المطالبة بإصدار الجنيه الذهبي محاولة فاشلة في نظام رأسمالي فاسد
November 01, 2025

المطالبة بإصدار الجنيه الذهبي محاولة فاشلة في نظام رأسمالي فاسد

المطالبة بإصدار الجنيه الذهبي محاولة فاشلة في نظام رأسمالي فاسد

طالب المحلل الأكاديمي الدكتور لؤي عبد المنعم بضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لتعزيز الاقتصاد السوداني، من خلال إدخال "الجنيه الذهبي الادخاري" كأداة مصرفية تهدف إلى الحد من تهريب الذهب ومضاربات الدولار.

وأكد عبد المنعم في تصريحات خاصة لصحيفة السوداني بتاريخ 8 أيلول/سبتمبر 2025 أن هذا المنتج المصرفي ينبغي أن يقتصر تداوله داخل البنوك في المرحلة الأولى بهدف تعزيز السيولة المصرفية، لتمويل مشاريع التنمية الاقتصادية. وأوضح أن هذه الخطوة ستسهم في تقليل الاعتماد على الدولار في السوق الموازي، ما يعزز القيمة النقدية في الجنية السوداني ويزيد من احتياطيات الذهب في البنك المركزي.

وأشار عبد المنعم إلى أهمية دخول الدولة في الإنتاج المباشر بدل الاكتفاء بجبايات محدودة، موضحا أن هذا التوجه سيحقق استفادة أكبر من الموارد الطبيعية، خاصة في قطاع الذهب، وفي هذا السياق دعا إلى الاعتماد على نظام "البوت" في عقود الامتياز مع تقليص مدتها 8 إلى 10 سنوات وتخفيض عدد الشركات المسجلة من خلال تحديد حد أدنى للاستثمار يتراوح ما بين 150 و200 مليون دولار حسب موقع ومساحة الامتياز.

وخلص عبد المنعم إلى أن هذه الإجراءات، إذا تم تنفيذها بشكل متكامل، فستسهم في استقرار العملة الوطنية وتعزيز الاحتياطيات النقدية وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه السودان.

هكذا يفكر الاقتصاديون الذين درسوا النظام الرأسمالي في الجامعات والمعاهد العليا ويبنون طموحاتهم وطموحات الأمة على أساس رأسمالي أكل السوس بنيانه الهش، ويخلطون بعض أحكام الإسلام في النظام الاقتصادي الإسلامي، ظنا منهم أنهم يحسنون صنعا!

إن ما طرحه الدكتور من رؤية خلط فيها نظام النقود في النظام الرأسمالي "الجنيه" بأن جعل قاعدته ذهبا، وبين نظام مصرفي قائم على نظام الشركات الرأسمالية التي قوامها الربا والدولار غير المغطى بالذهب ولا بالفضة، فإن هذه الوصفة التي فكر فيها الدكتور لا تتناسب مع النظام الرأسمالي، الذي ألغى الرئيس الأمريكي نيكسون نظام قاعدة الذهب والفضة سنة 1971 فيما سمي باتفاقية بريتون وودز، وفك الارتباط بين قاعدتي الذهب والفضة والدولار معلنا عهدا جديدا قوامه الدولار مسنودا بقيمة قانونية لا بقيمة حقيقة متمثلة في معدني الذهب والفضة، فأصبح الدولار هو المهيمن على كل المعاملات المالية العالمية وتقاس كل العملات العالمية على أساس الدولار، فأي تفكير خارج صندوق النظام الاقتصادي الرأسمالي في ظل وجود دول وطنية كرتونية هشة لتكوين نظام اقتصادي مخنث مخلوط، لا ينجح ولا يستقيم تحت الهيمنة الأمريكية على نظام اقتصادي عالمي مبني على الرأسمالية.

فالدكتور يريد أن يأتي بتوليفة اقتصادية بعيدة عن أحكام الإسلام وفي الوقت نفسه يريد أن يتمرد على النظام العالمي ذي الهيمنة الأمريكية، ليعمل على تجفيف الدولار من المنطقة! فمثل هذه العقلية بعيدة عن الوعي السياسي وعن البعد الخفي لهيمنة الدولار والتحكم المطلق لأمريكا. فلن تنجح مثل هذه الوصفات، بل هي أماني وأحلام ودغدغة للمشاعر، ومجرد تصريحات وتحليلات ينتهي أمرها بذر الرماد في العيون.

ثم إن نظام البوت هو الناسف لوصفة الدكتور، وهي ذات أبعاد خطيرة تؤدى إلى إضعاف مقدرات الدولة في إدارة شؤون الناس، والبوت يعني بالعربية "التحويل والتشغيل والبناء"، أي نقل الملكية العامة إلى ملكية خاصة، بحيث يتم قيام مستثمر من القطاع الخاص بعد إعطائه ترخيصاً من جهة حكومية مختصة من أجل تشييد أو بناء مشروع، بنية أساسية مثل إنشاء محطة لتوليد الكهرباء أو إنشاء مطار، وذلك على أن يقوم بتشغيله وإدارته بعد عملية الانتهاء منه، وذلك بامتياز معين قد تكون مدته من 30 إلى 40 سنة، وخلال هذه المدة يقوم بتشغيل المشروع ويحصل على التكاليف والأرباح من خلال الرسوم والعوائد التي يقوم بدفعها مستخدمو المشروع. وبعد الانتهاء من مدة الامتياز، ينقل المشروع بكل عناصره إلى الجهة الحكومية أو الدولة.

هذا هو نظام البوت، فهو عينه الخصخصة التي انتظمت البلاد في بداية الألفية، وأدت إلى تسريح الآلاف من الموظفين والعمال، كما أدت إلى إضعاف هيكل الدولة والتنصل من مسؤولياتها الأساسية، وما أمر سكك حديد السودان إلا شاهد على خطورة هذه الفكرة، فقد تدهور هذا القطاع النقلي المهم بعد أن تم تطبيق نظام البوت فيه، وغيره من المشاريع مثل النقل النهري والبحري والمطارات والكهرباء في السودان سواء أكانت ملكية عامة أم ملكية دولة، فانهارت الدولة وترهلت واكتظت بالمستثمر الذي لا ينظر إلا في أرباحه بعيدا عن رعاية شؤون الناس. بل الأخطر من ذلك أن فكرة البوت تفتح الباب على مصراعيه لدخول الشركات الكبرى العابرة للقارات لتنهب البلد باسم الارتقاء بالبنية التحتية فتتضاعف الضرائب والأتاوات على الناس ويفقدون الخدمة الواجبة على الدولة. كل ذلك باسم النظام الرأسمالي الذي أزكمت رائحته الأنوف.

لقد ظل كبار الأكاديميين وخريجي الجامعات والمعاهد العليا يلجؤون إلى هذا النظام دون فهم واقعه ومفاسده الكبيرة، فالتفكير السليم المؤدي إلى نتائج طيبة ويسعد الناس ويخرجهم من طمع حيتان المال العالمي إنما هو الإسلام العظيم بأحكامه في الاقتصاد، فإلى رحاب أحكام رب العالمين في النظام الاقتصادي في الإسلام الذي وضع العلاج الشافي الكافي لكل مشكلة اقتصادية تؤرق الباحثين بعيدا عن النظام الرأسمالي الفاسد الذي أسس على المنفعة والأنانية والاستعمار وصنف الناس إلى بشر وحثالة بشر! ومن هنا أدعو كل الخبراء الاقتصاديين، والأكاديميين أن يقرأوا كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام لمؤلفه العلامة الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله. وهو متاح في المكتبة الإلكترونية، وهناك أضواء طيبة من هذا الكتاب ألخص شيئا بسيطا منها:

لقد بنى الإسلام العظيم نظامه الاقتصادي على أساس متين من لدن حكيم عليم حول أحوال الناس ومعاشهم في إشباع حاجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن، وحدد المشكلة الاقتصادية من زاوية عميقة حيث قال إن الفقر فقر الأفراد وليس فقر الدولة، وأن المشكلة الاقتصادية تكمن في توزيع الثروة وليس في جمعها وإنتاجها، وأن الإنسان لديه حاجات أساسية تجب معرفتها وإشباعها لكل فرد في المجتمع؛ ففصل النظام الاقتصادي في الإسلام بين الحاجات الكمالية والحاجات الأساسية، ثم فصل الإسلام في الملكيات وحددها وقال إن هناك ملكية عامة وملكية دولة وملكية فردية. ثم جعل الإسلام الضابط لحركة التبادل في السلع والخدمات ولضبط قيمها جعل الإسلام لها قاعدة الذهب والفضة نقودا وليس الذهب والفضة سلعة.

لقد أدرك الدكتور بناء على تفكير بعيد عن الرؤية الإسلامية بأن الأصل في الذهب أن يكون نقدا وهذه زاوية طيبة في البحث، لكن الخطورة هي في ربط الذهب بالجنيه وبالنظام الرأسمالي، وهذه مخالفة شرعية فإن الذهب يربط شرعا بالدينار كما فعل النبي ﷺ، فقد جعل الذهب قاعدة أساسية في بناء الاقتصاد وهو حجر الزاوية في الإسلام، فالإسلام عندما جعل الذهب قاعدة أساسية في عملية التبادل ومقياسا لقيم الأشياء والخدمات، لأن الله هو الذي جعل هذا المعدن النفيس نقدا ولم يجعله سلعة بدليل الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فالكنز في النقود وليس في السلع لأن السلع يتعلق أمرها بالتخزين وليس بالكنز. ثم إن رسول الله ﷺ جعل العملة الرسمية في دولته الذهب والفضة. وبهذه القاعدة العظيمة أرسى الإسلام نظام قاعدة صلبة حارب بها ظاهرة التضخم وثبت الأسعار بحيث جعلها تتراوح بين سعر طفيف بدل حالة الانفلات في الأسعار وحالة الجموح التي هي ظاهرة في النظام الاقتصادي الرأسمالي، وكذلك عالج بها الإسلام الركود في عملية ضعف القوة الشرائية للفرد، بحيث نظر الإسلام لتمكين الفرد والجماعة من القدرة على إشباع حاجاتهم الأساسية وذلك بتحمل الدولة العبء الأكبر في توفير الخدمات من كهرباء وماء وتطبيب وتعليم مجاني لأفراد الرعية، الأمر الذي يرفع من مقدرة الأفراد على إشباع حاجاتهم الأساسية لأن الدولة مزقت عنده جملة من الفواتير التي تثقل ظهره فما يجمعه من نقود ينفقه في مأكله ومشربه ومسكنه وحاجاته الكمالية الأخرى.

هذه شذرات هنا وهناك من فلسفة النظام الاقتصادي في الإسلام، فالإسلام لم يترك شاردة ولا واردة من خطوط عريضة وفيها من التفاصيل الدقيقة التي تعين من يريد أن ينقذ هذه الأمة والعالم من هلاك النظام الرأسمالي الذي يضع السم في الدسم، ومن نفق خلط مفاهيم النظام الاقتصادي الرأسمالي الفاسد بنظام الاقتصاد في الإسلام، فلا يؤدي مثل هذا الطرح إلا لزيادة عمر الباطل ولا يدمره، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى تشويش الحق ويفسد على الناس سجيتهم السمحة لفهم الإسلام العظيم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني - ولاية السودان

المزيد من القسم null

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو

السّودان: مثال آخر على فشل القومية

السّودان: مثال آخر على فشل القومية

(مترجم)

وفقاً للقوانين التي تحكم النظام الحالي، لكل أمة الحقّ في اختيار القوانين التي تحكمها، وبالتالي، لكلّ أمة الحق في دولة. أدى هذا المفهوم إلى موجة من الدول الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انقسمت الدول القائمة، وبالتالي، حدثت الفوضى التي نشهدها اليوم.

