الإسلاميون: مقالة بعنوان "ذكريات البعض وقصة فتاة تدعى سارة بارتمان"
March 06, 2014

الإسلاميون: مقالة بعنوان "ذكريات البعض وقصة فتاة تدعى سارة بارتمان"

2014-03-05

من سلسلة: المسلمة في مرايا الإعلام

1- ذكريات البعض وقصة فتاة تدعى سارة بارتمان

انتشرت منذ التسعينات من القرن المنصرم كتابات لنساء وُلِدْنَ في أسر مسلمة يتحدثن فيها عن تجاربهن المريرة مع الحياة في مجتمع مسلم وقصة نجاحهن في الهروب من ذلك المجتمع والتغلب على قيمه.

الرابط المشترك بين هذه الكتابات هي محاولة إثبات أن المجتمع المسلم مجتمع تسود فيه الميسوجينية (كراهية المرأة) والتعبير عن الصور المختلفة التي تتجلى فيها هذه الكراهية.

تحاول هذه الكتابات أن تربط بين المسلمين (الإسلام) والميسوجينية بالرغم من أن التعبير نفسه مستمد من اليونانية ووضع ليعبر عن أنماط أدبية وفكرية يونانية هيمنت عليها كراهية المرأة واحتقار أي إنسان مختلف.


لعل اللافت أيضاً أن هذه الكتابات التي تسرد قصص المسلمات "المقهورات!" تأخذ طابع كتب المذكرات الشخصية وتصحبها حملة إعلامية ترويجية منظمة ومبنية على صورة قاتمة للمسلمة التي تروي كيف أنقذها الغرب من براثن حضارة ظالمة وثقافة مجهولة وتجسد صراع الكاتبة الأسطوري ضد الحجاب أو الخفاض (ختان الإناث) أو زواج القاصرات، وغيرها من القضايا المتكررة.

اتُخذت فرنسا كمكان لتسويق وإطلاق هذا النوع من المذكرات وأصبح لها رواج خاص في المجتمع الفرنسي، ولم يأتِ هذا الأمر كمفاجأة في إطار الإسلامافوبيا الفرنسية والعداء للحجاب وكل رموز الإسلام، ساند الفرنسيون هذه الكتابات، ولعل هذا الترويج يعد بمثابة ردة فعل لأزمة داخلية بعد أن انتقل الصراع مع أبناء

المستعمرات السابقة من شمال أفريقيا إلى فرنسا نفسها في ما يسمى بالضواحي "banlieues" ولفظ الجيل الثاني من المهاجرين قيم فرنسا العليا بل وأقبل الفرنسيون على اعتناق الإسلام، وكلما ازداد الإقبال على الإسلام ازدادت الهجمة ضد قيمه وأحكامه.

ولزيادة التشويق ولإضفاء قالب شعبوي على هذه الكتابات فإنها لم تخلُ من وصف إباحي وأجواء مبتذلة لها رواج في المجتمعات الغربية. درست ليلى أبو لغد أستاذة علم الإنسان في جامعة كولومبيا هذه الكتابات وسردت ما وجدته من تناقضات وافتراءات في تلك الكتابات الرديئة أدبيا وعرضها للمرأة في صورة مبتذلة من أجل تحقيق ربح مادي.

كما ذكرت أن معظم هذه المذكرات التي حظيت بانتشار واسع ونجاح تجاري مذهل شارك فيها كاتب/كاتبة غربية ومكتوبة بلغة وأسلوب لا ينتميان للبيئة المتحدَّث عنها وتخاطب العقلية الغربية وتستند لثقافته. باختصار هذه المذكرات لم تنشر للاستهلاك في بلاد المسلمين؛ فلغة السرد التي يغلب عليها التهويل والتأليب على الإسلام، والكلام الذي تمجُّه الأسماعُ، والحشو لقصص الفجر والفواحش بشكل يذكّر القارئ برداءة وقبح ألف ليلة وليلة وقصص الصعاليك لا يتقبلها أي مسلم.

ولم يكن المسلم محلّ اهتمام الآلة الدعائية الغربية، بل إن المواطن الغربي هو المقصود بالإقناع ليصدق أن تحرير المرأة ونشر الحماية لها غاية نبيلة لا بد أن يضحي من أجلها الإنسان المتحضر، وأصبحت الخلطة السحرية لترويج أي كتاب في الغرب يتمثل في صورة فتاة مسلمة مع تنويه بأن هذا الكتاب يحكي مأساة وصراع فتاة حاربت الموروث وتحدّت القوالب الجامدة ورفضت قهر النساء وتشبثت بطوق النجاة والقيم الليبرالية.. فأصبحت بذلك قصاقيص من حياة ليلى أو ندى أو فاطمة غلافًا مخمليًّا لتبرير غزو البلاد ولقدح الحضارة الإسلامية وواجهة لصراع حضاري تواري الخصم عن المواجهة فيه.

ارتبطت فترة الاستعمار بالاستشراق وهوس الأخير بالمرأة المسلمة، فقد صورها المستشرق بصورة هي أبعد ما تكون عن واقع هذه المرأة البعيدة عن أنظاره. فسرد المستشرقون القصص عن ذوات الخدور وتداول الصور الزيتية التي روج لها وزعم أنها للحرملك العثماني، ولم يأبه بتشكيك الأكاديميين الغربيين أو تكذيب الكاتبات الغربيات اللواتي تسنى لهن دخول الحرملك. لم يحلم المستشرق بسماع صوت المرأة المسلمة وهي في حياتها الخاصة، ناهيك عن رؤيتها، فإذا به يترك العنان لمخيلته المريضة ويتخذ من هذا الموضوع أداة لمحاولة النيل من الإسلام وأهله بدلاً من مقارعة الفكر بالفكر وتفنيد حجة الخصم وإقامة البرهان عليه.

لعل هذه المذكرات الحاقدة التي تهدف لتشويه الإسلام وهذا الطرح المليء بالإثارة يستهويان الباحثين عن سبب للطعن في الإسلام، وينطليان على المخدوعين المغرر بهم من الذين شغلهم الحقد على الإسلام عن التمييز والإدراك الصحيح؛ فتراهم يتوجهون نحو الضمير الغربي لطرح قضية المرأة والبحث عن الخلاص من صور الظلم والقهر؛ سواء أكانت هذه مظالمَ شرعيةً أم افتراءاتٍ وتدليسًا منسجمًا مع لغة الاستشراق وأهدافه؟ يظل التساؤل الملحّ في هذه القضية هو: هل يحق للغرب أن يعتلي هذه المرتبة ويدعي السمو الأخلاقي؟ وهل هو أهلٌ لأن تتقرب منه الناشطات من بني جلدتنا وتنصبنه كَحَكَم (بغض النظر عن القضية المطروحة)؟ وللإجابة على هذا السؤال نستحضر قصة حياة امرأة أفريقية تدعى سارة بارتمان.. وما أدراك مَنْ هي سارة بارتمان؟ قليلون هم الذين سمعوا بقصة حياة امرأة تدعى (سارتجي) سارة بارتمان (1789 - 1815) (لعل هذا اسمها أو اسم عرّفها به المستعمر الهولندي)، عرفت أيضاً باسم "زهرة الهوتنتوت"؛ والهوتنتوت اسم أطلقه الهولنديون على قبيلة "الخوي خوي" بسبب مخارج الحروف عندهم.

ولدت سارة لأسرة من قبائل "الخوي خوي" الأفريقية التي تستوطن أقصى جنوب القارة الأفريقية، تتميز بملامح جسدية معينة وسمات جينية تعطي المرأة شكلاً مختلفاً. عملت سارة كخادمة مملوكة لفلاحين هولنديين في موطنها جنوب أفريقيا، ورآها هناك جراح زائر من بريطانيا يدعى ألكساندر دنلوب، فانتبه لغرابة حجمها وشكلها (كانت مختلفة عن شكل نساء بلده ولكنه جسدها الخازن للدهون عادي جداً بين نساء "الخوي خوي" وبعض القبائل الأفريقية بل إنها تحمل مقاييس الجمال بين قومها)، فعرض عليها أن تذهب معه إلى لندن لإجراء بعض الأبحاث على شكلها الغريب ووعدها بالشهرة والثراء. ذهبت للندن في 1810 وهي في الواحدة والعشرين فإذا بها تعرض شبه عارية في سيرك "بيكدييلي" الشهير في قلب العاصمة البريطانية بجوار الحيوانات المفترسة تحت إشراف مدرب يلقنها حركات تتقمص بها حيوانات الغاب، وكان يُسمح للزوار بلمس جسدها "الغريب" أو وخزها بعصاة مقابل زيادة في السعر. لم ير المجتمع غضاضة في ذلك، بل إن الإعلانات عن عرض هذا القادم القبيح الغريب من أفريقيا ملأت الشوارع وأثارت فضول الناس في العاصمة البريطانية.

بعد أربع سنوات من عملها في دور العرض وتعرّضها لصنوف الذل والهوان نُقلت إلى باريس بعد أن اشتراها رجل فرنسي لتعرض تحت إشراف مدرب الحيوانات المفترسة. وفي أثناء هذه المدة تم عرضها للجراحين الفرنسيين وأبرزهم عالم علم الحيوان الشهير جورج كوفييه، عرضت أمام لجان علمية ورسمت لها لوحات علمية "عارية" باسم العلم وتقدمه ورقيّه! أصبحت الفتاة الأفريقية محط أنظار الجميع وتحت تصرفهم؛ تارة لإرضاء غرورهم العلمي وتارة أخرى للهو والسخرية ومآرب أخرى.

أذاقوا الفتاة ما هو أسوأ من العبودية ولم يكتفوا بعرض جسدها المكلوم فقط بل استغلوها في البغاء حتى توفيت مريضة وحيدة غريبة مهانة ومحطمة. لم يكرم الفرنسيون جسد سارة حتى بعد الوفاة، بل تم تشريح الجثة من قبل كوفييه الذي انتزع بعض الأعضاء ليجري أبحاثًا ويستنتج أنها أقرب لقرد الرباح أو البابون (من فصيلة سعادين العالم القديم). عرض الفرنسيون رفات سارة في متحف في باريس يدعى متحف الإنسان، وقام بعض علماء التاريخ الطبيعي العنصريين بتقطيع أطرافها، وحفظوا مخها وأعضاء حساسة من جسدها داخل صناديق زجاجية وعرضوها على الملأ في متحف الإنسان (ميوزي دو لوم (حتى 1974، واستعادت جنوب أفريقيا رفاتها عام 2002 وأقامت حفل تأبين لتعيد لسارة كرامتها ولكن أي حفل يصلح ما حدث؟! قبحهم الله. من يقرأ هذه القصة وتفاصيلها المؤلمة يشعر بأن هذا ضرب من الخيال، ولكن الحقيقة أن هذه الحادثة لم تكن استثناءً شاذًاً، بل إن أوروبا عرفت ما أطلق عليه حديقة حدائق البشر أو قرى العبيد Human zoo، وسميت أيضاً بـ (قرى الزنوج أو معرض الأعراق أو سيرك الغرائب).

وجلبوا أهالي المستعمرات من النوبة وجنوب أفريقيا والمستعمرات في آسيا وغيرها للغرب ليعاين المستعمر أهل تلك البلاد البعيدة، وانتقوهم من أجل العرض كما ينتقي المرء القطع الأثرية! وقد كانت هذه العروض للبشر في القرن التاسع عشر والعشرين تتستر تارة خلف قناع العلوم وتارة أخرى خلف قناع المعرفة وحب الاستطلاع، ولكن في المحصلة جلبت أهالي المستعمرات من الكونغو والنوبة وشرق آسيا وغيرها وعرضتهم ليكونوا مثار السخرية والازدراء وكان لها شعبية كبيرة بين كافة الفئات. هذه العروض التي بررها البعض باسم دراسة الأنثربولوجيا (علم الإنسان) وادعت أنها تسعى للمعرفة كانت تؤسس ما عرف بالعنصرية العلمية ((Scientific Racism أو الداروينية الاجتماعية التي تصب في اتجاه التفوق النوعي للشعوب الأوروبية.

عرض كان يسعى لإيجاد الرابط في عملية التطور بين القرد والإنسان الأبيض حسب نظرية النشوء والارتقاء ونظريات عنصرية وبذيئة قائمة على الأحقاد بدلاً من التجربة العلمية بهدف تبرير استعمار الشعوب وسلب ثرواتها فهم أدنى مرتبة من المستعمر! لعل المثال الآخر على هذه المغارة القذرة للمستعمر هو اصطياد أحد علماء التطور لرجل أفريقي قزم يدعى "أوتا بينغا" مما يعرف اليوم بالكونغو الديمقراطية بعد أن وقع في الرق، وأبحر به الصائد للعالم الجديد فإذا به يعرض عام 1904 في معرض الأنتروبولوجيا في معرض سينت لويس العالمي الشهير، وفي عام 1906 في حديقة حيوان برونْكس في نيويورك، عرضوه تحت مسمى "السلف القديم للإنسان" ببطاقة تعريفية بجوار أفراد من قردة الشمبانزي وبعض الغوريلاّت، وكما هو متوقع انتهى المطاف بأوتا للانتحار. لطالما ظننت أن لا جرم يفوق الاستعمار وأنه ذروة الضيم الذي يقترفه الإنسان بحق الإنسان، ولكن هذا تغير بعد أن قرأت عن قصة حياة سارة بارتمان وأوتا بينغا، ولعل قصة سارة أكثر تأثيراً لأنها معاناة استمرت لقرابة المئتي عام وانتهت بالأمس القريب. أصبحت سارة رمزاً لجنوب أفريقيا وأيقونة لزمن تشدق المهيمنون فيه بقيم هي منهم براء وصارت سارة رمزاً خالداً لسادية المستعمر ورصيده الأخلاقي. وبعد هذا نرى من يخاطب الغرب ويفرح للمساحة الإعلامية الرخيصة على منابره ليظهر ويشوه الإسلام ويتظاهر بالثورية ويدعي الانتصار على قطعة قماش يتبرأ منها وكأنها وصمة عار تشينه! أو يروج لحملات يجهل أهدافها الحقيقية!! تتكرر قصص الناشطات الساعيات ليكنّ أيقونة الصراع ضد الرموز الذكورية في بلادهن ولكن ينسين أنهن يخاطبن مَنْ امْتَهَنَ إنسانية سارة واغتصب روحها ولم يتركها في مأمن حتى بعد موتها. يقدمن التماسهن لمن لا يرى فيهن إلا سارة أخرى.. مجرد سارة! إن الإسلام العظيم أعطى للإنسان أغلى ما في الكون وهو كرامته وإنسانيته، فحري بنا أن ننشر هذا الدين العظيم وأن نرفع الهامات في شموخ واعتزاز ونحن نردد: الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها من نعمة.

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾

أم يحيى بنت محمد ، عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المصدر: الإسلاميون

المزيد من القسم null

أبو وضاحة نيوز: وقفة وكلمة لإفشال مؤامرة فصل دارفور ببورتسودان

أبو وضاحة شعار

14-11-2025

أبو وضاحة نيوز: وقفة وكلمة لإفشال مؤامرة فصل دارفور ببورتسودان

في إطار الحملة التي يقوم بها حزب التحرير/ ولاية السودان لإفشال المؤامرة الأمريكية لفصل دارفور، أقام شباب حزب التحرير/ ولاية السودان، وقفة عقب صلاة الجمعة، 23 جمادى الأولى 1447هـ، الموافق 2025/11/14م، أمام مسجد باشيخ ، بمدينة بورتسودان حي ديم مدينة.


القى فيها الأستاذ محمد جامع أبو أيمن – مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان كلمة في جموع الحاضرين، داعياً إلى العمل لإفشال المخطط الجاري لفصل دارفور، فقال: أفشلوا مخطط أمريكا لفصل دارفور كما فصل الجنوب، وذلك للحفاظ على وحدة الأمة، وقد حرم الإسلام تفرقة هذه الأمة وتمزيقها، وجعل وحدة الأمة والدولة قضية مصيرية، تتخذ حيالها إجراء واحد، الحياة أو الموت، ولما نزلت هذه القضية عن مرتبتها، استطاع الكافرون، وعلى رأسهم أمريكا، وبمساعدة بعض أبناء المسلمين أن تمزق بلدنا، وتفصل جنوب السودان ..وقد سكت بعضنا عن هذا الاثم العظيم، وتلبسوا بالتقصير والتخاذل فمرت تلك الجريمة! وهاهي أمريكا تعود اليوم، لتنفيذ المخطط نفسه، وبالسيناريو نفسه، لسلخ دارفور عن جسم السودان، بما سمته مخطط حدود الدم. مستندة إلى الانفصاليين الذين يحتلون كل دارفور وقد أسسوا دولتهم المزعومة بإعلانهم حكومة موازية في مدينة نيالا؛ فهل تتركون أمريكا تفعل ذلك في بلدكم؟!


ثم وجه رسالة للعلماء، ولأهل السودان، وللضباط المخلصين في القوات المسلحة بالتحرك لتحرير كامل دارفور ومنع الانفصال وأن الفرصة ما زالت قائمة لاجهاض خطة العدو، وإفشال هذا المكر ، وأن العلاج الجذري هو في إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهي وحدها التي تحفظ الأمة، وتدافع عن وحدتها، وتقيم شرع ربها.


ثم ختم كلامه قائلاً: نحن اخوانكم في حزب التحرير اخترنا أن نكون مع الله تعالى، وننصر الله، ونصدق به، ونحقق بشرى رسول الله ﷺ فهلموا معنا فان الله ناصرنا لا محالة. قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.


المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المصدر: أبو وضاحة نيوز

الرادار: بابنوسة على خُطا الفاشر

الرادار شعار

13-11-2025

الرادار: بابنوسة على خُطا الفاشر

بقلم المهندس/حسب الله النور

هاجمت قوات الدعم السريع مدينة بابنوسة يوم الأحد المنصرم، وكررت هجومها صباح الثلاثاء.

سقطت الفاشر سقوطاً مدوّياً، فكانت فاجعة هزّت كيان السودان وأدمت قلوب أهله، حيث سالت الدماء الزكية، وتيتم الأطفال، ورُمّلت النساء، وثُكلت الأمهات.


ومع كل تلك المآسي، لم تُمسّ للمفاوضات الجارية في واشنطن شعرة واحدة، بل على العكس تماماً، فقد صرّح مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس لقناة الجزيرة مباشر بتاريخ ٢٧/١٠/٢٠٢٥م بأن سقوط الفاشر يُكرّس لتقسيم السودان ويساعد على سير المفاوضات!


في تلك اللحظة المفصلية، أدرك كثيرٌ من أبناء السودان أن ما يجري ليس إلا فصلاً جديدا من مخططٍ قديمٍ طالما حذّر منه المخلصون، مخطط فصل دارفور، الذي يُراد فرضه بأدوات الحرب والتجويع والدمار.


وقد اتسعت دائرة الرفض لما سُمّيت بهدنة الأشهر الثلاثة، وارتفعت الأصوات المعارضة لها، خصوصاً بعد تسرّب أنباءٍ عن احتمال تمديدها لتسعة أشهر أخرى، وهو ما يعني عملياً صوملة السودان وجعل الانقسام أمراً واقعاً لا مفرّ منه كما هو الحال في ليبيا.


ولمّا عجز صُنّاع الحرب عن إسكات هذه الأصوات بالترغيب، قرروا إسكاتها بالترهيب. وهكذا وُجّهت بوصلة الهجوم نحو بابنوسة، لتكون مسرحاً لتكرار مشهد الفاشر؛ حصارٌ خانقٌ امتد لعامين، وإسقاط طائرة شحن لتبرير وقف الإمداد الجوي، وقصفٌ متزامنٌ لمدنٍ سودانية؛ أم درمان، عطبرة، الدمازين، الأبيض، وأم برمبيطة، وأبو جبيهة والعباسية، كما حدث أثناء الهجوم على الفاشر.


بدأ الهجوم على بابنوسة يوم الأحد، وتجدد صباح الثلاثاء، مستخدمةً قوات الدعم السريع الأساليب والوسائل نفسها، التي استخدمتها في الفاشر. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يُرصد أيّ تحرك فعليّ للجيش لنجدة أهل بابنوسة، في تكرارٍ مؤلمٍ يكاد يتطابق مع مشهد الفاشر قبل سقوطها.


فإن سقطت بابنوسة – لا قدّر الله – ولم تخفت الأصوات الرافضة للهدنة، فستتكرر المأساة في مدينةٍ أخرى… وهكذا، حتى يُفرض على أهل السودان القبول بالهدنة وهم صاغرون.


ذلك هو المخطط الأمريكي للسودان كما يبدو للعيان؛ فانتبهوا يا أهل السودان، وتدبّروا ما أنتم فاعلون، قبل أن يُكتب على خريطة بلادكم فصلٌ جديدٌ عنوانه التقسيم والضياع.


لقد تم تهجير أهل بابنوسة بالكامل، والبالغ عددهم ١٧٧ ألف نسمة، كما ورد في قناة الحدث بتاريخ ١٠/١١/ ٢٠٢٥م، وهم هائمون على وجوههم لا يلوون على شيء.


إن الصراخ والعويل ولطم الخدود وشق الجيوب من شِيَم النساء، أما الموقف فيحتاج إلى رجولة وشجاعة تُنكر المنكر، ويُؤخذ فيها على يد الظالم، وتُرفع فيها كلمة الحق مطالبةً بفكّ قيد الجيوش لتتحرك لنجدة بابنوسة، بل لإعادة كامل دارفور.


قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ». وقال ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ».


وإنه لمن أشدّ أنواع الظلم، ومن أكبر المنكرات، أن يُخذل أهلُنا في بابنوسة كما خُذل أهل الفاشر من قبل.


إن أمريكا التي تسعى اليوم إلى تقسيم السودان، هي نفسها التي فصلت الجنوب من قبل، وتسعى لتقسيم العراق واليمن وسوريا وليبيا، وكما يقول أهل الشام “والحبل على الجرار”، حتى تعمّ الفوضى أمة الإسلام بأسرها، والله يدعونا إلى الوحدة.


قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، وقال ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا». وقال: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِناً مَنْ كَانَ». وقال أيضاً: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ».


ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.

المصدر: الرادار