الإسلاميون بين التذاكي الساذج والمبدئية الرصينة
May 17, 2012

الإسلاميون بين التذاكي الساذج والمبدئية الرصينة


تشكل الثورات التي تجري في بلادنا خطوة فارقة في تاريخ أمتنا، والتي نرجو أن تكون خطوة مفصلية على طريق النهضة الشاملة. لكنها لن تكون كذلك ما لم تنتقل من مرحلة الثورة على الواقع البائس إلى ثورة لإيجاد واقع جديد تُستأنف فيه الحياة الإسلامية، التي تقيم الخلافة وتوحد الأمة وتلغي التبعية للقوى الأجنبية وتحكم الشريعة، فتفرض العدل وترسي الأمن وتعيد توزيع الثروة وتضمن إشباع الحاجات الأساسية لأفراد المجتمع ما يفضي إلى أجواء تعمها السكينة والطمأنينة.

لذلك كان لا بد من رفض دعوات تلك الفئة المنحرفة عن الجادة من العلمانيين المتعجرفين والمعزولين ومن يحابيهم ويمالئهم ممن يريدون فرض وصايتهم على أمتنا وتكريس غربتها بإقامة الدولة المدنية والديمقراطية والوطنية، التي تحول الإسلام لمجرد هوية شخصية أو هوية شكلية للدولة، لا نظام حكم وشريعة أمة تفرض نموذجاً خاصاً للعلاقات داخل الدولة وخارجها (أي في العلاقات الدولية).

إن التزام الشرع وجعله ميزان الحق والباطل فيما يتعلق بشكل الدولة والأنظمة والقوانين التي ترعى شؤون المجتمع في القضاء والاقتصاد والاجتماع هو من بدهيات الإسلام. ويجب أن يبقى ذلك واضحاً للعيان أمام العاملين للإسلام ليبقى دربهم مضيئاً فلا ينحرفوا عن غايتهم النبيلة (إقامة الإسلام في دولة الخلافة) مهما تعثروا أثناء سعيهم لذلك.

لقد صرحت الأدلة الشرعية القطعية الثبوت والدلالة بوجوب الاحتكام للإسلام وبنبذ ما سواه من أحكام وضعية وصمتها الآيات والأحاديث بأحكام الجاهلية. كما أثبت الواقع في فترات عدة غاب فيها الاحتكام للإسلام جزئياً أو كلياً (على نحو ما جرى في القرن الأخير) بأن الاحتكام للإسلام وإقامة دولة الإسلام هما مفتاح الخلاص مما تعانيه أمتنا من ضعف وذل ويتم وانحطاط وتشرذم وضنك وضياع. وعليه فإن أي دعوة تقصي أحكام الإسلام عن الدولة والمجتمع بذريعة الكياسة والفطنة والسياسة، هو عبث وانحراف عن المنهج الشرعي الذي يطالب بالاستقامة على منهج الله كما في قوله تعالى{ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [ وقوله ] إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}

لذلك كان واجباً على أية جماعة تؤمن بالإسلام وتتمكن من السلطة أو تؤثر فيها أن تباشر التعامل مع القضايا التفصيلية لحياة الناس في المجتمع والدولة بحسب الأحكام الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة وليس من الأهواء أو من التوافق مع المنحرفين عن منهج الله. بل يجب على تلك الجماعات أن تزيل أي غشاوة عما يمكن أن يشوب مواقفها من قضايا الأمة تنفيذاً لقوله تعالى { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} لا أن تعبث بها من خلال عمليات تذاكٍ مفضوحة مما درج على ألسنة بعض رموز الحركات الإسلامية، كقبول بعضهم باتفاقية كامب ديفيد بعد إجراء بعض التعديلات عليها، رغم أنهم يعلمون بطلان هذه الاتفاقية أصلاً وفصلاً.

إن الغافل والساذج فقط هو من يتوهم إمكان كسب ود القوى المناوئة للإسلام، سيما الدول الكبرى كأميركا وفرنسا وبريطانيا وغيرها بمجرد إطلاق تصريحات تروق لها، ذلك أن لتلك الدول باع واسع في السياسة، وتدرك معناها حقيقة، فتقيس صدق التوجهات وجديتها من خلال مواقف عملية تجاه مصالحها، وليس من خلال إطلاق الوعود والإكثار من الكلام المعسول. فهذه الدول هي سيدة العالم في الدعاية والدجل وبيع الكلام، والذي تبرُع باستخدامه في خداع الشعوب، كدعوتها للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتزام القانون واحترام سيادة الدول والشعوب، فيما كانت ولا زالت تمارس الاستعمار بأبشع أشكاله.

للأسف هناك من ابتلع الديمقراطية شكلاً ومضموناً فيتساءل لم لا يترك هؤلاء (الواصلون إلى السلطة من الإسلاميين) وشأنهم إلى أن تأتي الدورة الجديدة من الانتخابات ومن ثم يتم إسقاطهم شعبياً إذا ما أخفقوا في تحقيق ما ينشده الناس منهم، غافلين أو متغافلين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العمود الفقري في المجتمع الإسلامي، وأن التفريط به مدعاة للانهيار. كما أن الشرعية لأي عقد في توكيل أو إنابة أو بيعة استلام سلطة لا يستند فقط إلى مجرد تمثيل الناس بآليات حرة، بل يلزم اقتران ذلك بالخضوع للشرع، وأي إخلال بهذا الميزان يبطل شرعية هذا الاختيار، إذ ينص الإسلام على أن السلطان للأمة والسيادة للشرع، وأي تغيير في هذا يقوِّض القاعدة الأساسية لنظام الحكم في الإسلام.

إضافة لما سبق فإن اختيار الجماهير العريضة للإسلاميين، استند إلى كون هؤلاء هم خير من يمثلهم في تحقيق رغبتهم العارمة في رؤية العدل والحق الذي نص الإسلام على تطبيقه. عليه فإن المطلوب منهم هو السعي لتحقيق هذه الغاية لا إهمالها أو مجافاتها. لذلك كله وجب التحذير من عبث الانتهازيين (من تجار السياسة وهواتها) بمصير الأمة وتبيان مخاطر مناهجهم ومواقفهم وحجم ضررها فكرياً ومعنوياً ومادياً، إضافة للسعي الحثيث لبلورة أفكار الإسلام وأحكامه لضخ الوعي السياسي بكل ما أمكن من وسائل وأساليب بغية إيجاد رأي عام حاضن للمعايير المبدئية الصحيحة التي يجب أن يخضع لها أي توجه سياسي في هذه الأمة.

حسن الحسن

منقول عن مجلة الوعي العددين 304-303، السنة السادسة والعشرون ، ربيع الثاني وجمادى الاولى 1433هـ ، آذار ونيسان2012م

المزيد من القسم null

أبو وضاحة نيوز: وقفة وكلمة لإفشال مؤامرة فصل دارفور ببورتسودان

أبو وضاحة شعار

14-11-2025

أبو وضاحة نيوز: وقفة وكلمة لإفشال مؤامرة فصل دارفور ببورتسودان

في إطار الحملة التي يقوم بها حزب التحرير/ ولاية السودان لإفشال المؤامرة الأمريكية لفصل دارفور، أقام شباب حزب التحرير/ ولاية السودان، وقفة عقب صلاة الجمعة، 23 جمادى الأولى 1447هـ، الموافق 2025/11/14م، أمام مسجد باشيخ ، بمدينة بورتسودان حي ديم مدينة.


القى فيها الأستاذ محمد جامع أبو أيمن – مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان كلمة في جموع الحاضرين، داعياً إلى العمل لإفشال المخطط الجاري لفصل دارفور، فقال: أفشلوا مخطط أمريكا لفصل دارفور كما فصل الجنوب، وذلك للحفاظ على وحدة الأمة، وقد حرم الإسلام تفرقة هذه الأمة وتمزيقها، وجعل وحدة الأمة والدولة قضية مصيرية، تتخذ حيالها إجراء واحد، الحياة أو الموت، ولما نزلت هذه القضية عن مرتبتها، استطاع الكافرون، وعلى رأسهم أمريكا، وبمساعدة بعض أبناء المسلمين أن تمزق بلدنا، وتفصل جنوب السودان ..وقد سكت بعضنا عن هذا الاثم العظيم، وتلبسوا بالتقصير والتخاذل فمرت تلك الجريمة! وهاهي أمريكا تعود اليوم، لتنفيذ المخطط نفسه، وبالسيناريو نفسه، لسلخ دارفور عن جسم السودان، بما سمته مخطط حدود الدم. مستندة إلى الانفصاليين الذين يحتلون كل دارفور وقد أسسوا دولتهم المزعومة بإعلانهم حكومة موازية في مدينة نيالا؛ فهل تتركون أمريكا تفعل ذلك في بلدكم؟!


ثم وجه رسالة للعلماء، ولأهل السودان، وللضباط المخلصين في القوات المسلحة بالتحرك لتحرير كامل دارفور ومنع الانفصال وأن الفرصة ما زالت قائمة لاجهاض خطة العدو، وإفشال هذا المكر ، وأن العلاج الجذري هو في إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهي وحدها التي تحفظ الأمة، وتدافع عن وحدتها، وتقيم شرع ربها.


ثم ختم كلامه قائلاً: نحن اخوانكم في حزب التحرير اخترنا أن نكون مع الله تعالى، وننصر الله، ونصدق به، ونحقق بشرى رسول الله ﷺ فهلموا معنا فان الله ناصرنا لا محالة. قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.


المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المصدر: أبو وضاحة نيوز

الرادار: بابنوسة على خُطا الفاشر

الرادار شعار

13-11-2025

الرادار: بابنوسة على خُطا الفاشر

بقلم المهندس/حسب الله النور

هاجمت قوات الدعم السريع مدينة بابنوسة يوم الأحد المنصرم، وكررت هجومها صباح الثلاثاء.

سقطت الفاشر سقوطاً مدوّياً، فكانت فاجعة هزّت كيان السودان وأدمت قلوب أهله، حيث سالت الدماء الزكية، وتيتم الأطفال، ورُمّلت النساء، وثُكلت الأمهات.


ومع كل تلك المآسي، لم تُمسّ للمفاوضات الجارية في واشنطن شعرة واحدة، بل على العكس تماماً، فقد صرّح مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس لقناة الجزيرة مباشر بتاريخ ٢٧/١٠/٢٠٢٥م بأن سقوط الفاشر يُكرّس لتقسيم السودان ويساعد على سير المفاوضات!


في تلك اللحظة المفصلية، أدرك كثيرٌ من أبناء السودان أن ما يجري ليس إلا فصلاً جديدا من مخططٍ قديمٍ طالما حذّر منه المخلصون، مخطط فصل دارفور، الذي يُراد فرضه بأدوات الحرب والتجويع والدمار.


وقد اتسعت دائرة الرفض لما سُمّيت بهدنة الأشهر الثلاثة، وارتفعت الأصوات المعارضة لها، خصوصاً بعد تسرّب أنباءٍ عن احتمال تمديدها لتسعة أشهر أخرى، وهو ما يعني عملياً صوملة السودان وجعل الانقسام أمراً واقعاً لا مفرّ منه كما هو الحال في ليبيا.


ولمّا عجز صُنّاع الحرب عن إسكات هذه الأصوات بالترغيب، قرروا إسكاتها بالترهيب. وهكذا وُجّهت بوصلة الهجوم نحو بابنوسة، لتكون مسرحاً لتكرار مشهد الفاشر؛ حصارٌ خانقٌ امتد لعامين، وإسقاط طائرة شحن لتبرير وقف الإمداد الجوي، وقصفٌ متزامنٌ لمدنٍ سودانية؛ أم درمان، عطبرة، الدمازين، الأبيض، وأم برمبيطة، وأبو جبيهة والعباسية، كما حدث أثناء الهجوم على الفاشر.


بدأ الهجوم على بابنوسة يوم الأحد، وتجدد صباح الثلاثاء، مستخدمةً قوات الدعم السريع الأساليب والوسائل نفسها، التي استخدمتها في الفاشر. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يُرصد أيّ تحرك فعليّ للجيش لنجدة أهل بابنوسة، في تكرارٍ مؤلمٍ يكاد يتطابق مع مشهد الفاشر قبل سقوطها.


فإن سقطت بابنوسة – لا قدّر الله – ولم تخفت الأصوات الرافضة للهدنة، فستتكرر المأساة في مدينةٍ أخرى… وهكذا، حتى يُفرض على أهل السودان القبول بالهدنة وهم صاغرون.


ذلك هو المخطط الأمريكي للسودان كما يبدو للعيان؛ فانتبهوا يا أهل السودان، وتدبّروا ما أنتم فاعلون، قبل أن يُكتب على خريطة بلادكم فصلٌ جديدٌ عنوانه التقسيم والضياع.


لقد تم تهجير أهل بابنوسة بالكامل، والبالغ عددهم ١٧٧ ألف نسمة، كما ورد في قناة الحدث بتاريخ ١٠/١١/ ٢٠٢٥م، وهم هائمون على وجوههم لا يلوون على شيء.


إن الصراخ والعويل ولطم الخدود وشق الجيوب من شِيَم النساء، أما الموقف فيحتاج إلى رجولة وشجاعة تُنكر المنكر، ويُؤخذ فيها على يد الظالم، وتُرفع فيها كلمة الحق مطالبةً بفكّ قيد الجيوش لتتحرك لنجدة بابنوسة، بل لإعادة كامل دارفور.


قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ». وقال ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ».


وإنه لمن أشدّ أنواع الظلم، ومن أكبر المنكرات، أن يُخذل أهلُنا في بابنوسة كما خُذل أهل الفاشر من قبل.


إن أمريكا التي تسعى اليوم إلى تقسيم السودان، هي نفسها التي فصلت الجنوب من قبل، وتسعى لتقسيم العراق واليمن وسوريا وليبيا، وكما يقول أهل الشام “والحبل على الجرار”، حتى تعمّ الفوضى أمة الإسلام بأسرها، والله يدعونا إلى الوحدة.


قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، وقال ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا». وقال: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِناً مَنْ كَانَ». وقال أيضاً: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ».


ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.

المصدر: الرادار