منذ عام 1945، كان هناك ما لا يقلّ عن 34 دولة جديدة اعترفت بها الأمم المتحدة. نتج هذا عن موجة القومية التي اجتاحت العالم في العقود التي تلت منتصف القرن العشرين. رُسمت حدود وهمية لمنح الفصائل المختلفة الاستقلال والحقّ في الحكم، حيث سقطت دول مثل السودان الموحد سابقاً في صراعات واضطرابات.

لكن الانقسامات الجديدة لم تحلّ المشاكل القائمة، بل عقّدتها. في حالة السودان، إحدى طرق فهم هذا التعقيد هي النّظر إلى صناعته وقطاعه النفطي. كان قطاع النفط محورياً في الدولة الموحدة، وأصبح العمود الفقري للاقتصادين حديثي التكوين. تكمن المشكلة في أنّ الحدود فكّكت صناعة النفط السودانية المركزية سابقاً. في الدول حديثة التكوين، سيطر الجنوب على معظم حقول النفط، بينما سيطر الشمال على البنية التحتية للتصدير، بما في ذلك خطوط الأنابيب والمصافي. لذا، اعتمد جنوب السودان، الذي أصبح حديثاً غير ساحلي، على خطوط أنابيب السودان المؤدية إلى البحر الأحمر. أدى هذا الانقسام إلى نزاعات حول رسوم العبور، ما أدّى إلى تعطيل صادرات النفط مراراً وتكراراً - وهي صادرات لا تزال كلا الدولتين تعتمدان عليها في اقتصادهما. على سبيل المثال، في عام 2012، أوقفت جنوب السودان إنتاج النفط بسبب هذه الخلافات، وهي خطوة أثّرت بشكل كبير على عائدات كلا الدولتين. وبينما تم التوصل إلى اتفاقيات لاستئناف الصادرات، لا تزال التوترات والصعوبات الاقتصادية قائمة.

لذا، منذ عام 2011، ما لدينا هو دولتان منفصلتان تعتمدان بشكل كبير على بعضهما. لديهما الموارد، لكنهما تفتقران إلى التنمية اللازمة لاستغلالها. وهكذا، وعلى الرّغم من وجود حوالي 8 مليارات برميل من النفط فيهما، فإنّهما يعانيان من فقر مدقع.

يمكن أن يتغير هذا إذا اتحدت الدولتان واستقرتا. لن يحدث هذا في ظلّ النظام الرأسمالي الحالي. لقد أدى هذا النظام إلى تفاقم الصراعات بين الناس، ثم أعطاهم نظام حكم شجع أفكاراً مثل "البقاء للأصلح"، ما أدى إلى تأجيج التوترات داخلهما وبينهما.

لتغيير الوضع في السودان، وضمان استقراره السياسي وقدرته على التنمية الاقتصادية، لا بدّ من إعادته إلى لواء الإسلام. عندها، يُمكن استغلال قطاعه النفطي على النحو الأمثل، وتطوير قطاعه الزراعي، وتوسيع قطاعيه التعديني والصناعي، وتعزيز بنيته التحتية التجارية. وسيتمّ ذلك بتوجيه من الخليفة ومعاونيه الذين يدركون واجبهم في ضمان تنمية المناطق داخل الدولة الإسلامية، واستغلال الموارد، لصالح الأمة الإسلامية. وأنهم سيأثمون إذا تجاهلوا هذه المسؤولية.

من الممكن تنمية مساحة السودان، فلديه القدرة على أن يصبح منتجاً ومصدراً رئيسياً للغذاء بفضل أراضيه الزراعية الشاسعة، حوالي 84 مليون هكتار، 20% منها مزروع فقط. ويزرع محاصيل رئيسية، تشمل القطن والفول السوداني وبذور السمسم والذرة الرفيعة والقمح وقصب السكر. كما أنها غنية بالموارد المعدنية مثل الذهب والأسبستوس والكروم والميكا والكاولين والنحاس. ولديها البنية التحتية للعديد من الصناعات الخفيفة مثل المعالجة الزراعية وتجميع الإلكترونيات والبلاستيك وصناعة الأثاث وإنتاج المنسوجات.

لديها القدرة على توفير الموارد لبقية البلاد الإسلامية، مع الاستفادة مما تقدمه، نظراً لموقعها الاستراتيجي بين دول الخليج وغرب أفريقيا، ولديها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر.

الميناء البحري الرئيسي في السودان هو بورتسودان، وهو ميناء طبيعي عميق المياه قادر على التعامل مع السفن الكبيرة. كما يدعم أيضاً بضائع متنوعة بما في ذلك الحاويات والبضائع السائبة والنفط. هذا، إلى جانب الموانئ السودانية الأخرى، يوفر للبلاد اتصالاً مباشراً بممرات الشحن الدولية عبر البحر الأحمر. هذا لا يربط السودان بجيرانه الأفارقة فحسب، بل يربطه أيضاً بأسواق الشرق الأوسط بما في ذلك مدينة جدة الساحلية في المملكة العربية السعودية. وهذا مهم لأن جيرانها غير ساحليين وسيحتاجون إلى وصول السودان إلى البحر من أجل التجارة مع بقية البلاد الإسلامية. لا تقتصر هذه الإمكانيات على أفريقيا والشرق الأوسط، بل تمتدّ أيضاً، وربما إلى آسيا وأوروبا والخليج العربي، بفضل موقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر وقربه من قناة السويس.

على الرغم من الاضطرابات الحالية، لا تزال البنية التحتية للبلاد تعمل بكفاية، حيث يُصدر السودان حالياً نفطه الخام إلى الإمارات وماليزيا عبر محطتي بشاير وPLOC البحريتين. تُرسل هذه الصادرات عبر البنية التحتية لموانئ السودان على البحر الأحمر، وتتكون في معظمها من النفط الخام المُنتَج في جنوب السودان.

لذا، ثمة إمكانية لأن تصبح المنطقة جزءاً مزدهراً من الدولة الإسلامية. بمجرد إعادة توحيد البلاد الإسلامية، سيتمكن السودان من ممارسة التجارة مع بقية الأمة الإسلامية. وهذا مهم لأن السودان ليس الدولة الوحيدة التي تتمتع بموارد طبيعية تكفي لتلبية العديد من الاحتياجات العالمية اليوم - فقد حظيت أفريقيا بأكملها بهذه الموارد؛ إذ تحتوي القارة على ما يقرب من 30% من احتياطيات المعادن في العالم، بما في ذلك الكوبالت والذهب والبلاتين والنحاس. كما تمتلك ما يقرب من 8% من احتياطيات النفط العالمية وحوالي 12% من احتياطيات الغاز الطبيعي العالمية.

إذا نظرنا إلى جيران السودان، فلدينا مصر، الغنية بالغاز الطبيعي والنفط. كما تتمتع بإمكانية الوصول إلى نهر النيل، وهو مورد مائي حيوي. وهناك إريتريا التي تتمتع بموارد معدنية كبيرة، بما في ذلك الذهب والنحاس والبوتاس، وإثيوبيا بإمكانياتها في مجال الطاقة الكهرومائية والأراضي الزراعية والمعادن. ثم هناك جمهورية أفريقيا الوسطى التي تتمتع بالماس والذهب واليورانيوم، وكل من تشاد وليبيا بمواردهما النفطية الكبيرة. على الرغم من كل هذه الثروة والإمكانات، تُعدّ أفريقيا موطناً لبعض أفقر دول العالم. فإلى جانب السودان وجنوب السودان، تعاني بقية الدول من الصراع والموت، وتُنهب مواردها وتُستغل.

في ظلّ دولة الخلافة، سيتغير هذا الوضع. ستستأنف الدولة الإسلامية التزامها بتنمية موارد الأرض، حتى نصبح (كأمة) مكتفين ذاتياً، لا نعتمد على الدول المعادية أو نستغلها. هذا أمرٌ أساسي، إذ لا يجوز منح أعداء الإسلام أي ميزة علينا. وكما نرى، من الممكن أيضاً، إذا كان لدينا قائدٌ قادرٌ على توحيد المسلمين في السودان وإخماد حالة عدم الاستقرار والاضطراب الحالية.

#أزمة_السودان           #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فاطمة مصعب

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير