July 02, 2010

الخليفة محمد الفاتـح - صاحب الأفكار وفاتح القسطنطينية -ج3-

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل صلاة وأتم تسليم

مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير نحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في الحلقة السابقة ذكرنا استعدادات السلطان محمد الفاتح لفتح القسطنطينية من عقد معاهدات وبناء قلعة رومللي وتحصينها لتكون المنطلق لفتح القسطنطينية وحصارها، كما لا ننسى صناعة المدافع العملاقة التي استخدمها لفتح القسطنطينية فقد كانت المدافع تعمل عملها ليلاً ونهاراً، وكانت تكبيرات المسلمين المدوية، تحدث في نفوس البيزنطيين من الرعب أكثر مما تحدثه المدافع، إلا أن هناك ثغرة بقيت في الحصار، كانت تأتي منها الإمدادات، وهي القرن الذهبي، الذي حاول الأسطول العثماني الدخول إليه مرات عدة، ولكن السلاسل الحديدية الضخمة التي كانت تقفل مدخله حالت دون ذلك.

سفن الفاتح في الصحراء:

قرر محمد الفاتح دخول القرن الذهبي بأسطوله مهما كلف الأمر، لأن ذلك يعني أن تصبح القسطنطينية في حصار خانق، فتفتق ذهنه وعبقريته عن معجزة عسكرية لم يسبق إليها أحد قبله، كانت خطته أن يرفع عدداً من سفنه من مرساها في "بشكطاش" في البوسفور إلى البر، ثم ينـزلها إلى القرن الذهبي بعيداً عن مدخله المغلق بالسلاسل، والمحمي بالأسطول البيزنطي، وكان يعلم أن أضعف نقطة في الأسوار، هي تلك الواقعة على القرن الذهبي.

ولم تكن أرضاً ممهدة، بل كانت وهاداً وتلالاً، فأمر الفاتح بتسويتها، وأمر بإحضار الألواح الخشبية فرصفت على الأرض، ودهنت بالزيت حتى يسهل انزلاق السفن عليها، وقام الجيش الإسلامي ورجاله الأشداء، يرفع السفن من البوسفور، وجرها هذه المسافة الطويلة، وثم إنزالها في نقطة آمنة في القرن الذهبي، وقد تم ذلك كله في ليلة واحدة، وما إن بزغ نور الفجر حتى كانت أعلام الفاتح ترفرف على اثنتين وسبعين سفينة في القرن الذهبي، يملؤها الجند مدججين بالسلاح، مكبرين مستبشرين بنصر الله، ولما رأى البيزنطيون ذلك صعقوا، وانحطت روحهم المعنوية، وحاولوا مهاجمة الأسطول العثماني فارتدوا خاسرين مدحورين. يروي أحد الشهود النصارى واسمه "نيقولو باربارو" وكان يعمل طبيباً على ظهر إحدى سفن البندقية المشاركة في الدفاع عن المدينة، أن المسلمين تصدوا للهجوم البيزنطي ببسالة منقطعة النظير، وقصدوا الهجوم وأغرقوا عدداً من السفن البيزنطية، فأصبحت لهم السيادة في القرن الذهبي.

ويروي أحد المؤرخين عن نقل الأسطول عن طريق البر فيقول «ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار، وتعبر سفنه قمم الجبال، بدلاً من الأمواج، لقد فاق بهذا العمل الإسكندر الأكبر.

زاد الحصار على المدينة براً وبحراً، وكانت مدافعه تدكها ليلاً ونهاراً، وصيحات الجنود (الله أكبر، الله أكبر) تحطم روحهم المعنوية، خطب افاتح في الجيش، وأمر جنوده بالتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والصلاة والدعاء وإخلاص النية، وحثهم على الصبر والتضحية، وقام هو بنفسه باستطلاع الأسوار، وحدد مواقع معينة لتركيز القصف عليها. وفي اليوم التالي ، اشتد القصف المدفعي، وارتفعت التكبيرات مدوية من حناجر المجاهدين، وكان الفاتح يمر على الجنود بنفسه، ويحثهم على الجهاد، ويبشرهم بقرب النصر، وكان العلماء لا يفترون عن التجوال بين الجنود، يقرؤون عليهم الآيات التي تحث على القتال في سبيل الله، ويذكرونهم بفضل الشهداء، وعظيم ثوابهم عند الله.

جلس محمد الفاتح مع كبار القادة ، وخطب فيهم خطبة مؤثرة، وذكرهم فيها حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن فتح القسطنطينية، ودعا فيه مخلصاً أن يكون هو وجنوده أهل هذا الشرف، ومن ضمن ما قاله في خطبته: «أبلغوا أبناءنا العساكر فرداً فرداً، أن النصر العظيم سيزيد الإسلام قدراً وشرفاً، فيجب على كل جندي أن يجعل تعاليم الشريعة الغراء نصب عينيه، فلا يصدر عن أحد منهم ما يخالف ذلك، وليتجنبوا الكنائس والأديرة، ولا يقتلوا طفلاً ولا شيخاً ولا امرأةً ولا راهباً في صومعته، وليحسنوا معاملة القيصر إن أسروه.

وفي صبيحة يوم المعركة أمر محمد الفاتح جنوده فصلوا "الفجر" ودعوا الله مخلصين، وبدأ الهجوم مع صيحات التكبير عقب الانتهاء من الصلاة مباشرة، وبدأ الهجوم موجة تلو أخرى، حتى أرهق المدافعين، وتمكن المسلمون من اعتلاء الأسوار، والاستيلاء على الأبراج المدافعة في منطقة "باب أدرنة" ورفعت عليها رايات المسلمين، وقتل الإمبراطور قسطنطين، ونزل خبر مصرعه على البيزنطيين كالصاعقة، فانهارت معنوياتهم، وبدأوا يهربون إلى بيوتهم يتبعهم جند الإسلام مكبرين، وما حان وقت الظهر إلا والفاتح يتجول وسط عاصمة بيزنطة على ظهر جواده، يحف به جيشه الظاهر مكبرين مهللين، يهنئون السلطان ويهنئهم، وهو يقول «الحمد لله، ليرحم الله الشهداء، ويمنح المجاهدين الشرف والمجد، ولأمتنا الإسلامية العظيمة الشرف والشكر» ثم ترجل عن جواده وسجد شاكراً لله تعالى على هذا النصر العظيم.

أمر "محمد الفاتح" بعد ذلك بنـزع الصلبان من كنيسة آيا صوفيا وتجصيص الصور، وصلى فيها صلاة الجمعة، وحولها بعد ذلك إلى مسجد تقام فيه الصلوات الخمس، وقد بعث إليه بابا روما يتهدده على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، فرد عليه الفاتح بقوله: «لقد شرفت آيا صوفيا بأن حولتها إلى مسجد، أما إن مكنني الله تعالى، فسأحول مكانك الذي تقف فيه، إلى مربط لخيولي.

بعد هذا الفتح العظيم، أرسل الفاتح رسائل البشرى إلى أقطار الدولة الإسلامية في آسيا وأفريقيا، فأرسل برسائل إلى فارس، والهند، ومصر، والحجاز، فعمت الفرحة هذه الأقطار، فقد تحققت بشرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأصبح الحلم حقيقة، فنودي بالزينة في مدائن المسلمين، ورفعت أعلام الفاتح، ودعي له على المنابر، ونظم فيه الشعراء شعراً، ومن أحسن ما قيل في هذه المناسبة:

الله أكبر هذا النصر والظفر *** هذا هو الفتح لا ما يزعم البشر

إن مما يجدر ذكره في هذا المقام، أن الفاتح، كان شاعراً باللغة التركية، ويقول في قصيدة له:

حماسي: بذل الجهد لخدمة ديني دين الله.

عزمي: أن أقهر أهل الكفر جميعاً بجنودي جند الله.

وتفكيري: منصب على الفتح، على النصر، على الفوز بلطف الله.

وجهادي: بالنفس وبالمال، فماذا في الدنيا بعد الامتثال لأمر الله.

وأشواقي: الغزو مئات الآلاف من المرات في سبيل الله.

ورجائي: في نصر الله، وسمو الدولة على أعداء الله

ما بعد الفتح

بعد إتمام النصر الذي حققه محمد الثاني وهو لا يزال شابًا لم يتجاوز الخامسة والعشرين -وكان هذا من آيات نبوغه العسكري المبكر - اتجه إلى استكمال الفتوحات في بلاد البلقان، ففتح بلاد الصرب سنة ، وبلاد المورة ، وبلاد الأفلاق والبغدان (رومانيا) ، وألبانيا ، وبلاد البوسنة والهرسك ،ودخل في حرب مع المجر سنة (881هـ=1476م)، كما اتجهت أنظاره إلى آسيا الصغرى ففتح طرابزون.

كان من بين أهداف محمد الفاتح أن يفتح روما، وأن يجمع فخارًا جديدًا إلى جانب فتحة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، ولكي يحقق هذا الأمل الطموح كان عليه أن يفتح إيطاليا، فأعدَّ لذلك عدته، وجهّز أسطولاً عظيمًا، تمكّن من إنزال قواته وعدد كبير من مدافعه بالقرب من مدينة "أوترانت"، ونجحت تلك القوات في الاستيلاء على قلعتها، وذلك في (جمادى الأولى 885هـ= يوليو 1480م.

وعزم محمد الفاتح على أن يتخذ من تلك المدينة قاعدة يزحف منها شمالاً في شبه جزيرة إيطاليا، حتى يصل إلى روما، لكن المنيّة وافته في (4 من ربيع الأول 886هـ=3 من مايو 1481م)، واُتهم أحد أطبائه بدس السم له في الطعام، وكان لموته دوي هائل في أوروبا، التي تنفست الصعداء حين علمت بوفاته، وأمر البابا أن تقام صلاة الشكر ثلاثة أيام ابتهاجًا بهذا النبأ.

وصية السلطان محمد الفاتح لإبنه

 هذه وصية محمد الفاتح لإبنه وهو على فراش الموت والتي تعبر اصدق التعبير عن منهجه في الحياة وقيمه ومبادئه التي آمن بها والتي يتمنى من خلفائه من بعده أن يسيروا عليها: (ها أنذا أموت، ولكني غير آسف لأني تارك خلفاً مثلك. كن عادلاً صالحاً رحيماً ، وابسط على الرعية حمايتك بدون تمييز، واعمل على نشر الدين الإسلامي، فإن هذا هو واجب الملوك على الأرض، قدم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء، ولا تفتر في المواظبة عليه، ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين، ولا يجتنبون الكبائر وينغمسون في الفحش، وجانب البدع المفسدة، وباعد الذين يحرضونك عليها وسع رقعة البلاد بالجهاد واحرس أموال بيت المال من أن تتبدد، إياك أن تمد يدك إلى مال أحد من رعيتك إلا بحق الإسلام، واضمن للمعوزين قوتهم، وابذل إكرامك للمستحقين .وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظم جانبهم وشجعهم ، وإذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر فاستقدمه إليك وأكرمه بالمال.حذار حذار لا يغرنك المال ولا الجند، وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك، وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة، فان الدين غايتنا ، والهداية منهجنا وبذلك انتصرنا.

خذ مني هذه العبرة: حضرت هذه البلاد كنملة صغيرة، فأعطاني الله تعالى هذه النعم الجليلة، فالزم مسلكي، وأحذ حذوي ، واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله ولا تصرف أموال الدولة في ترف أو لهو، وأكثر من قدر اللزوم فإن ذلك من أعظم أسباب الهلاك.

انتفاضة أحفاد محمد الفاتح في العصر الحديث:

على مدار السنوات الماضية ظهر في قلب تركيا أناس يقولون أنهم "الأحفاد الحقيقيين للروح العثمانية الثائرة" وقاموا ونجد اليوم أحفاد السلطان محمد الفاتح من حملة الدعوة في تركيا أمثال يلماز شيلك وشِيْغْدَام أَلبَاصَان وغيرهم كثير الذين يصدعون بالحق ويشدون الخطى نحو إقامة دولة الخلافة الراشدة التي ستقيم الدين وتوحد المسلمين وترجع الأمة إلى المكانة التي تليق بها.

هؤلاء هم من سيبقون يحملون لواء الإسلام يخلفون من سلفهم ، وقد خاب من قال أنه لا يمكن أن يوجد مثلهم ، لا والله بل إن الأتقياء الأنقياء موجودون ، وبإذن الله لراية الحق سيرفعون وهم بالحق يصدعون ..

رحم الله الخليفة العادل محمد الفاتح، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً، اللهم امنن على المسلمين بخليفة راشد، يقود الجيوش ويحمي الثغور، ويفتح الفتوح ومنها فتح روما، ويحرس الشريعة، يعز الله به الإسلام والمسلمين، ويذل به الكفار والمنافقين، جعل الله ذلك في العاجل القريب، فإنه ولي ذلك والقادر عليه.

المزيد من القسم null

    الخلافة العباسية

لا بد قبل ذكر إضاءات عن الخلافة العباسية، أن نذكر نبذة عنها، لقد حكمت الخلافة العباسية بعد قضاء العباسيين على الخلافة الأموية، ولقد بلغت الخلافة العباسية في بداية عهدها مبلغا عظيما من القوة والاتساع، والهيبة، ومرت بعدها عصور من القوة والضعف، فعصرها الأول كان العصر الأعظم، تعاقب على الحكم أثناؤه خلفاء عظام كالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، والمهم فلقد حكمت الخلافة العباسية خمسمائة وأربعة وعشرين عاما، وتعاقب على حكمها سبعة وثلاثون خليفة، وقد ضمت وهي في عنفوانها أربعة عشر إقليما تحت سلطانها، من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي والأندلس غرباً، ومن جنوب سيبيريا وبلاد القفقاس شمالاً إلى المحيط الهندي وأواسط السودان جنوباً، وبمساحة تزيد عن اثنين وعشرين مليون كيلو متراً مربعاً، كما انضوى تحت سلطانها أيضاً الملايين والملايين من البشر يستظلون جميعا بظلال راية الإسلام، ينصهرون جميعا في بوتقة الإسلام، فالعربي والفارسي والكردي والإفريقي والبربري والهندي والصيني أحمرهم وأسودهم كلهم أو جلهم مسلمون حقا لقد كانت خلافة عظيمة، حق لأحد خلفائها أن يقول وهو مستلق على ظهره لسحابة مارة فوقه: أيتها السحابة أمطري حيث قدر لك فسيأتينني خراجك. دولة ملكت ناصية المجد في كل شيء، ملكت ناصية المجد في قوة الفكر، واتساع السلطان واتساع المساحة ووفرة المال وحسن العمران، دولة هابها أعداؤها وارتجف منها البيزنطيون، ونافقها الأوروبيون، وعلى رأسهم إمبراطورهم شارلمان.

والآن تعالوا معنا نعرج عن عدد من الإضاءات على تاريخ هذه الدولة وأول إضاءة هي تركز مفهوم الخلافة والإجماع على احترامها في عصور قوتها بل وحتى في عصور ضعفها وانه وان عارض بعض أمراء الأقاليم بعض الخلفاء، إلا أنهم كانوا يدركون أن الخلافة أجل من أن تمتهن أو تحتقر بل إن هؤلاء الأمراء والسلاطين كانوا يدركون أن لا شرعية لهم إلا بالاعتراف بالخلافة وطلب رضى الخليفة فكان هؤلاء مجمعين على احترام الخلافة وجلهم لم يجرؤ على التفكير في القضاء على الخلافة أو مجابهة الخلافة رغم أنه كان لديهم من الجيوش والقوى ما يتفوقون به على ما بيدي الخليفة, صحيح إنه بويع عبد الرحمن الناصر وعدد من أولاده وأقاربه بالخلافة في الأندلس إلا أن خلافتهم لم تطل أكثر من قرن اوسرعان ما قضي عليها وفرقها ملوك الطوائف وكذلك ما سمي بالخلافة الفاطمية في المغرب الأدنى ومصر وبعض مناطق الشام إلا أنها أيضا لم تعمر طويلا فسرعان ما انقض عليها وزراؤها وسرعان ما أزالها من الوجود صلاح الدين الأيوبي بأمر من نور الدين زنكي الذي كان حريصا على جمع الكلمة ورص الصفوف للقضاء على الخطر الصليبي تحت سلطان الخلافة العباسية.

أما الإضاءة الأخرى فهي المحافظة على عقيدة الأمة من التحريف وإيجاد التربة المناسبة والبيئة المناسبة لنبوغ عدد كبير من العلماء والأفذاذ فالأوزاعي والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل إلى جانب جهابذة علماء الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وغيرهم، إلى جانب علوم اللغةالعربية، فظهرت علوم عديدة وكتب قيمة كالبلاغة والعروض وازدهار علم النحو وظهور كتب كما قلت كموطأ مالك والأم للشافعي وكتاب المبسوط والمدونة الكبرى كل هذا ظهر في العهد العباسي ومدارس كالمدارس النظامية والجامع الأزهر بعد أن دعمه صلاح الدين والبيرمانستانات أو المستشفيات والمساجد الكبرى وما كان بها من حلقات للعلم كل هذا يعتبر مفخرة من مفاخر الخلافة العباسية في وقت كانت أوروبا تغط في سبات عميق وتخلف رهيب. حقا كانت حال أمتنا تسر الصديق وتغيظ العدو، يوم أن كان يحكمنا خليفة من جنسنا، أي خليفة مسلم يحكم بشرع الله، لا كما نحن عليه اليوم من الرويبضات، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة تنفيذا وانصياعا وتسابقا لخدمة أسيادهم المستعمرين، قبحهم الله وقاتلهم أنى يؤفكون، ولن ننسى في العصر الحاضر ما يزينه مشايخ السوء مشايخ السلاطين والمنافقين لأسيادهم رويبضات هذه الأمة. ألا يتقي الله هؤلاء مشايخ السلطان في دينهم وفي أمتهم، الم يقرأوا موقف الإمام أحمد بن حنبل أمام المأمون والمعتصم وكيف كان صموده، إذ لم يأبه بتعذيب ولم يخفه السجن، فكان موقفه في منتهى الصراحة والجرأة، بل لم يقبل تورية في قوله، وإنما رفض إجابة المأمون والمعتصم لبدعة المعتزلة في خلق القرآن، فلقد خاف إذا قال تورية عن رأيه في هذه البدعة أن يُضل سائر الناس وقد علم القاصي والداني كم كان لموقفه من أثر عظيم في انهيار بدع خصومه, وبعد انهيارهم، لم تقم لفكرهم قائمة حتى الآن، هكذا يكون الثبات بل وهذه ثمار الثبات، هزيمة للفكر الضعيف إلى الأبد.

أيها السادة: ما ذكرت سابقاً اضاءات في ميادين الفكر والعلم والثبات على الحق وليست هذه الأمور ذات شأن بسيط وإنما قد يكون شأنها لا يقل عظمة عن حماية الثغور، وفتح البلدان لإعلاء كلمة الله، فإلى إضاءة أخرى في ميدان الجهاد ففي عهد هارون الرشيد، الذي كان يحج عاما ويغزو عاما، والذي عين على الثغور قادة عظاما كالمعتصم وسوس الشيطان لإمبراطور الروم أن يرسل رسالة يهدد ويتوعد المسلمين، طالباً من خليفة المسلمين أن يعيد الأموال التي أخذتها الدولة الإسلامية كجزية من دولة الروم، أخذ الخليفة الرسالة من رسول إمبراطور الروم، وقرأها فاستشاط غضبا، وتناول قلماً، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه دون أن تسمعه، وأرسل جيوش من ساعته، فوصلت الجيوش أرض الروم، فغزت وانتصرت ولم تتوقف عن الغزو إلا بعد أن تعهد إمبراطور الروم بدفع جزية مضاعفة. أما المعتصم وما أدراك ما المعتصم، فلقد ضرب مثلاً رائعاً للنخوة، وحماية الثغور لا يزال رحمه الله يعتبر مثالاً للنخوة والمروءة وعلو الهمة، فلقد اعتدى الروم على الثغور، وسفكوا الدماء وسبوا النساء وأهلكوا بعض الحرث والنسل، وبخاصة في مدينة زبطرة الحدودية، فصرخت امرأة مسلمة في وجه علج رومي قائلة وامعتصماه، مستنجدة بالمعتصم أمير المؤمنين فهزئ بها العلج الرومي، وقال سيغزونا المعتصم بخيله البُلُق وبلغت الاستغاثة الخليفة في سامراء وكان عل مائدة الطعام فأمر برفع المائدة في الحال وأمر بإرسال جيش سريع لنجدة الثغور وبخاصة زبطرة ثم دقت طبول الحرب في مختلف أنحاء الدولة وتجمع جيش لجب، يقوده الخليفة المعتصم، تتقدمه الخيل البلق، سار حتى وصل أرض العدو، فقاتل وانتصر، وأمعن في غزو الروم، حتى وصل إلى عمورية جنوب أنقرة، وكانت مدينة حصينة، فحاصرها حتى تم فتحها، فعاقب الأعداء وأعاد الأسرى وشحن الثغور بالجنود لكي لا يتمكن الروم من الاعتداء على الثغور مرة أخرى وقد خلدت انتصارات المعتصم في يوم عمورية خلدها أبو تمام بقصيدته الرائعة والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

إلى أن قال:

تسعون ألفا كآساد الشري نضجـت جلودهم قبل نضج التين والعنب

هذا تاريخكم أيها الشباب، هذا تاريخكم يا شباب الإسلام.

قارنوا ما فعله هارون الرشيد والمعتصم، عندما هبا لسحق الكفر ورد العدوان وإغاثة المستغيث ونجدة الملهوف، قارنوا بين الرشيد والمعتصم، وبين حكامنا في العصر الحاضر كم أزهق اليهود من أرواح طاهرة بريئة عزلاء من السلاح، كم أهلك الأمريكان في العراق وأفغانستان من الحرث والنسل، كم أهلك الروس والصرب وكم أهانوا وأهانوا إخوانكم وأخواتكم المسلمات كم امرأة استصرخت ولا تزال تستصرخ كم أرملة فقدت زوجها، كم أما فقدت أطفالها، كم شيخا فقد من يعيله ويعينه، كم وكم....... ولا من مجيب!! إن حكامكم أيها السادة ليسوا أهلا للمجد ليسوا أهلاً للعز، ليسوا أهلاً للمكرمات إنهم أذلة صاغرون خاسئون لم يكتفوا بعدم حماية البلاد والعباد وإنما كانوا عونا للكفار المستعمرين، طاردوا ويطاردون حملة الدعوة إرضاء لأسيادهم المستعمرين وفتحوا بلاد المسلمين براً وبحراً وجواً فتحوا خزائن المسلمين يرفدون بها الكفار المستعمرين سهلوا تحقيق كل ما يطلبه وما يتوقعه الكفار المستعمرين فسحقاً لهم، ولله در الشاعر القائل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ولله در الشاعر القائل أيضا:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

يا شباب الإسلام: الصبرَ الصبرَ والثبات الثبات فسيمحو نور الفجر فحمة الدجى وسيمحق الباطل وأهله والله غالب على أمره وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32-33)

فالله نسأل أن يجعلنا ممن يحملون رايته لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة التزاماً بأمره وطمعاً في ثوابه ومغفرته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة