاة أو من غير علم فالنتيجة واحدة. فكم مرة سمعنا عبارات تحمل هذا المفهوم مثل : " السياسة تياسة ". " دع السياسة للسياسيين ". " لا سياسة في الدين, ولا دين في السياسة ". " عليك بنفسك " أو " دع السياسة واعمل على بناء إيمانك " أو " الأمة ليست مستعدة للحديث عن الحكام والحكم بالإسلام فعلينا الآن العمل على بناء أنفسنا " أو " على الشباب أن لا يشغل نفسه بهذه الأمور وعليه أن يركز على طلب العلم "... فما معنى السياسة؟ وما موقف الإسلام منها؟


السياسة في اللغة مشتقة من الفعل: ساس, يسوس, فهو سائس, ومعناه: رعى, يرعى, فهو راع. ومنها أخذ لفظ " سائس الخيل " و " سائس الإبل " وهو الرجل الذي يعتني بالخيل أو الإبل: يختار لها أفضل المراعي, ويطعمها, ويسقيها, ويوفر لها المبيت الآمن, ويضمد جراحها, ويداويها إذا مرضت. فالسياسة معناها الرعاية.


ومن هنا ندرك الحكمة من رعاية الأنبياء للغنم: فما من نبي إلاَّ ورعى الغنم, وقد كان نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة.


وفي مقابلة صحفية مع العقيد القذافي حاكم ليبيا, قالت الصحفية تسأل العقيد: " ما من نبي إلاَّ ورعى الغنم ". فهل رعيت الغنم يا سيادة العقيد؟ فأجاب: " نعم ". فقالت الصحفية لترضي غرور القذافي: " أنت رسول الصحراء ".


جاء في صحيح البخاري قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن عبد الله، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام : « كلكم راع وكلكم مسئول فالإمام راع وهو مسئول والرجل راع على أهله وهو مسئول والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة والعبد راع على مال سيده وهو مسئول ألا فكلكم راع وكلكم مسئول ».


وما دام الإمام راع لأفراد رعيته, والرجل راع لأهل بيته, والمرأة راعية لبيتها, والعبد راع لمال سيده. مادام كل واحد من هؤلاء راع وهو مسئول عن رعيته, وما دامت السياسة هي الرعاية, وما دام النبي عليه الصلاة والسلام يقول: « كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته »؛ إذن من حقنا أن نقول بملء الفم هذه العبارة: " كلنا راع أي كلنا سياسي ".


وجاء في صحيح البخاري أيضا قال: حدثني محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فرات القزاز قال: سمعت أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا: فما تأمرنا قال فُوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ».


الإسلام دين منه الدولة. والسياسة جزء من الإسلام. والإسلام دين يعالج جميع شؤون الحياة, ومن يقول خلاف ذلك يكون مخطئا أشد الخطأ. وها هم بعض " دعاة الإسلام " وشيوخهم, وحتى بعض الجماعات الإسلامية منذ عشرات السنين يشغلون الأمة ببعض جوانب من الإسلام بشكل مبتور لا يعالج الموضوع بشكل متكامل ولا يربطون هذه الأحكام بالعقيدة أو كونها جزءا من طريقة الحياة الإسلامية بل تقدم كطقوس كهنوتية.


وبالإضافة إلى هذا ها هم يتركون أحكام الإسلام المتعلقة بالحدود والجهاد وواقع الدار هل هي دار إسلام أو دار كفر. وأحكام المعاهدات في الإسلام ومقارنتها بالمعاهدات الحياتية التي تعقد وأنظمة الكفر التي تطبق.


هذا العمل المركز من قبل هؤلاء نجح نجاحا كبيرا منذ غدا الإسلام عند الأمة مجرد طقوس وشعائر لا تمت للحياة بصلة فتراهم يغضبون لمسلم يدخل المسجد برجله اليسرى, ولا يرون بأسا بإقصاء حكم الله تعالى عن الحياة والمجتمع وتطبيق حكم الكفر عليهم. حتى وإن رأوا بأسا بالحكم بأنظمة الكفر فهم لا ينظرون إليها على أنها قضية حياة أو موت بل يرونه على أنه الهدف البعيد الذي سيأتي في الوقت المناسب، أما الآن فهو في نظرهم وقت تصحيح الأمور الفردية. وما هذا الاتجاه إلا تكريس لفكرة فصل الدين عن الحياة حتى لو لم يعلم حامل هذه الأفكار هذه الناحية فهذا هو الواقع. وإلا فما الذي يفرق فصل الدين عن الحياة عن هذا الاتجاه؟ من الواضح أنه لا فرق. فليحذر المسلمون من الأخذ بهذه الأفكار.


اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا, وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا, واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير, واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علما نافعا. اللهم أقر أعيننا بقيام دولة الخلافة, واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مهاجرة غير