June 23, 2012

الخلافة مشروع الأمة العظيم


نحن الآن في قلب المعركة الحقيقية، بين مشروع الهيمنة الأمريكية التامة على مقدرات الأمة ومفاصل الحياة السياسية في بلاد الثورات العربية، وبين مشروع الخلافة العظيم. ومما لا شك فيه أن مسألة الخلافة الإسلامية، وعودتها مرة أخرى كنظامٍ حاكمٍ للمسلمين في العالم، هي المسألة الأكثر إثارة الآن في الوسط السياسي، وأصبحت في مرمى نيران أذناب الغرب في بلادنا، من العلمانيين والمضبوعين بالغرب الكافر.

إن جوهر مسألة الخلافة يكمن في قدرتها على لملمة شتات الأمة الإسلامية في كيان سياسي واحد، ومَنْ مِن الأمة لا يتمنى أن يكون من رعايا تلك الدولة العظيمة التي إن أُقيمت فإنها لن تحتاج سوى وقت قصير حتى تنتزع زمام المبادرة وتصبح الدولة الأولى في العالم؟ إن تاريخ هذه الأمة العظيمة حاضر بقوة في كل مفاصل حياتها فهي تراه في الآثار المنتشرة في كل بقعة من أراضيها، وهي تسمعه من خطباء المنابر كل جمعة عندما يسردون لها سيرة الخلفاء بداية من الخلفاء الراشدين ومرورًا بعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد، وصلاح الدين وقطز وبيبرس ومحمد الفاتح، والسلطان عبدالحميد، وهي لا تزال تردد كلما أصابتها فاجعة أو اعْتُدِيَ على عرضها أو دُنِّست مقدساتُها أو اغتصبت منها أرضها المقولةَ الشهيرة: "وامعتصماه"، فتحلم بخليفة كالمعتصم يردّ عنها كيد عدوها، لأن ذاكرتها ما زالت تذكر حديث نبيها "إنما الإمام جنة يُقاتَل من ورائه ويُتَّقى به".

لقد تم الضغط بكل ما هو متاح في يد أعداء الأمة على الحركات الإسلامية لتتخلى مُرْغَمَةً عن شعار الوحدة الإسلامية الذي تمثله الخلافة الإسلامية. وخضعت معظم هذه الحركات لتلك الضغوط، واستبدلته بتلك النظرة الضيقة في إطار الدولة الوطنية التي فشلت على مدار تسعة عقود من قيامها كبديل استعماري لدولة الخلافة التي تم إسقاطها سنة 1924م على أيدي أعداء الأمة بالتعاون مع بعض الخونة من الترك والعرب.

إن استعادة دولة الخلافة الإسلامية هي الطريقة الوحيدة التي يمكن للأمة الإسلامية أن تستأنف بها حياتها الإسلامية التي توقفت مع تفتت دولة الخلافة إلى تلك الكيانات الكرتونية التي صنعها الغرب الكافر على عين بصيرة، والتي لا يزال يقاتل من أجل إبقائها بمحاولاته المستميتة حرفَ تلك الثورات عن أهدافها، إذا فشل في قمعها في مهدها، بإعطائه المهل تلو المهل إلى صنائعه العميلة في بلادنا. ولذلك هو يحاول أن يجعل شعار تلك الثورات المطالَبة بالديمقراطية التي هي بضاعته المسمومة التي يروجها لنا. ذلك أن الأمة إذا تُركت فإنها ستعمل وبشكل جدي مع المخلصين من هذه الأمة الذين يحملون مشروع الخلافة العظيم كقضية مصيرية يتخذون تجاهها إجراء الحياة أو الموت، وهو ما يعني ضمنيًا تحدّيَ دول الغرب الكافر، والقيام بمحاولة جدية لإسقاط الهيمنة الغربية على العالم؛ لأن هذه الدولة لا ترضى أن تكون في ذيل الدول وهي تدرك أنها تحمل الخير للبشرية، وهي وحدها القادرة على الوقوف بقوة ضدّ هيمنة الحضارة الغربية على العالم.

وإن ما يثير حَنَقَ الغرب وحَنَقَ أبواقِه في بلادنا أن يصبح الحديث عن الخلافة هو حديث الوسط السياسي في مصر في هذه الفترة الحرجة، بعد أن ظنت تلك القوى المتآمرة أنها استطاعت أن تشوّه الخلافة في عيون أبناء المسلمين الذين لم يروا هذه الدولة وإنما نُقلت إليهم صورة مشوهة إما عن طريق المناهج الدراسية التي سهر الكافر المستعمر على وضعها في البلاد التي احتلها، أو عن طريق مَن يتحدث عنها من عملاء الغرب الفكريين الذين تصدروا المشهد الفكري والأدبي في بلادنا. فإذا بهم يرونها طموحاً يراود قطاعًا كبيرًا من الأمة وعملاً يسهر عليه حزب سياسي جعل الإسلامَ مبدَأَه واستئنافَ الحياةِ الإسلاميةِ غايتَهُ والخلافةَ طريقتَهُ لذلك. ولم تستطع أية قوة أن تجعل هذا الحزب المبدئي يتخلى عن العمل لاستعادة هذه الخلافة ولا حتى الضربات الأمنية التي وجهتها له القوى الحامية للعلمانية نيابة عن الغرب الكافر في بلادنا، وظل هذا الحزب يعمل بشكل عالمي سائراً على طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ليستعيد المجد الضائع من الأمة بضياع دولتها. ولكن يُسجَّل للغرب قدرته على حرف نفرٍ من أبناءِ الحركات الإسلامية عن توجهها العالمي بحملها مشروعًا تغريبيًا يحمل في طياته أفكار الغرب ولكن في قوالب يخيَّل للرائي أنها إسلامية، وهي في حقيقة الأمر حركات إسلامية تتبنّى مشروعاً وطنياً، لا يختلفُ عما هو سائدٌ الآن، وهي تحوي بداخلها بذور المشروع التفتتي الغربي، حتى تصبح مؤهلة للقيام بدور المستعمر أو وكيل الغرب في إفساد الذوق الإسلامي عند الأمة التي تتوق لتعود من جديد زهرة الدنيا ومنارة العالمين. فليعلم كل من يراهن على الغرب ويسايره تَوَهُّمًا منه أنه هو من يملك كل الأوراق، فليعلم أن شرع الله غير قابل للتجزئة ولا للمقايضة ولا للمداهنة ولا للتنازل فإما إسلام وإما كفر، فالتمكين لدين الله لا يمكن أن يتم بمجاملة من يرفضون حكم الله ومداهنتهم ومجاراتهم.

لقد تحركت الأمة نحو مشروع الخلافة العظيم الذي أصبح الحديث عنه على كل لسان، العدو قبل الصديق، فهو الخائف منها الذي ترتعد فرائصه من رؤية دولة حقيقية للمسلمين يشع نورها في العالم بينما هو كالخفاش لا يعيش إلا في الظلام، والمسلمون يتوقون إليها ولكن كثيراً منهم لا يعرفون الطريق الصحيح الموصلً إليها. كما أصبحت هي محور دراسات استراتيجية في مراكز الفكر والقرار في بلاد الغرب الكافر.

لقد تحدث عنها هشام البسطويسي المرشح السابق للرئاسة في مصر قائلا: "إن الحديث عن الخلافة الإسلامية ينمّ عن عدم فهم للواقع الدولي والمحلي القائم، وإنه شديد الخطورة على الوطن ويصب في مصلحة إسرائيل". وأشار أيضا إلى أن "الحديث عن هذا المشروع يحتاج لمائة عام من الآن لأنه استعادة لزمن انقضى مثل أن تفكر تركيا في إعادة الدولة العثمانية، أو أن تعيد بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وهذا الكلام أصبح لا يناسب هذا العصر ولا يجوز طرحه الآن". كما أكد أيضا أحمد شفيق رفضه لتطبيق نظام الخلافة الإسلامية لأنها "مرفوضة من الشعب المصري" على حد تعبيره! مؤكدا أننا "لسنا في زمن الخلافة الإسلامية". كما قال الدكتور كمال حبيب، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، إن "أبو إسماعيل" المرشح المستبعد من سباق الرئاسة استطاع بخطابه أن يؤثر في عاطفة الشباب من خلال إيقاظ حلم الخلافة الإسلامية بداخلهم، فالفكرة والحلم هما سبب ضخامة ظاهرة "أبو إسماعيل" وليس الشخص في حد ذاته.

كما نشر موقع إيلاف بتاريخ 14/5 للكاتب باسل ترجمان مقالاً بعنوان "الإسلاميون والخلافة السادسة .. أي خليفة يريدون؟" وكان مما قاله فيه: "مع تراجع الاهتمام بكل قضايا الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي في الدول العربية تعاظم الاهتمام بموضوع كان غائبًا تمامًا عن الشارع العربي وتزايد الحديث عنه وكأنه الحل السحري لكل مشاكل الواقع المعاش وهو موضوع الخلافة الإسلامية الجديدة." وعلى الصعيد المناصر للخلافة سمعنا الدكتور صفوت حجازي يقول: "إن حلم أرض الخلافة الإسلامية سيتحقق على يد محمد مرسي"، كما أكد أحمد المحلاوى الداعية الإسلامي وإمام وخطيب مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية إنه "إنما يؤيد البرنامج الانتخابي الممثل في مشروع نهضة مصر الخاص بمحمد مرسي من منطلق أنه مشروع سيعيد للمسلمين الخلافة الإسلامية"، هذا بخلاف التقرير الذي نشرته جريدة الأهرام يوم الثلاثاء 17/4 صفحة 7 بعنوان "حلم دولة الخلافة" وبدأ التحقيق بالقول "انتشرت في الأيام الأخيرة ملصقات على جدران المنازل وأسوار الكَبَارِيْ تطالب بدولة الخلافة ولا أحد يعلم من وراء هذه الملصقات". نعم لقد أصبحت الخلافة حديث الناس وها هي بشائر النصر تلوح في الأفق وتبشر بمجد جديد للأمة الإسلامية التي تفتش عمن يحقق لها مشروع الخلافة العظيم فتعطيه قيادتها، برغم كل محاولات العلمانيين تخويف الناس من هذه الدولة واصفين إياها "بالدينية والإلهية والديكتاتورية"، وغيرها من الأوصاف المضللة الخبيثة.

{إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب}

شريف زايد

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر

المزيد من القسم null

تعريفات شرعية- النظام الإقتصادي

النظام الاقتصادي: هو تدبير أمور الجماعة من حيث توزيع المال المدبر, وهو فكر يؤثر في وجهة النظر في الحياة, ويتأثر بها, وهو لا يتأثر بكثرة الثروة أو قلتها وليست هي المشكلة الاقتصادية. وإنما المشكلة موجودة في علاقات الناس أي في المجتمع, وناجمة عن تمكين الناس بالانتفاع بهذه الوسائل أو عدم تمكينهم. أي ناجمة عن موضوع حيازة الناس لهذه الوسائل.

56/ ن/ الاقتصادي.

الكارثة الإقتصادية التي حلت في الأرض ح1

خيرات الأرض ومقدراتها وأموالها ومجهودات الإنسان تُستبدل بورق ملون اسمه : الدولار


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد :


أيها الإخوة الكرام، عندما خلق الله تعالى الأرض وقدر فيها أقواتها، وخلق آدم عليه السلام، وأسكنه الأرض، فتكاثر البشر وتناسلوا وتشكلت الجماعات البشرية، أخذ الناس بالتعامل بين بعضهم البعض وكانت المقايضة هي الأساس في استبدال السلع مع بعضها لبعض أو استبدال الخدمات وجهد الإنسان إما بالسلع أو الخدمات .


وبدأ الناس يفكرون بإيجاد سلعة تكون هي مقياس الاستبدال والمقايضة بين البشر فاهتدى الناس إلى المعادن والطين، فضربت بعض المعادن، إما معدن واحد أو أكثر من معدن في القطعة الواحدة، وإما الطين أو الجص أو الفخار ولكن سرعان ما تهاو ت كلها ولم يصمد إلا الذهب والفضة والبرونز ( وهو خليط من النحاس والرصاص والقصدير ) في بعض الحقب الزمنية، فكان الذهب والفضة هما المقياس في التعامل في الاستبدال أو المقايضة بين الناس، ولا أعلم من هي الحضارة الأولى التي سبقت في استخدام الذهب والفضة والاهتداء إليهما كعملة، أهم الإغريق أم الرومان أم حضارات ما بين الرافدين ( بابل، آشور، آكاد ) أم الفينيقيون والكنعانيين، وهل كان الاهتداء للذهب والفضة كنقد اكتشاف بشري أم وحي إلهي .


وهذا لا يعنينا كثيرا في هذا المقام ولكن الهام، والذي نريد أن نسلط الضوء عليه هو أن البشرية جمعاء قد أجمعت في كل عصورها وفي جميع أجناسها وحضاراتها القديمة والحديثة باستثناء القرن العشرين، على استخدام الذهب والفضة كنقد .


فالدراهم التي اشتُري بها يوسف عليه السلام كانت فضة والكنوز التي كانت مع قارون ذهبا وفضة والدفائن التي عُثر عليها من كل الحضارات القديمة في الرافدين ووادي النيل ومأرب حميَر والإغريق والسند والهند وبلاد الساسان والرومان والجرمان والسكسكون، كلها وُجد فيها مسكوكات وكانت من الذهب أو الفضة، ووجودها على أشكال قد ضُربت عليها وسكت بها يعني أنها كانت تُستخدم كعملة ويُتعامل بها على أنها نقد .


والوريقات التي كانت مع أهل الكهف أيضا كانت وِرق (فضة) والكنز الذي كان للغلامين الوارد في سورة الكهف كان ذهبا.


فوُجد الدينار البيزنطي والهرقلي والحميري، والدرهم الساساني والدرهم الكسراو ي وغيرهم، وهذا إجماع من البشرية على أن الذهب والفضة هما أساسا التعامل والتبادل والمقايضة للسلع والخدمات والمجهودات بين الناس .


وعندما جاء الإسلام أقرّ الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين على التعامل بهذين المعدنين فكان يأتي لمكة والمدينة المنورة الدنانير الحميرية من اليمن والهرقلية من بلاد الروم والدراهم الساسانية من بلاد فارس .


وكان التعامل يتم على أنها أو زان من التبر ( المعدن الخالص ) وليس عداً أي بأعدادها لاختلاف الأوزان وخوف الغبن بين الناس.


فُرضت الأحكام من الله تعالى تعلقت بهذين المعدنين بعض الأحكام الشرعية، فقد حرم الإسلام كنزهما أو جعلهما أواني أو مقتنيات للاستخدام، وحرم لبس الذهب على الرجال والتزين به وخصصه بالنساء، وقد رُبطت بهما الدية في القتل والجروح والقصاص، والقطع في السرقة، وحددت بهما الزكاة وبلوغ النصاب، وجُعلت مبادلة الذهب بالذهب يداً بيد وهاءً بهاء ووزناً بوزن، أي نفس الوزن والمقدار، وكذلك الفضة بالفضة يداً بيد وهاءً بهاء ووزناً بوزن، وحرم الإسلام التفاضل بالأوزان بين الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وسمح بالتفاضل باستبدال الذهب بالفضة والفضة بالذهب،ولكن يدا بيد وهاءً بهاء .


وقد كانا الذهب والفضة من ضمن الأصناف الربوية الستة ( القمح، الشعير، التمر، الملح، والذهب والفضة ).


واستُثنيت كل المعادن من الأصناف الربوية وحتى التي لها قيمة عالية بين الناس أو ثمنها مرتفع مثل النحاس والرصاص والألمنيوم والنيكل والبلاتين كذلك الأحجار الكريمة من اللؤلؤ والماس والياقوت والزبرجد بل قل كل المعادن وكل الأحجار الكريمة فلم يرقى لأيٍ منها أن يكون عملة أو نقدا أو لأي خليط منها .


وللذهب والفضة مواصفات وميزات خاصة نذكر منها :


أولا : أنها اختيار رباني عندنا نحن المسلمون وان الله تعالى هو الذي جعلها نقدا ومقياسا للتقايض والتعامل، فالأحكام الشرعية التي وردت بخصوصهما تبين ذلك.


ثانياً : إن الذهب والفضة يصعب انتقاص أو زانهما عند الملمس أو الاحتكاك في التعامل


ثالثاً : ندرتاهما حيث أن وجودهما على سطح البسيطة وفي كل أجزاء اليابسة يمتاز بالندرة التي تتوافق وأعداد بني البشر وقدرة امتلاكهم أو استخراجهم لهذين المعدنين.


رابعاً : إمكانية السك والضرب والتشكيل للأوزان المختلفة لهذين المعدنين وخاصة الصغيرة منها، حتى قد يصل التشكيل لقطعة يصغر وزنها أجزاء من الغرام الواحد، مع وجود الصلابة اللازمة للحفاظ على الأشكال والرسومات والكتابات المضروبة


خامسا : ولا يغيب عنا أن الجهود المبذولة لاستخراج هذين المعدنين من الأرض من تنقيب وحفر أو صهر أو تنقية، تساو ي هذه الجهود ما يستخرج من هذين المعدنين أي قيمة الاستخراج والتنقيب تساو ي مقدار الذهب المستخرج، أي أنه يعني هذا أن المعدنين لهما قيمة حقيقية في ذاتهما ويجب أن تعلم أن كمية الذهب والفضة الموجودة في الأرض أو المخزنة في خزانات وقاصات البنوك المركزية لدول العالم والمكدسة فيها على أشكال سبائك وما هو معروض على أشكال حلي أو مصنوع على أشكال أواني وأية أشكال تجارية، تكفي لأن تكون عملة يتداولها كل سكان الأرض بكل أريحية ويسر بدون أي أزمة أو نقص في السيولة . وإذا أضفت إلى كل هذا الرغبة الإنسانية في اقتناء الذهب والفضة والتزين بهما وخاصة عند النساء، علمت أن هذه الميزات والخواص لا توجد إلا في هذين المعدنين ( الذهب والفضة ) .


أيها الإخوة :
لقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام 20 للهجرة، الدنانير والدراهم ولكن بنفس الأوزان والأشكال الموجودة سابقا ( الدرهم الفارسي، والدينار الهرقلي) فالدرهم من الفضة والدينار من الذهب، وهنا لم يغير عمر رضي الله عنه في الأوزان ولا في الأشكال باستثناء بعض الكلمات والكتابات مثل ( بسم الله، وبسم الله الرحمن الرحيم ) وهذا إقرار وإجماع من الصحابة رضي الله عنهم على فعله أي جعلُ الذهب والفضة نقدا، ولم يعترض أحد من الصحابة على هذا ، لان هذا سبق إقراره من الرسول صلى الله عليه وسلم.


وفي خلافة عبد الملك بن مروان ذلك التابعي الأموي المكّي الذي وصل الإسلام في عصره إلى كل أجزاء المعمورة ودولته التي تتسيد قيادة الأرض، ضرب الدرهم الإسلامي في عام 75 هجري، وضرب الدينار الإسلامي عام 77 هجري، وضرب الدينار الإسلامي في عام 77هـ.


وقد التزم عبد الملك بن مروان في الأوزان المعمول بها سابقا ولم يغير عليها ولكن غير الأحجام والأشكال والكتابات وبعد ذلك أصبح الدينار والدرهم الإسلامي هو عملة الأرض، واستمر كذلك زمن العباسيين والمماليك وزمن العثمانيين وبقي على نفس الأوزان والذي يختلف هو الحجم والشكل وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى والدينار والدرهم الإسلامي يتربع على عرش التعامل والتقايض بين البشر ممثلا بالدينار العثماني _ العصملي _ والليرة الرشادية نسبة إلى السلطان رشاد العثماني، وما زالت موجودة الى يومنا هذا في الأسواق لتزين أجياد النساء وتُدفع بها مهور بعضهن .


أيها الإخوة الكرام :
لقد استمر التعامل بالذهب والفضة على أساس أنهما نقدا بين الناس حتى الحرب العالمية الأولى، عندما أوقفت بريطانيا التعامل بالذهب ووضعت الورق نيابة عنه، ولكن سرعان ما عاد الذهب وتربع على عرش التقايض، ونستطيع القول أنه اقترن إلغاء التعامل بالذهب بزوال الدولة الإسلامية وغيابها عن الوجود وعن رعاية شؤون المسلمين، فبريطانيا ومنذ القرن الثامن عشر بدأت بطباعة الأوراق النقدية وكانت نائبة عن الذهب والفضة أي تستطيع أن تستبدل الورق النقدي بالذهب والفضة بدون أي حرج أو قيد ومتى تشاء، وكان ذلك بحجة توفير السيولة النقدية للثورة الصناعية، ولكثرة الحروب ومتطلبات الاستعمار ونفقاته وانتشار قطع الطرُق، فكانت الحجة البريطانية لاستغلال ونهب خيرات مستعمراتها ( الورق النائب عن الذهب ) .


وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى طبعت بعض الدول أو راقا نقدية بدون غطاء ذهبي لتغطية الخسائر التي لحقت بها من جراء الحرب والدمار، ولسد العجز في ميزان المدفوعات الذي أو جدته متطلبات عملية اعتمار ما دمرته آلة الحرب، ولكن سرعان ما عادت الدول للعملة الذهبية بعد الكساد العظيم الذي حل بالأرض في عام 1929 ميلادي، وشل حركة الاقتصاد في الأرض وكان مقدمة لاندلاع الحرب العالمية الثانية التي حصدت ما حصدته من أرواح وممتلكات، فدُمرت المصانع والمنشئات والمباني والبنى التحتية لمعظم الدول، وهنا ظهر الدولار على مسرح الاقتصاد الدولي .


انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 م . بظهور دول واندثار دول وغياب دول، وظهور الولايات المتحدة الأمريكية في حلبة الصراع الدولي .

نتوقف عند هذه النقطة مستمعينا الكرام وهي ظهور أمريكا ودخولها الصراع الدولي وبدء طبعها للدولارات وإغداقها على دول الأرض ونتابع معكم بقية بحثنا في الحلقة الثانية إن شاء الله والى ذلك الحين نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو مهند

يتبع..