الخديعة المالية الكبرى
October 22, 2025

الخديعة المالية الكبرى

الخديعة المالية الكبرى

نعيش اليوم حالة استثنائية وغير مسبوقة من الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية تجعل آفاق النمو الاقتصادي المستقبلي أمام تحديات عظيمة، ويتزامن ذلك مع ضعف الأدوات الدولية المالية برمتها، ما جعل الصراع بشكل عام ينتهك بشكل صارخ المعايير الإنسانية والأخلاقية، ما سوف يدفع لرفض عالم أحادي القطب، وهذا يتحقق بشكل صريح عند حدوث وتفكك العقد الاقتصادي الذي فرضته أمريكا كأداة تتحكم به في العالم حتى اليوم، وهذا كله جعل العالم اليوم على أبواب جحيم بحالة غير مسبوقة من عدم اليقين، وهذا ما قد يدفع أصحاب المال الفيدرالي لمحاولة استرداد ديونهم من أمريكا عبر خديعة كبرى يحاولون نسج خيوطها هذه الأيام. وإن كانت قراءتي لهذا الحدث فيها نوع من الخيال الاقتصادي إلا أنهم يمتلكون عقولاً شيطانية ولا يهمهم من يخسر ما داموا هم الرابحين، وهي بمثابة قراءة فيها تحذير لتوخي الحذر للجميع.

وحتى أشرح ما يدور في ذهني سوف أتوسع في بعض الأمور حتى تفهم الفكرة.

هم يسعون إلى استخدام العملات الرقمية التي اعتبرها البعض ثورة مالية قادمة تواكب العصر التكنولوجي وسرعة هذا العصر، لذلك سوف أشرح نظام الكريبتو ونظام حماية البيانات المالية من التلاعب عبر تقنيات رياضية معقدة، وهو يعمل على ثلاث ركائز:

الأول: البلوك تشين وهي سلاسل من الكتلة الرقمية تسجل كل عملية تحويل أو تداول بشكل علني وشفاف ويحتوي على مجموعة بيانات هي بيانات العمليات (من أرسل؟ ولمن؟ وكم القيمة؟)، وتوقيع مشفر يثبت صحة ارتباطها بالكتلة السابقة لضمان عدم التلاعب بالسجل.

ثانيا: التعدين وهي عملية التحقق من المعاملات وإضافتها للبلوك تشين مقابل مكافأة من العمل نفسه وهي تتم باستخدام حواسيب قوية تحل معادلات رياضية معقدة.

ثالثا: اللامركزية أي لا يوجد بنك مركزي أو جهة واحدة تتحكم بالنظام بل يتم تشغيلها من آلاف الحواسيب حول العالم مثل (بيتكوين، الايثيريوم، الريبل، سولانا، كاردانو).

وهذا يعتبر انقلابا في مفهوم التحويلات العالمية في الاقتصاد حيث إن النظام المالي التقليدي هو عبارة عن نظام يعتمد على الورق أي النقد والبنوك كوسيط أساسي في كل المعاملات معتمداً على النقد الإلزامي الذي يعتمد على الثقة والإلزام والذي نشأ بعد نظام الذهب والفضة الذي انتهى في 1971/8/15، والتي سميت صدمة نيكسون وكانت تحولا جذريا في النظام النقدي العالمي من الذهب إلى العملات الإلزامية، وطبعا هي كانت صدمة لكل الاقتصاديات المرتبطة بالدولار.

والنظام المالي التقليدي قائم على الوسيط المالي المركزي أي البنك المركزي الذي يصدر النقود ويدير السياسة النقدية (الفائدة، التضخم، الطباعة...الخ) وتتصل مع المركزي بنوك تجارية تكون هي الوسيط بين الأفراد والشركات.

وفي هذا النظام يكون التحكم كاملاً من الدولة أي حركة المال تمر عبر مؤسسات خاضعة لرقابة صارمة ولديها صلاحيات تجميد الحسابات أو مصادرتها أو فرض عقوبات وهو اليوم يعتبر بطيئا في التحويلات الدولية وعمولاته كبيرة ودائما هناك وسيط مسيطر على البيانات ولا يمكن لصاحب المال تتبع ماله بنفسه دون العودة للبنك أو الحكومة، وهو يعتمد على الديون والقروض بشكل كبير جداً.

أما النظام الرقمي فهو كما أسلفنا تقنية رقمية تعتمد على (البلوك شين، الذكاء الصناعي، العملات الرقمية المشفرة، المحفظة الإلكترونية...الخ) فهو يلغي وجود الوسيط أي الشخص هو الذي يتحكم بكل العمليات عبر شبكة موزعة وكل العمليات مسجلة ويمكن للجميع رؤيتها وهناك صعوبة في التزوير والتلاعب، وهذه العملية تتم خلال ثوان أو دقائق لا قيود جغرافية ولا مصرفية والعمولة قليلة بالمقارنة مع التقليدي، وكل هذا يتناسب مع متطلبات اليوم والتطور التكنولوجي.

ومما سبق نجد أن الفرق كبير بين النظامين؛ فالنظام الرقمي مناسب للعصر وتطوراته ويواكب التقنيات الحديثة وحساس للاختراقات ولا رقابة عليه وهو متقلب حسب السوق وغير مسيطر عليه حكوميا ويمكن تجنب الربا واستبدال كود ذكي به ولكنه ضعيف في الأمان أي لا مرجعية له حتى اليوم (أي مالك الشيفرة هو صاحب المال في حال الخطأ في الإرسال ولا يوجد جهة رسمية تتبناه وتعوض الخسائر في حال حدوث أي شيء).

ولذلك نجد أن أغلب الاقتصاديات في العالم تحاول دمج النظامين بشكل يتناسب مع السيطرة والأمان الحكومي والحالة الرقمية، لذلك نجد أنه تم إقرار إنشاء DIGITAL MARKETS 50 رسميا في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وهو مؤشر مالي جديد صادر عن تعاون بين شركة S&P GLOBAL وشركة DINARI المتخصصة في التوكنيزيشن. وهو مؤشر يجمع بين 15 عملة رقمية و35 شركة مدرجة في البورصة، وأسباب إصدار هذا المؤشر هي:

- طلب المستثمرين على التنويع في الأصول الرقمية.

- للتسهيل على المستثمرين استخدام البلوك تشين والعملات الرقمية بطريقة قابلة للتداول في الأسواق التقليدية في حزمة واحدة.

- وضع قواعد واضحة لتكوين المؤشر (أي وضع قوانين وشروط) مثل الأسهم التي تدخل في القائمة يجب أن يكون لها قيمة سوقية معينة، وأيضا العملات الرقمية يجب أن يكون لها حجم سوقي يتجاوز رقم معين.

- الاعتراف في أن الأصل الرقمي أصبح جزءاً أساسياً من الأسواق المالية.

وما سوف أذكره الآن هو السيناريو المحتمل نظرياً وأظنه يدور فعلاً في أذهان بعض الاقتصاديين والمحللين لأن فيه منطقا استراتيجيا خفيا يتناسب مع طبيعة أصحاب الدين الأمريكي (الفيدرالي) وهو كالآتي:

المرحلة الأولى: تقوم أمريكا بالتغلغل السري في سوق الكريبتو وقد تكون هذه مرحلة تمت فعلاً لأن العملات الرقمية كثيرة ولا نعلم من أنشأها أو من هم ملاكها، وتبدأ هذه العملات بالارتباط النسبي بالدولار الأمريكي ونظام التحويلات البنكية الأمريكية حتى تصبح أغلب التعاملات في السوق الرقمي مقومة بالعملة الرقمية المدعومة من طرفهم سراً أي أن تصبح أمريكا تتحكم بشريان السيولة الرقمية العالمية وتحرص على عدم ظهورها بأنها مسيطرة على هذه العملات الرقمية.

المرحلة الثانية: تفتح أبواب الاستثمار المؤسسة ما يجذب تريليونات من هذه العملة الرقمية إلى سوق الكريبتو ثم ترفع أسعار أغلب العملات الرقمية فينظر لها على أنها أصول استثمارية بديلة للذهب والسندات لأنها تحقق أرباحاً عالية وبذلك تتدفق السيولة من خارج أمريكا إلى السوق الرقمي من كل العالم.

المرحلة الثالثة: تستبدل أمريكا بأصول حقيقية لها قيمة اقتصادية ملموسة مهما كانت (عقار، ذهب...الخ) العملات الرقمية التي صنعتها وتتحكم بها وعندما تصبح هذه العملات في يد المستثمرين تكون أمريكا قد حصدت جزءاً من القيمة الحقيقية العالمية مقابل رمز رقمي بلا التزام قانوني، عندها تطلق تشريعات وضغوطاً تنظيمية بحجة حماية المستثمرين ومكافحة غسيل الأموال ما يؤدي إلى انهيار أغلب العملات الرقمية التي في سوق الكريبتو بنسبة 90%.

والنتيجة أن المستثمرين في العالم يخسرون مليارات أو تريليونات وأمريكا أي الفيدرالي يحصل على هذه التريليونات، وبعد تمام الانهيار تعلن أمريكا عن تنظيم للسوق وتصدر الدولار الأمريكي الرقمي الرسمي المدعوم جزئيا بالذهب وذلك بعد إعادة تقييم الرصيد الذهبي الذي كان مسعراً بـ42 دولارا للأونصة الواحدة بسعره الجديد حسب السوق تلك اللحظة ويعلن الفيدرالي أن هذا الدولار هو بضمانته.

وهذا الدولار الإلكتروني الجديد يديره الفيدرالي ويستخدم في التداولات الدولية ويصبح هو العملة الإلكترونية المضمونة في سوق كريبتو، وبذلك يكون الفيدرالي استعاد السيطرة على العالم بدولار جديد وأيضا استعاد دينه على حساب العالم أجمع.

والذي يدفع ملاك الفيدرالي إلى هذه الخطوة غير الأخلاقية هو الوضع الاقتصادي العالمي المنهار حيث إن الحالة الاقتصادية اليوم نراها تفقد تدريجياً بوصلتها السياسة النقدية، فإن معركة التضخم لن تحسم بالربا وحده وإن الحلول للوصول للتهدئة الاقتصادية بأساليب تقليدية متكررة لا تنفع في زمن متغير وسريع، وهذا أنتج أسواقاً ينعدم فيها اليقين والثقة، والسياسة النقدية عاجزة عن الخروج من قيود النموذج المالي التقليدي البطيء المثقل بالأعباء التي تفتقد للحلول.

ما جعل الدولار ينتقل من دور عملة احتياطية عالمية إلى أداة ضغط عالية على الجميع، فمنذ قدوم الرئيس الأمريكي ترامب وسياسته المالية والتجارية وحربه التجارية المعلنة والقاسية على العالم أجمع بحجة دعم الدولار نجد أنها تسببت في تصدير التضخم للعالم أجمع وسحب السيولة من الأسواق العالمية، وهذا جعل العالم يقع في مصيدة تسديد الديون المستحقة أو توفير تمويل عاجل للخدمات الأساسية، وهذا يهلك الاقتصاديات الناشئة ويحدث دماراً كبيراً غير مرئي حالياً، وهذا كله دون التكلم عن ردة الفعل المقابلة من الدول الأخرى.

إن النظام التجاري العالمي وقواعده نجده اليوم ينهار بشكل جلي:

* انتقال العولمة التي بنيت بعناية فائقة إلى تكتلات تجارية مغلقة وتوترات جيوسياسية أصبحت تجبر الشركات على التموضع ودفع الفواتير العالية جداً.

* غياب مؤشرات واضحة على تحول سريع في السياسات النقدية حيث تناقصت قدرة الأسواق على توليد سيولة طبيعية من التداول مع وجود عدم ثقة في ضخ سيولة عالية في أسواق الأسهم والسلع والعملات لوضعها غير المستقر.

إن الأحداث التي نمر بها اليوم هي انهيار قواعد الفلسفة الرأسمالية، وكنا سابقا تكلمنا عن الانهيار المالي فيخرج لنا من ينفي هذا التوقع، أما ما يحدث اليوم فيدل قطعا على أن الانهيار المالي العالمي قادم لا محالة بل ليس كأي انهيار فإنه لا يشبه أزمة الرهن العقاري عام 2008 ولا الحالة الاستثنائية لجائحة كورونا عام 2020، بل السقوط القادم هو من أعلى القمة إلى أسفل الهاوية. فقد دخلنا اليوم إلى حالة الركود وبعدها مباشرة حالة الانهيار ولا مفر من ذلك، وإليكم بعض المؤشرات:

# تحرك الولايات المتحدة لتخفيف حدة الركود القادمة عبر خفض تدريجي للفائدة ولكن نجد أن الشركات تعيد هيكلة خططها التوسعية بسبب انخفاض الاستهلاك على عموم العالم.

# الصين تخسر عنفوانها الاقتصادي بسبب تراجع الاستثمارات الخاصة والتباطؤ الشديد بسلاسل التصدير ناهيك عن الحرب التجارية والتغير الجيوسياسي وضعف الحصول على الطاقة.

# منطقة اليورو ففيها أكثر وضوح للركود حيث لم يتجاوز النمو 1% في عام 2024 ولم يتجاوز 1,2% لعام 2025 ونحن على أعتاب نهايته، والحروب التي تلقي بظلالها على اقتصاد الاتحاد الأوروبي ومسألة التسلح وضعف وسائل الحصول على الطاقة مع التغيرات التي تطرأ على منطقة تصدير الطاقة.

# أما الأسواق الناشئة فهي تجني خيبات الأمل وتخوض معارك كبيرة لقلة السيولة وارتفاع التضخم لمستويات غير محدودة والدين الخارجي الذي يدفع بها سريعا للانهيار قبل غيرها.

# انعدام الثقة بالمؤسسات الحكومية الدولية مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي، والتي فقدت سيطرتها على تنفيذ ما نشأت عليه.

إن ما نعانيه اليوم ليس ناجماً عن سوء قراءة حالية أو عدم استقرار مرحلة أو سوء تنفيذ المتسلطين على النظام الاقتصادي بل هو حكاية انهيار نظام مالي رأسمالي ولد وهو يحمل بذور موته في ثناياه، حيث سيطر لسنوات عديدة بنظامه الجشع والنفعية البحتة وقادته قوانين غير إنسانية من الاحتكار والربا وغيرها.

نحن اليوم على أعتاب هاوية لا ترقيع لها بل موت كلي، والبحث عن نظام اقتصادي جديد، والحقيقة هي موت المبدأ الرأسمالي برمته ولم يبق سوى أن يظهر نظام عالمي جديد حتى يعلن وفاة الرأسمالية ويحضّر جنازتها للدفن الأبدي.

ولا يصلح لذلك سوى مبدأ الإسلام الذي ما فتئت الرأسمالية تحارب إمكانية ظهوره، فإن النظام الرباني وضع لتنظيم العلاقات البشرية، وهو يحتوي على نظام اقتصادي قائم على العدل والمساواة وحفظ النفس البشرية وليس فيه أدوات الغش والتدليس، وهو الوحيد الذي يعيد للعالم ولاقتصاده الاستقرار والثبات والثقة وذلك بالعودة إلى نظام الذهب والفضة.

وهناك رأي شرعي في هذه العملات الإلكترونية، ولا يسعني هنا إلا أن أورد بعضا من كلام أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة في جواب سؤال أصدره بتاريخ 2017/12/18 عن العملات الرقمية:

(والخلاصة، أنها سلعة مجهولة المصدر لا ضامن لها، عرضة لعمليات النصب والاحتيال، وهيمنة الدول الرأسمالية المستعمرة وبخاصة أمريكا لاستغلال هذه الأمور لنهب ثروات الناس... ولذلك فلا يجوز شراؤها للأدلة الشرعية التي تنهى عن شراء وبيع كل سلعة مجهولة، ومن الأدلة على ذلك:

- أخرج مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ».

وأخرجه كذلك الترمذي عن أبي هريرة... "بيع الحصاة" كأن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة... فالمبيع مجهول وهو منهي عنه... "بيع الغرر" أي المجهول غير المعلوم كبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن ونظائر ذلك، وكل ذلك بيعه باطل لأنه غرر...

ومنه يتبين تحريم بيع الغرر أو المجهول، وينطبق هذا على واقع البيتكوين، فهو سلعة مجهولة المصدر، ولا جهة رسمية أصدرتها تكون ضامنة لها، فعليه فلا يجوز بيعها ولا شراؤها). انتهى

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

المزيد من القسم null

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو

السّودان: مثال آخر على فشل القومية

السّودان: مثال آخر على فشل القومية

(مترجم)

وفقاً للقوانين التي تحكم النظام الحالي، لكل أمة الحقّ في اختيار القوانين التي تحكمها، وبالتالي، لكلّ أمة الحق في دولة. أدى هذا المفهوم إلى موجة من الدول الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انقسمت الدول القائمة، وبالتالي، حدثت الفوضى التي نشهدها اليوم.

منذ عام 1945، كان هناك ما لا يقلّ عن 34 دولة جديدة اعترفت بها الأمم المتحدة. نتج هذا عن موجة القومية التي اجتاحت العالم في العقود التي تلت منتصف القرن العشرين. رُسمت حدود وهمية لمنح الفصائل المختلفة الاستقلال والحقّ في الحكم، حيث سقطت دول مثل السودان الموحد سابقاً في صراعات واضطرابات.

لكن الانقسامات الجديدة لم تحلّ المشاكل القائمة، بل عقّدتها. في حالة السودان، إحدى طرق فهم هذا التعقيد هي النّظر إلى صناعته وقطاعه النفطي. كان قطاع النفط محورياً في الدولة الموحدة، وأصبح العمود الفقري للاقتصادين حديثي التكوين. تكمن المشكلة في أنّ الحدود فكّكت صناعة النفط السودانية المركزية سابقاً. في الدول حديثة التكوين، سيطر الجنوب على معظم حقول النفط، بينما سيطر الشمال على البنية التحتية للتصدير، بما في ذلك خطوط الأنابيب والمصافي. لذا، اعتمد جنوب السودان، الذي أصبح حديثاً غير ساحلي، على خطوط أنابيب السودان المؤدية إلى البحر الأحمر. أدى هذا الانقسام إلى نزاعات حول رسوم العبور، ما أدّى إلى تعطيل صادرات النفط مراراً وتكراراً - وهي صادرات لا تزال كلا الدولتين تعتمدان عليها في اقتصادهما. على سبيل المثال، في عام 2012، أوقفت جنوب السودان إنتاج النفط بسبب هذه الخلافات، وهي خطوة أثّرت بشكل كبير على عائدات كلا الدولتين. وبينما تم التوصل إلى اتفاقيات لاستئناف الصادرات، لا تزال التوترات والصعوبات الاقتصادية قائمة.

لذا، منذ عام 2011، ما لدينا هو دولتان منفصلتان تعتمدان بشكل كبير على بعضهما. لديهما الموارد، لكنهما تفتقران إلى التنمية اللازمة لاستغلالها. وهكذا، وعلى الرّغم من وجود حوالي 8 مليارات برميل من النفط فيهما، فإنّهما يعانيان من فقر مدقع.

يمكن أن يتغير هذا إذا اتحدت الدولتان واستقرتا. لن يحدث هذا في ظلّ النظام الرأسمالي الحالي. لقد أدى هذا النظام إلى تفاقم الصراعات بين الناس، ثم أعطاهم نظام حكم شجع أفكاراً مثل "البقاء للأصلح"، ما أدى إلى تأجيج التوترات داخلهما وبينهما.

لتغيير الوضع في السودان، وضمان استقراره السياسي وقدرته على التنمية الاقتصادية، لا بدّ من إعادته إلى لواء الإسلام. عندها، يُمكن استغلال قطاعه النفطي على النحو الأمثل، وتطوير قطاعه الزراعي، وتوسيع قطاعيه التعديني والصناعي، وتعزيز بنيته التحتية التجارية. وسيتمّ ذلك بتوجيه من الخليفة ومعاونيه الذين يدركون واجبهم في ضمان تنمية المناطق داخل الدولة الإسلامية، واستغلال الموارد، لصالح الأمة الإسلامية. وأنهم سيأثمون إذا تجاهلوا هذه المسؤولية.

من الممكن تنمية مساحة السودان، فلديه القدرة على أن يصبح منتجاً ومصدراً رئيسياً للغذاء بفضل أراضيه الزراعية الشاسعة، حوالي 84 مليون هكتار، 20% منها مزروع فقط. ويزرع محاصيل رئيسية، تشمل القطن والفول السوداني وبذور السمسم والذرة الرفيعة والقمح وقصب السكر. كما أنها غنية بالموارد المعدنية مثل الذهب والأسبستوس والكروم والميكا والكاولين والنحاس. ولديها البنية التحتية للعديد من الصناعات الخفيفة مثل المعالجة الزراعية وتجميع الإلكترونيات والبلاستيك وصناعة الأثاث وإنتاج المنسوجات.

لديها القدرة على توفير الموارد لبقية البلاد الإسلامية، مع الاستفادة مما تقدمه، نظراً لموقعها الاستراتيجي بين دول الخليج وغرب أفريقيا، ولديها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر.

الميناء البحري الرئيسي في السودان هو بورتسودان، وهو ميناء طبيعي عميق المياه قادر على التعامل مع السفن الكبيرة. كما يدعم أيضاً بضائع متنوعة بما في ذلك الحاويات والبضائع السائبة والنفط. هذا، إلى جانب الموانئ السودانية الأخرى، يوفر للبلاد اتصالاً مباشراً بممرات الشحن الدولية عبر البحر الأحمر. هذا لا يربط السودان بجيرانه الأفارقة فحسب، بل يربطه أيضاً بأسواق الشرق الأوسط بما في ذلك مدينة جدة الساحلية في المملكة العربية السعودية. وهذا مهم لأن جيرانها غير ساحليين وسيحتاجون إلى وصول السودان إلى البحر من أجل التجارة مع بقية البلاد الإسلامية. لا تقتصر هذه الإمكانيات على أفريقيا والشرق الأوسط، بل تمتدّ أيضاً، وربما إلى آسيا وأوروبا والخليج العربي، بفضل موقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر وقربه من قناة السويس.

على الرغم من الاضطرابات الحالية، لا تزال البنية التحتية للبلاد تعمل بكفاية، حيث يُصدر السودان حالياً نفطه الخام إلى الإمارات وماليزيا عبر محطتي بشاير وPLOC البحريتين. تُرسل هذه الصادرات عبر البنية التحتية لموانئ السودان على البحر الأحمر، وتتكون في معظمها من النفط الخام المُنتَج في جنوب السودان.

لذا، ثمة إمكانية لأن تصبح المنطقة جزءاً مزدهراً من الدولة الإسلامية. بمجرد إعادة توحيد البلاد الإسلامية، سيتمكن السودان من ممارسة التجارة مع بقية الأمة الإسلامية. وهذا مهم لأن السودان ليس الدولة الوحيدة التي تتمتع بموارد طبيعية تكفي لتلبية العديد من الاحتياجات العالمية اليوم - فقد حظيت أفريقيا بأكملها بهذه الموارد؛ إذ تحتوي القارة على ما يقرب من 30% من احتياطيات المعادن في العالم، بما في ذلك الكوبالت والذهب والبلاتين والنحاس. كما تمتلك ما يقرب من 8% من احتياطيات النفط العالمية وحوالي 12% من احتياطيات الغاز الطبيعي العالمية.

إذا نظرنا إلى جيران السودان، فلدينا مصر، الغنية بالغاز الطبيعي والنفط. كما تتمتع بإمكانية الوصول إلى نهر النيل، وهو مورد مائي حيوي. وهناك إريتريا التي تتمتع بموارد معدنية كبيرة، بما في ذلك الذهب والنحاس والبوتاس، وإثيوبيا بإمكانياتها في مجال الطاقة الكهرومائية والأراضي الزراعية والمعادن. ثم هناك جمهورية أفريقيا الوسطى التي تتمتع بالماس والذهب واليورانيوم، وكل من تشاد وليبيا بمواردهما النفطية الكبيرة. على الرغم من كل هذه الثروة والإمكانات، تُعدّ أفريقيا موطناً لبعض أفقر دول العالم. فإلى جانب السودان وجنوب السودان، تعاني بقية الدول من الصراع والموت، وتُنهب مواردها وتُستغل.

في ظلّ دولة الخلافة، سيتغير هذا الوضع. ستستأنف الدولة الإسلامية التزامها بتنمية موارد الأرض، حتى نصبح (كأمة) مكتفين ذاتياً، لا نعتمد على الدول المعادية أو نستغلها. هذا أمرٌ أساسي، إذ لا يجوز منح أعداء الإسلام أي ميزة علينا. وكما نرى، من الممكن أيضاً، إذا كان لدينا قائدٌ قادرٌ على توحيد المسلمين في السودان وإخماد حالة عدم الاستقرار والاضطراب الحالية.

#أزمة_السودان           #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فاطمة مصعب

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير