March 08, 2012

الإصلاح والتغيير من منظور الإسلام الجزء الثاني

نتابع معكم أيها الإخوة والاخوات الكرام من حيث توقفنا في الحلقة السابقة في موضوعنا الإصلاح والتغيير من منظور الإسلام، حيث انتهينا عندما قلنا أن الأمر يتضح وتتضح صورته ويتم إدراك واقع الإصلاح والتغيير في الإسلام لا بد أن نستعرض أحوال الأمة الإسلامية عبر المحطات التي مرت بها.

المحطة الأولى:

وهي فترة النبوة والخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وعند النظر في واقع الدولة وحسن التطبيق نجد أن التطبيق قد بلغ قمة الإحسان والرقي وذلك لتوجيه الوحي وحسن فهم الإسلام من الخلفاء وكفاءة الرجال، وإن كان هناك أخطاء بشرية، فقد جاء أحد ولاة رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، وقد أجاز لنفسه الرشوة وقال هذا لكم وهذا أهدى لي فعالج رسول الله "صلى الله عليه وسلم" هذا الخلل بما يلزم .

ولقد كانت سيرة الخلفاء الراشدين متميزة في حسن الفهم وحسن التطبيق فاستحقوا أن يكونوا خير القرون .

وهذه إحدى الحالات التي مرت بها دولة الإسلام مع وجود الأخطاء البشرية. وكان عنوانها خطاب أبي بكر "رضي الله عنه" عندما بويع بالخلافة إذ قال :"وُليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ".

وبناءً على ذلك نستطيع أن نجزم بأنه في حالة قيام الدولة على العقيدة الإسلامية في كيانها وأجهزتها وجميع تشريعاتها، يجب المحافظة على استمرار الفهم الحسن والتطبيق الحسن .

ومن الضمانات المطلوبة والأعمال اللازمة لاستمرار ذلك نذكر بإيجاز ما يلي:

1- محكمة المظالم تراقب كل ما يجري في الدولة وما يصدر عن الحكام من تشريعات، وتحاسب على ما يتم من أعمال الرعاية في الداخل وفي العلاقات الخارجية، وكذلك تقوم برفع الخصومات بين الناس والدولة امتثالاً لقوله تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر)) .

2- أهل الحل والعقد الذين ينقادُ لهُم الناس ويكونون تبعاً لرأيهم ولهم التأثير القوي على الحكام فيُحسب لهم ألف حساب أمثال " سعد بن عبادة " و" سعد بن معاذ " و" أسيد بن حضير " و" الأحنف بن قيس "، و" جارية بن قُدامة السعدي " الذي قام في وجه معاوية قائلاً :" لقد أعطيناك سمعا وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله فإن وفيت وفينا لك وإن ترغب فقد تركنا خلفنا رجالاً شِداداً وأدرعاً مِداداً ما هم بتاركيك تتعسفهم ولا أن تظلمهم ".

3- أهل الشورى الذين ينتخبون انتخاباً حقيقيًا ويقومون بالنصح والمحاسبة للحاكم وأعوانه وولاته. قال "صلى الله عليه وسلم " لأهل بيعة العقبة الثانية الذين بايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وأن يقوموا بالحق أينما كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم .

4- الحزب السياسي القائم على عقيدة الإسلام وله قوة التأثير في الأمة، فيكون قادراً على الضغط على الحاكم في حالة المخالفة، وسنداً وعوناً له في حالة الإحسان، يسخر كل طاقاته لحشد الأمة حول الحاكم لخدمة الإسلام وحمل رسالته.

وبذلك لا يوجد في الإسلام أحزاب معارضة بالمفهوم الغربي، بل توجد أحزاب مع الحاكم في حالة الإحسان تقويه وتسانده، وتقف في وجهه بقوة في حالة المخالفة والطغيان، فهي تراقب وتحاسب محاسبة حقيقية .

5- الرأي العام النابع عن الوعي العام عند الأمة على الإسلام وعلى الأعمال السياسية الداخلية والخارجية، ولذلك يجب الإبداع في كل الوسائل والأساليب التي ترفع من سوية الرأي العام عند الأمة وجعل العمل السياسي الزاد الذي تقتات منه الأمة .

6- العلماء ودورهم في المحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودورهم في الاجتهاد الراقي الذي يغرس في الأمة الحيوية الفكرية ويبعد عنها الانحطاط الفكري، ونكتفي بذكر هذه الضمانات رغبة في الإيجاز .

المحطة الثانية:

فترة خلفاء بني أمية ومن جاء بعدهم من الخلفاء إلى نهاية الخلافة العثمانية وهذه الفترة وقع فيها أخطاء في التطبيق والقصور في رعاية الأمة وظهر ضعف الدولة للعديد من الأسباب منها ما يتعلق بسوء الفهم وإغلاق باب الاجتهاد ومنها ما يتعلق باستبداد الرجال وفسادهم، فترتب على ذلك سوء في التطبيق، إلاّ أن الدولة بقيت دولة إسلامية قائمة على أساس العقيدة الإسلامية والتشريع تشريع إسلامي لم تعرف سواه.

ففي هذه الحالة كان الواجب المحافظة على الدولة الإسلامية والتشريع الإسلامي وإصلاح مواطن الخلل، ويحرم على المسلمين التغيير.

فإن كان الخلل في سوء الفهم وجب بعث الاجتهاد وإطلاقه حتى يُنقى الفقه الإسلامي والتشريع الإسلامي من الآراء الضعيفة والفاسدة.

وإن كان الفساد آتٍ من استبداد الرجال وفسادهم وجب الوقوف في وجوههم لتقويم اعوجاجهم أو خلعهم إن لزم الأمر، أو بإشهار السيف في وجوههم عند إظهار الكفر البواح، حتى تبقى الدولة إسلامية والتشريع إسلامي كما هي حالة " مصطفى كمال أتاتورك " الذي أعلن الانقلاب على الإسلام وهدم الخلافة وألغى التشريع الإسلامي، وطبق دساتير الكفر وتشريعات الكفر، فكان الواجب على المسلمين في حينها الوقوف في وجهه بحد السيف، فيكون إشهار السيف من الإصلاح وليس من التغيير ويكون امتثالاً لقوله " صلى الله عليه وسلم" عندما سألوه منابذة ولاة الأمر بالسيف فقال: " لا، إلاَّ أن تروا كفرا بواحاً عندكم فيه من الله برهان ".

المحطة الثالثة :

وهي الفترة التي نعيش في يومنا هذا، فالدول قائمة على عقيدة مناقضة لعقيدة الإسلام، عقيدة فصل الدين عن الحياة والشعب هو المشرّع وليس الله، ويحظر على الدين التدخل في شؤون الحياة ويكون التشريع الوضعي هو المنظم لجميع العلاقات في الدولة والمجتمع فكان الفساد في التشريع وعقيدته وفي النظام السياسي ورجاله، ففي مثل هذه الحالة يجب على المسلمين التغيير ويحرم عليهم إصلاح النظام الذي يقوم على عقيدة كفر تلزم الناس أن يحتكموا إليها وإلى تشريعاتها وتجرّم الاحتكام إلى شرع الله، فيجب عليهم اجتثاث النظام من جذوره عقيدةً وتشريعاً، فلا بد من تغيير الأساس العقائدي والنظام التشريعي والكيان السياسي ووسطه السياسي الذي يؤمن بهذا النظام وتربى على موائده .

فالإصلاح في هذه الحالة هو إطالة لعمر الفساد بترقيعه وإعادة إنتاجه من جديد وتقديمه في شكل مقبول للناس للحيلولة دون انهياره وهذا مخالف لشرع الله الحنيف.

ولهذا كله يجب أن يقوم دعاة الإسلام بتقديم البديل الإسلامي المتمثل في الأمور التالية:

1- عقيدة سياسية خلاقة قادرة على إعطاء الحلول لكل ما يواجه البشرية في ظل دولة الإسلام.

2- منظومة تشريعية شاملة لجميع جوانب المجتمع وعلاقاته الداخلية والخارجية.

3- الدستور المحدد لشكل الدولة وجميع أجهزتها ودوائرها، ونظام الحكم الذي يفصّل صلاحيات وطبيعة كل جهاز في الدولة، أي بيان شامل للدستور ونظام الحكم في الإسلام .

ثم بعد ذلك يُنظر في الرجال وكفاءاتهم عند إسناد المهمات لهم, وبذلك يكون بحث الرجال أمراً ثانوياً بالنسبة للقضايا الجوهرية في المشروع العقائدي، ويكون من التضليل وسذاجة التفكير وسطحية المطالب وتهافتها أن نحصُر المشكلة في شخوص الحكام وأعوانهم دون حسم الأساس العقائدي والمنظومة التشريعية والنظام السياسي.

وفي الختام نؤكد أنّ الطريقة الشرعية التي سار عليها رسول الله " صلى الله عليه وسلم " في أحداث التغيير هي الواجبةُ الإتباع في هذه الحالة، فنحن مأمورون بالسير عليها والتقيد بها خطوة بخطوة .

قال تعالى : ((لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر)).

قال تعالى: (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن )).

وقال تعالى: ((فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)) .

وقال "صلى الله عليه وسلم " : (( كل عملٍ ليس عليه أمرنا فهو رد ))، وقال "عليه الصلاة والسلام" : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )).

ومن الضروري الرجوع إلى السيرة في هذا الوقت للوقوف على تفاصيل الطريق الذي اختطه رسول الله " صلى الله عليه وسلم "، في الوقت الذي انطلق فيه المسلمون يؤسسون أحزاب للوصول إلى الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية، بعد أن كان كثيرٌ منهم يتبنى حرمة تشكيل الأحزاب، وينأون بأنفسهم عن الخوض في المعترك السياسي .

ونحن بدورنا نُجمل هذه الطريقة في المراحل التالية :

1- المرحلة التأسيسية أو ما يسمى بمرحلة التربية أو مرحلة التثقيف التي يجري فيها إيجاد كتلة حزبية قد انصهرت في الثقافة الإسلامية المتعلقة بكل ما يلزم لإقامة الدولة وتطبيق الشرع وهي التي أُطلق عليها في السيرة النبوية المرحلة السرية وهي تقتضي السرية في التنظيم والعلنية في الدعوة .

2- مرحلة التفاعل مع الأمة بكل ما تعنيه هذه الكلمة، حيث يتم الصراع الفكري مع كل فكرة تخالف الإسلام وبيان فسادها، وطرح البديل الإسلامي وهذا يقتضي رسم الخط المستقيم إلى جانب الخط الأعوج وكذلك القيام بالكفاح السياسي حيث يتم التعرض لكل الأعمال السياسية ومحاكمتها من منظور الإسلام ومصالح المسلمين وكشف مخططات الكفار وتعرية القائمين عليها، وبيان فساد الحكام وفساد أعمالهم وبيان ارتباطاتهم، وأثارة الرأي العام عليهم حتى يتم تشكيل الرأي العام في الأمة على الإسلام ومعالجاته وإيجاد القناعة عند جمهور المسلمين بأن البديل الإسلامي هو الكفيل بالنهوض بحال المسلمين في الدنيا ونوال رضوان الله في الآخرة, فيصبح الإسلام هو مطلب لعامة المسلمين، وعندما يتحقق ذلك بحيث يصبح الرأي العام مع الإسلام ويتراجع أمامه كل الآراء، يجري القيام بالأعمال الجادة لاستلام الحكم عن طريق الأمة، وكسب أهل القوة والمنعة منهم إلى جانب أمتهم ومطالبها، فإن لم يكونوا أنصاراً للدعوة يُقبلوا على التضحية بتفانٍ من أجلها فليكونوا على الحياد أي يعملُ على تحييدهم حتى لا تخوض الأمة صراعاً دموياً مع نفسها، وهذا اقتداءً برسول " الله صلى الله عليه وسلم " عندما طلب النصرة وأخذ أهل القوة والمنعة من أهل يثرب إلى جانب دعوته، وبهذه الطريقة يُستلم الحكم ويجري تطبيق الإسلام تطبيقاً كاملاً في جميع جوانب الحياة من الأساس العقائدي إلى القوانين الفرعية التفصيلية .

نسأل الله أن يجعل ذلك قريباً ويشرح صدور قادة وضباط الجيوش الإسلامية له وصدور زعامات وشيوخ قبائل المسلمين لهذا الأمر العظيم الذي فيه صلاح الدنيا وعزتها وسعادة الآخرة, ويجعل منهم سعد هذا الزمان إنه قريب مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سعيد رضوان- أبو عماد

المزيد من القسم null

دولة الخلافة ليست دولة مدنية ولا دولة دينية بل دولة إسلامية


يسود في هذه الأيام سجال بين التيارات الفكرية المختلفة وعلى رأسها الإسلامية، حول ما هي طبيعة الدولة التي يجب ان تحكم المجتمعات الإسلامية، هل هي دولة مدنية أو دولة دينية، ولأن المسألة أصبحت محسومة عند كثير من التيارات وخاصة الإسلامية، كان لابد من توضيح ماهية هذه المصطلحات، وتوضيح واقع الدولة الإسلامية، هل هي دينية أم مدنية؟ وحتى لا نطيل في بحث هذا الموضوع سوف أركز على أهم النقاط.


أولا: هذه المصطلحات واعني هنا مصطلح الدولة الدينية والدولة المدنية، لا تعنينا نحن المسلمين، لأنها مصطلحات غربية تخص غير المسلمين، فالدولة الدينية هي الدولة الكهنوتية أو الثيوقراطية، والتي كانت موجودة في اوروبا في العصور الوسطى عصور الظلام بالنسبة للغرب، وكان يحكمها الباباوات باسم الحق الإلهي او التفويض الإلهي، اذ كان هؤلاء الباباوات يعتبرون أنفسهم متصلين مباشرة مع الإله دون واسطة، لذلك انتشر الجهل والفقر والظلم والحرمان في المجتمعات التي حكمتها الكنيسة لقرون طويلة، وبقيت كذلك إلى أن قامت الثورات وفصلت الدين عن الحياة، وأوجدت عقيدة الحل الوسط بين رجال الدين ورجال السياسة، فأوجدت السلطة الروحية المتمثلة برجال الدين، ومكانهم في الكنيسة، وأوجدت السلطة الزمنية لرجال السياسة ومكانهم في الحكم والدولة، ومن هنا وجد ما يسمى بالدولة العلمانية التي تقصي الدين عن الحياة، وتقوم على فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، هذا باختصار شديد مفهوم الدولة الدينية والدولة العلمانية، ولأن كلمة العلمانية قد ارتبطت في أذهان المسلمين بالكفر والزندقة، فقد استخدم بعض مفكري التيارات غير الإسلامية في البلاد الإسلامية بدلا عنها مصطلح الدولة المدنية، كي يكون أكثر قبولا من العلمانية، وقد انطلى هذا التحايل على كثير من رواد الحركات والأحزاب والجماعات الإسلامية، الى أن وصل الأمر في بعض هذه الحركات إلى تبني هذا المصطلح، والذي هو في الأساس يقابل عسكرة الدولة أي الدولة التي يقودها العسكر، فالدولة التي تحكم من قبل الجنرالات تسمى دولة عسكرية، والدولة التي تحكم من قبل رجال السياسة المدنيين تسمى دولة مدنية، لكن هؤلاء قد محوروا هذا المعني إلى معنى الدولة العلمانية اللادينية، وبهذا يتبين لنا أن هذه المصطلحات غير موجودة في القاموس الإسلامي، ولم تستخدم من قبل حكام المسلمين الذين حكموا بالإسلام طوال ثلاثة عشر قرنا.


ثانيا: دولة الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين في الدنيا، حكامها بشر؛ يحكمون فيها بشرا مثلَهم، ويطبقون فيها أنظمة وقوانين معدة للتطبيق على البشر، تشتمل احكاما عامة تطبق على كل من يحمل تابعية الدولة دون تمييز، بغض النظر عن الدين او اللون او اللغة او غير ذلك، لكن الفرق بينها وبين الأنظمة والقوانين في الدول الأخرى، أنّ هذه الأنظمة والقوانين والأحكام مأخوذة من الكتاب والسنة وما أرشدا اليهما من إجماع صحابة وقياس فقط، أي انها مأخوذة من عند رب البشر، والأنظمة والقوانين والأحكام عند غيرها من الدول مأخوذة من البشر.


ثالثا: المسلمون ملزمون بأخذ الإسلام كاملا، ومعلوم أنّ الإسلام هو عقيدة ينبثق عنها أنظمة تشمل جميع مناحي الحياة والدولة والمجتمع، وتنظم علاقات الإنسان مع نفسه ومع ربه ومع غيره من بني البشر، ولا يجوز لهم أخذ الأنظمة والأحكام من غير الإسلام لقوله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ولقوله { أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وغيرها الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، فلا يجوز لنا أن نحكم بغير الإسلام بل لا يجوز لنا أن نأخذ بعضه ونترك بعضه لقوله تعالى: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ }، ومصادر هذه الأحكام هي الوحي.


رابعا: معلوم من الدين بالضرورة أنّ الكتاب والسنة هما من الوحي، فالكتاب لفظا ومعنى من الله، والسنة معنى لا لفظا من الله، ولم يقل احد أن السنة هي فقط الأقوال دون الأفعال، وإذا كان الأمر كذلك فيجب الالتزام بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ووجوب التأسي والإتباع له، لقوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وقوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر }، ورجاء الله واليوم الآخر هي قرينة على وجوب الإتباع، وقد كانت له أفعال وأقوال في الأحكام المتعلقة بالأفراد، وكانت له كذلك أفعال وأقوال في علاقات الحاكم - بصفته الدولة- مع الدول الأخرى ومع الأفراد، وله أقوال وأفعال متعلقة بالمعاونين والولاة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "... وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر" وأيضا من إرساله ولاة على الأمصار، كما أرسل معاذا وعليا، فكيف يصح أن يأخذ المسلمون بعض أحكامه ويتخلوا عن بعضها، يأخذون ما وافق هواهم ويتركون ما خالفه، { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ الله قد نهى نهيا جازما عن إتباع الهوى في التشريع، بقوله تعالى: { وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }، وكيف نفعل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذ شيء ليس من مطلق البشر فحسب، بل حتى من أهل الكتاب فقد روى الإمام أحمد : عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فغضب وقال: [ أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ] وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا قال: فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : [والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين] تفسير ابن كثير [ جزء 2 - صفحة 613، وكذلك لم ينقل أحد حتى برواية ضعيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عن الفرس أو الروم نظام حكمهم أو جزءا ولو يسيرا منهم، قال تعالى: { ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون }، فوصف أخذ غير أحكام الشريعة باتباع أهواء الذين لا يعلمون، وكذلك أمر في حالة التنازع بين الحكام والرعية برده إلى الله والرسول أي إلى الكتاب والسنة وليس الى أهواء البشر، قال تعالى: { يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر }، والحكام هم ولاة الأمر الشرعيين، وليسوا مغتصبي السلطة.


وفي المحصلة بماذا يصف من يطالب بالدولة المدنية من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوس الناس في الدولة، ويطبق فيها نظام حكم واقتصاد وسياسة خارجية وغيرها من الأنظمة؟! ومن هم ولاة الأمر الذين ذكروا في القرآن والسنة؟! وبماذا يسمون أبا بكر وعمر وعثمان وعلي عندما كانوا يحكمون الناس؟! فإذا كان هؤلاء ليسوا حكاما مسلمين فماذا يكونون إذن؟! وهل استطاعوا أن يوجدوا هم هذا النظام المتميز في الحكم والاقتصاد والسياسات المختلفة وغيرها؟! ما لهؤلاء الذين يفترون على الله الكذب لا يكادون يفقهون حديثا!!.


وكيف يقبل بشر أن يأخذ بتشريع بشر، ونحن نرى أن الثورات قامت على تشريعات البشر، فكيف يقبلون استبدالها بتشريعات بشر أيضا، { أفحكم الجاهلية يبغون } ومعلوم أن من يشرع من البشر يشرع حسب أهوائه ومصالحه، واتخاذ البشر مشرعين من دون الله هو اتخاذهم آلهة يعبدون من دون الله، كما قال تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله }، رُوِيَ عَنْ عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لِي: "يَا عُدَيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"، فَطَرَحْتُهُ ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأ:( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله(حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، قُلْتُ لَهُ : إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُم، فَقَالَ : " أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ " ؟ قَالَ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : " فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ "


والنتيجة أنّ العقيدة الإسلامية كما ينبثق عنها أحكام العبادات، ينبثق عنها أيضا نظام حكم ونظام اقتصاد ونظام سياسة خارجية وجميع أنظمة الحياة والدولة والمجتمع، طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم عمليا، في الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها في المدينة، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، واستمر هذا التطبيق لهذه الأنظمة في جميع عصور الدولة الإسلامية حتى إلغائها من قبل مجرم هذا العصر مصطفى كمال أتاتورك في مطلع القرن الماضي، وما حدث من بعض الإساءات في التطبيق لم يخرج الدولة عن كونها دولة إسلامية، بل بقيت تستمد أحكامها وأنظمتها وقوانينها من الإسلام، وكان الإسلام هو المصدر الوحيد للدولة الإسلامية في جميع تشريعاتها وأنظمتها وأحكامها، ولم يُنقل أن حكما واحدا أخذ من غير الإسلام، وها هي كتب الفقه وهي التي تمثل الثروة التشريعية للأمة الإسلامية والدولة الإسلامية زاخرة بالأحكام المستنبطة من أدلتها التفصيلية، ولمن أراد الإطلاع على تفاصيل أنظمة الحكم والاقتصاد وغيرها فعليه بالرجوع إلى كتب حزب التحرير التي أفرد لها كتبا خاصة بكل نظام، وضعها نتيجة استقراء واستنباط للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ومما ارشدا اليه من قياس وإجماع صحابة فقط، والسنة تشمل السنة القولية والسنة الفعلية وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حدد أربع قواعد للحكم هي:


1- السيادة للشرع وليست للشعب أو للأمة، ودليلها قوله تعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم }.
2- السلطان أي الحكم للآمة، ودليله "بايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره".
3- نصب خليفة واحد فرض على المسلمين، " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".
4- للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية، "أمر الإمام يرفع الخلاف"


وبهذا يتبين لنا أنّ دولة الخلافة هي دولة بشرية تستمد أحكامها من الإسلام فقط، وبالتالي فهي ليست دولة مدنية او علمانية وكذلك ليست دولة دينية او كهنوتية.


أحمد أبو قدوم

الحمد لله حمد الشاكرين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين, ومن اهتدى بهديه, واستن بسنته وسار على دربه, ودعا بدعوته إلى يوم الدين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم, برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:


إخوة الإيمان:


من الأفكار التي غزا بها الغربيون عقول المسلمين فكرة فصل الدين عن الحياة, وفصل الدين عن الدولة, وفصل الدين عن السياسة. فكرة فصل الدين عن الحياة والتي هي أساس حضارة الغرب ووجهة نظره في الحياة. فالدين عند الغربيين هو مجرد طقوس وشعائر معينة تعنى بالفرد ولا تخاطب المجتمع بوصفه كلا متكاملا. فنجد أن الدين عند الغرب يعالج أمورا مثل الزواج والطلاق والصلاة وبعض الأمور الخلقية, ولا علاقة له بالنظام الاقتصادي ونظام الحكم والسياسة الخارجية والحكام وغيرها من شؤون الحياة والمجتمع.


في مقابلة صحفية أجريت مع الملك حسين في الثمانينات أيام حرب الخليج بين العراق وإيران, عبر جريدة النهار العربي والدولي قال فيها: " نعتز بالإسلام دينا ونرفض تسييسه ", وقال أيضا: " أما دعاة التزمت الذين يدخلون الدين في السياسة والسياسة في الدين فأولئك يعملون عكس المطلوب ".


وقبل اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات بأيام قليلة قال مهددا الجماعات الإسلامية التي تهتم بالسياسة: " الذي يدخل الدين في السياسة والسياسة في الدين حفرمه فرم ". أي سأفرمه فرما. هذا التعبير باللهجة المصرية يعني أنه سيقطعه قطعا صغيرة. وقال الكاتب المصري أحمد أمين في كتابه " إلى ولدي " الذي تقرر تدريسه في مناهج التعليم في المرحلة الثانوية لدى بعض الدول العربية: " أما السياسة فأرتضيها لك قولا, ولا أرتضيها لك عملاً ".


هذا المفهوم يقدم للمسلمين لا بوساطة العلمانيين فحسب, بل للأسف يجري تقديمه بأسلوب خداع خبيث من قبل بعض " دعاة الإسلام " وشيوخهم, وحتى بعض الجماعات الإسلامية بغض النظر إذا كان يقدم للأمة بعلم من قبل الدعاة أو من غير علم فالنتيجة واحدة. فكم مرة سمعنا عبارات تحمل هذا المفهوم مثل : " السياسة تياسة ". " دع السياسة للسياسيين ". " لا سياسة في الدين, ولا دين في السياسة ". " عليك بنفسك " أو " دع السياسة واعمل على بناء إيمانك " أو " الأمة ليست مستعدة للحديث عن الحكام والحكم بالإسلام فعلينا الآن العمل على بناء أنفسنا " أو " على الشباب أن لا يشغل نفسه بهذه الأمور وعليه أن يركز على طلب العلم "... فما معنى السياسة؟ وما موقف الإسلام منها؟


السياسة في اللغة مشتقة من الفعل: ساس, يسوس, فهو سائس, ومعناه: رعى, يرعى, فهو راع. ومنها أخذ لفظ " سائس الخيل " و " سائس الإبل " وهو الرجل الذي يعتني بالخيل أو الإبل: يختار لها أفضل المراعي, ويطعمها, ويسقيها, ويوفر لها المبيت الآمن, ويضمد جراحها, ويداويها إذا مرضت. فالسياسة معناها الرعاية.


ومن هنا ندرك الحكمة من رعاية الأنبياء للغنم: فما من نبي إلاَّ ورعى الغنم, وقد كان نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة.


وفي مقابلة صحفية مع العقيد القذافي حاكم ليبيا, قالت الصحفية تسأل العقيد: " ما من نبي إلاَّ ورعى الغنم ". فهل رعيت الغنم يا سيادة العقيد؟ فأجاب: " نعم ". فقالت الصحفية لترضي غرور القذافي: " أنت رسول الصحراء ".


جاء في صحيح البخاري قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن عبد الله، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام : « كلكم راع وكلكم مسئول فالإمام راع وهو مسئول والرجل راع على أهله وهو مسئول والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة والعبد راع على مال سيده وهو مسئول ألا فكلكم راع وكلكم مسئول ».


وما دام الإمام راع لأفراد رعيته, والرجل راع لأهل بيته, والمرأة راعية لبيتها, والعبد راع لمال سيده. مادام كل واحد من هؤلاء راع وهو مسئول عن رعيته, وما دامت السياسة هي الرعاية, وما دام النبي عليه الصلاة والسلام يقول: « كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته »؛ إذن من حقنا أن نقول بملء الفم هذه العبارة: " كلنا راع أي كلنا سياسي ".


وجاء في صحيح البخاري أيضا قال: حدثني محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فرات القزاز قال: سمعت أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا: فما تأمرنا قال فُوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ».


الإسلام دين منه الدولة. والسياسة جزء من الإسلام. والإسلام دين يعالج جميع شؤون الحياة, ومن يقول خلاف ذلك يكون مخطئا أشد الخطأ. وها هم بعض " دعاة الإسلام " وشيوخهم, وحتى بعض الجماعات الإسلامية منذ عشرات السنين يشغلون الأمة ببعض جوانب من الإسلام بشكل مبتور لا يعالج الموضوع بشكل متكامل ولا يربطون هذه الأحكام بالعقيدة أو كونها جزءا من طريقة الحياة الإسلامية بل تقدم كطقوس كهنوتية.


وبالإضافة إلى هذا ها هم يتركون أحكام الإسلام المتعلقة بالحدود والجهاد وواقع الدار هل هي دار إسلام أو دار كفر. وأحكام المعاهدات في الإسلام ومقارنتها بالمعاهدات الحياتية التي تعقد وأنظمة الكفر التي تطبق.


هذا العمل المركز من قبل هؤلاء نجح نجاحا كبيرا منذ غدا الإسلام عند الأمة مجرد طقوس وشعائر لا تمت للحياة بصلة فتراهم يغضبون لمسلم يدخل المسجد برجله اليسرى, ولا يرون بأسا بإقصاء حكم الله تعالى عن الحياة والمجتمع وتطبيق حكم الكفر عليهم. حتى وإن رأوا بأسا بالحكم بأنظمة الكفر فهم لا ينظرون إليها على أنها قضية حياة أو موت بل يرونه على أنه الهدف البعيد الذي سيأتي في الوقت المناسب، أما الآن فهو في نظرهم وقت تصحيح الأمور الفردية. وما هذا الاتجاه إلا تكريس لفكرة فصل الدين عن الحياة حتى لو لم يعلم حامل هذه الأفكار هذه الناحية فهذا هو الواقع. وإلا فما الذي يفرق فصل الدين عن الحياة عن هذا الاتجاه؟ من الواضح أنه لا فرق. فليحذر المسلمون من الأخذ بهذه الأفكار.


اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا, وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا, واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير, واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علما نافعا. اللهم أقر أعيننا بقيام دولة الخلافة, واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مهاجرة غير