السلاجقة
December 06, 2010

السلاجقة

 
لا بد من الإقرار أن كثيرا من شباب المسلمين يجهلون تاريخهم المجيد، ويظنون أن التاريخ الإسلامي توقف بعد العصر العباسي الأول، حتى أن بعضهم يجهل تماما تاريخ السلاجقة في بلاد الشرق، والمرابطين في بلاد المغرب، ولولا الحروب الصليبية ما كان هؤلاء يعرفون عن الزنكيين ولا الأيوبيين شيئا,شيئا يستحق الذكر، كما أنه لولا معركة عين جالوت، ما كانوا يعرفون عن المماليك شيئا أما الأتراك العثمانيون أو الخلافة العثمانية، فالكثير من مثقفي زماننا يصفونهم بأبشع الأوصاف التي لا تليق بهؤلاء الأبطال.. إن جهلنا أو جهل الكثيرين منا أيها السادة بتاريخ أولئك المجاهدين، يعتبر كارثة فكرية وثقافية وإنه وإن كان هناك بعض العذر لشبابنا في الماضي بسبب التخلف الفكري الذي ابتلينا به في العصور الأخيرة، وبسبب الهجمة الفكرية والعسكرية الشرسة التي داهمنا بها الاستعمار الغربي وانتصر بها علينا فأخضعنا لفكره وجعلنا أيتاما على موائده اللئيمة فعبث بتاريخنا، وفرض علينا مناهج تعليم تخدم غرضه، واختار لنا من الثقافة ما يطيل سيطرته، وأخضعنا لحكام لئام من أبناء جلدتنا، باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، همهم سلطان زائف وخضوع ذليل لأسيادهم المستعمرين. قلت إن كان هناك عذر لشبابنا في القرنين الأخيرين فليس لشبابنا الآن عذر في استمرار هذا التخلف وهذا الجهل، فقد انكشف عوار الرأسمالية العفنة، وأصبحت رائحتها تزكم الأنوف، بل وأصبح احتكاكنا بالكافر المستعمر يلزمنا بالعودة إلى الجادة المستقيمة فلقد انكشف كذب ودجل الكافر المستعمر، ولن يكون هناك عذر لمتعذر ولقد ظهرت تباشير خير تنبئ بيقظة فكرية لا بد أن نرعاها، حق الرعاية لتقوى وتسود لنتمكن بعدها من سحق الباطل وأهله، وتحرير البلاد والعباد من الكفر والكافرين، وعليه فتعالوا معي نطل على إضاءة رائعة، على تاريخ السلاجقة المجيد، وقد أردت أن أبدأ بخطاب رائع للسلطان ألب أرسلان في جنوده، قبيل معركة ملاذكرد سنة 463هـ الموافق لسنة 1070م يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي القعدة سنة 463 هـ بعد أن صلى الجمعة بعسكره. دعا الله وابتهل، وبكى وتضرع، فجيش المسلمين أقل من عشرين ألفا، وجيش الروم البيزنطيين أكثر من 250 ألفا، اسمعوا ما قال: نحن أقل من القوم بكثير وأريد أن أجاهدهم في هذه الساعة التي يدعو فيها المسلمون لنا على المنابر فإما أن أبلغ الغرض وأنتصر وإما أن أمضي شهيدا إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحبا بالعافية فما ها هنا سلطان يأمر، ولا عسكر تؤمر، فإنما أنا اليوم واحد منكم وغازٍ معكم فمن تبعني ووهب نفسه لله تعالى فله الجنة، أو الغنيمة، ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة. فقالوا جميعا: مهما فعلت تبعناك وأعناك. فبادر ولبس البياض وتحنط استعداداً للموت وقال إن قتلت فهذا كفني، ثم وقع الزحف بين الطرفين ونزل ألب أرسلان عن فرسه، ومرغ وجهه بالتراب وأظهر الخضوع والبكاء لله تعالى وأكثر من الدعاء، ثم ركب فرسه، وحمل على الأعداء، وصدق المسلمون القتال، وصبروا وصابروا حتى زلزل الله الأعداء، وقذف في قلوبهم الرعب، فولوا هاربين ونصر الله المسلمين، وقتلوا من الكفار مقتلة عظيمة، وأسروا منهم جموعا كان على رأسهم إمبراطورهم.


هذه خطبة سلطاننا ألب أرسلان هذه مواقف سلفنا ألب أرسلان، هذا هو المجد بعينه بل هذا هو الفخار بعينه، هذه هي العظمة بعينها تلبس البياض يا سلطاننا ليكون كفن لك وتتحنط تحنط الموتى، ألم تعلم يا سلطاننا أنك لو قضيت شهيدا لا تغسل ولا تكفن ولا يصلى عليك فشهادتك تغنيك عن كل هذا، شهادتك لو قضيت شرف ومجد لك في الدنيا والآخرة وحياة ترزق بها عند ربك تتحنط لتلقى ربك يا سلطاني العظيم ودمك لو لقيت الله شهيداً يكون لونه لون دم ولكن ريحه ريح مسك، وأنتم يا شباب السلاجقة يا من كان يقارب عددكم العشرين ألفا لم يتخلف منكم رجل واحد عن خوض غمار الوغى ومواجهة الموت الزؤام لم تتركوا سلطانكم الجليل والله أنكم كنتم حقا صبر في الملمات صدق عند اللقاء فهل يتخلى الله عنكم كلا وألف كلا، ألم تقرأوا يا شباب السلاجقة قوله تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) لقد كنتم جديرين بهذا النصر، جديرين بهذا الفخر، بل ونحن في هذا العصر وكل عصر نعتبركم سلفا صالحا وقدوة حسنة، والله إنكم لجديرون بهذا.


ولنكمل ما فعله سلطاننا مع عدوه الذي عرض عليه الصلح والسلم والعافية قبل المعركة، فأبى بصلف شديد قائلاً: لا صلح إلا في الري، يعني لا صلح إلا بعد سحق السلاجقة، ودخول عاصمتهم الري، التي تقع الآن قريبا من طهران في إيران، يؤتى بالإمبراطور الأسير، ويضربه ألب أرسلان بمقرعة قائلاً: ويلك ألم أبعث أطلب منك الهدنة؟ قال الإمبراطور: دعني من التوبيخ قال ألب أرسلان: ما كان عزمك لو ظفرت بي؟ قال الإمبراطور: كل قبيح قال ألب أرسلان: فما تؤمل وتظن بي؟ قال الإمبراطور: القتل أو تشهر بي في بلادك، والثالثة بعيدة، وهي العفو وقبول الفداء، قال ألب أرسلان ما عزمت على غيرها يعني العفو وقبول الفداء ففدى الإمبراطور نفسه بمليون ونصف المليون دينار ذهبا، فأطلق السلطان سراحه، وزوده بما يوصله عاصمته، فوجد قومه قد عزلوه، وعينوا إمبراطوراً مكانه فأخذ يجمع الفدية، فجمع ثلاثمائة ألف دينار وأرسلها لألب أرسلان معتذرا عن عدم استطاعته جمع ما تبقى منها، وما لبث قومه أن سملوا عينيه، ثم لم يطل به العيش فمات حزنا وكمدا.


هذه فعال أسلافكم أيها السادة، في الحرب أسود ضارية، وعند المقدرة أهل للعفو، لم يقتل سلطاننا أسراه، وبخاصة أسيره الصلف، والشرع يجيز له قتله ولكنه أبى إلا العفو فهذا ديدن أسلافكم أيها السادة.


هذه معركة ملاذكرد التي لا بد من معرفة نتائجها العظيمة، فمن نتائج هذه المعركة أن ترسخت أقدام الإسلام والمسلمين في آسيا الصغرى، وضمت إلى أرض الإسلام في آسيا الصغرى وما حولها شرقا ما يزيد على أربعمائة ألف كيلو متر مربع، وأصبح الإسلام في آسيا الصغرى في علو وظهور، والبيزنطيون في انحدار وضعف، إذ لم يقو البيزنطيون بعد ملاذكرد أن يقاتلوا المسلمين في معركة يعتد بها، فمعركة ملاذكرد كانت من المعارك الفاصلة في التاريخ لا تقل في عظمتها عن اليرموك والقادسية، ويكفي أن نعلم من نتائجها استنجاد البيزنطيين بأوروبا لخوفهم من السقوط السريع تحت سنابك خيل المسلمين، وأدركت أوروبا الخطر فأخذت تعبئ نفسها لنجدة البيزنطيين، وسحق المسلمين والاستيلاء على بيت المقدس، فكانت نتائج ملاذكرد بداية للحروب الصليبية.


ولعلكم أيها السادة تطلبون المزيد والمزيد من تاريخ السلاجقة المشرق، فالسلاجقة أيها السادة أتراك من قبيلة الغز خرجوا من آسيا الوسطى (بلاد التركستان) بقيادة أميرهم سلجوق الذي سموا باسمه، وكونوا إمارة بلغت شأنا عظيما وأدخلت تحت سلطانها بلادا واسعة من أواسط آسيا شرقا حتى بلاد الشام وآسيا الصغرى غربا وقد استنجد بهم الخليفة العباسي سنة 467هـ الموافق 1074م لتخليص الخلافة العباسية من سيطرة وفتن البويهيين الذي هموا بالقضاء على الخلافة العباسية وضم العراق وغيرها من أراضي شرق البلاد الإسلامية إلى ما سمي زورا وبهتانا الخلافة الفاطمية في مصر والشام، تقدم السلاجقة بكل إباء وشمم بقيادة أميرهم أرطغل ولبوا نداء أمير المؤمنين فقضوا على البويهيين وأعادوا الاستقرار للعراق، ولم يكتفوا بذلك بل طاردوا القرامطة، وقضوا عليهم وأنقذوا البلاد والعباد من فجورهم وطغيانهم، ووقفوا كالطود الشامخ في وجه أطماع الدولة الفاطمية، وساهموا في إعادة ولايات عديدة للخلافة العباسية ولم يقتصر عملهم وفضلهم على الفتح والجهاد، وإنما كان لهم قصب السبق في نشر الوعي في مختلف أرجاء سلطنتهم بمئات المدارس التي افتتحها الوزير العظيم نظام الملك، في عهد كل من ألب أرسلان وابنه ملكشاه، لقد تركوا مآثر عظيمة وتخرج على أيديهم أجيال وأجيال كان لها دور فذ في القضاء على البدع والخرافات والانحراف المذهبي وإعادة المسلمين إلى صفاء العقيدة ونقائها، ولا تزال المدارس التي سارت على منهاج مدارس نظام الملك، تسمى المدارس النظامية.


بقي أن نذكر أيها السادة ما آلت إليه حال سلطنة السلاجقة، فلقد ضعف أمر السلاجقة بعد وفاة ملك شاه واغتيال الوزير العظيم نظام الملك وانقسم السلاجقة على أنفسهم فقسم بقي مسيطرا إلى حين في شرق سلطنتهم في خراسان وما وراء النهر وقسم تولى أمر شمال العراق والشام والقسم الثالث وسمي سلاجقة الروم تولى أمر آسيا الصغرى وقد انتهى أمر سلاجقة الشرق سنة 536هـ الموافق سنة 1128م أما سلاجقة الشام وشمال العراق فقد بقي بعضهم حتى سيطرة الزنكيين على المنطقة في عهد نور الدين زنكي وأما سلاجقة الروم فظلوا حتى نهاية القرن التاسع الهجري، الموافق لأواخر القرن الخامس عشر الميلادي وعلى الرغم من ضعف سلاجقة الروم، إلا أنه كان لهم دور في الحروب الصليبية إذ سحقوا الحملة الصليبية الأولى التي سميت بحملة العامة، لقد كان عهد السلاجقة عهد خير وبركة ولقد مهدوا في أواخر حكمهم شمال العراق لظهور السلطنة الزنكية بقيادة عماد الدين زنكي ثم ولده نور الدين زنكي اللذين ضربا أروع الأمثلة في الإخلاص والدأب على توحيد كلمة المسلمين، لمقاومة الهجمة الصليبية الشرسة. فرحم الله أسلافنا السلاجقة وجزاهم الله خيرا عن المسلمين جميعا.


أيها السادة: إن تاريخ السلاجقة المجيد وجهادهم العظيم وحرصهم على توحيد الأمة وتنقية أفكارها لهو صفعة في وجوه هؤلاء الرويبضات الذين ابتلينا بهم وهم أيضا حافز للعاملين المخلصين المتمسكين بدينهم فالنصر والمجد لا يكون بسبب كثرة أو قوة وإنما النصر من عند الله فنصر الله شرط لتحقيق وعد الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).


فالله نسأل أن يجعلنا ممن ينصر الله بإقامة شرعه وإشادة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة إنه تعالى قوي عزيز وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

المزيد من القسم null

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة

لقد بينا في الإضاءة السابقة أن الدولة الأموية تركت بصماتها على تاريخ المسلمين، بل وعلى تاريخ العالم أجمع، وقد تعاقب على حكمها عدد من الخلفاء العظام، الذين ولوا رجالا عظاما، كولاة وقادة للجند، وإنه رغم فترة حكمها القصيرة نسبياً، فقد أظهر رجالاتها العظام، مقدرة فائقة على الحكم، سنبين في هذه الإضاءة بعض إبداع بعض الخلفاء في حسن سياستهم للرعية، مما يجعلنا نؤكد أنهم كانوا يتمتعون بعقليات فذة في الحكم، فهذا معاوية بن أبي سفيان مثلاً، والذي ساس الرعية سياسة رائعة، لا تزال مضرب الأمثال، فقد كان بارعاً في استمالة الخصوم، ومعرفة الرجال، وكيفية قيادة الجماعات، اسمعوا قوله المشهور: (والله لو كان بيني وبين الناس شعرة ما قطعتها فإن أرخوها شددتها وإن شدوها أرخيتها) لقد أصبحت شعرة معاوية مضرب المثل للسياسيين في كل عصر فأي خبرة أعظم من هذه الخبرة في قيادة الجماعات كما استطاع رغم شدة الخصوم من استمالة أشد خصومه، فاستمالة رجل كالأحنف بن قيس وابن الزبير وعقيل بن أبي طالب وغيرهم تنبئ عن حلم وعلم وحزم وبراعة في استمالة الخصوم فسعة الصدر والعفو عن الخصوم وسعة الحيلة والحزم حيث ينفع الحزم والعفو حيث يقتضي العفو كل هذا لا بد منه فيمن يتصدى لقيادة الأمة.


أما موقفه مع الروم حتى قبل أن يتولى الخلافة فحدث عنه ولا حرج وملخصه لما انشغل المسلمون عن الجهاد ضد الروم بسبب انشغالهم بالفتن الداخلية طلب الروم من معاوية وكان واليا على الشام جزية ثمن سكوتهم عن مهاجمة الثغور فكتب معاوية للإمبراطور كتاب تهديد قائلا: إنني أرفض طلبك والله لو حركت ساكنا وهاجمت الثغور لأصالحن ابن عمي ولأتولين قيادة جيش تحت أمرته ولأخلعنك عن كرسيك الذي تجلس عليه فأدرك حاكم الروم تصميم معاوية وأقلع عن طلباته وتهديداته، فقارنوا أيها السادة هذا الموقف الحازم بمواقف حكام المسلمين في الوقت الحاضر، ممن ابتلينا بهم، وكيف باعوا البلاد والعباد وباعوا كرامتنا، وكرامتهم، واستنجدوا بالكافر المستعمر ليحميهم من بعض الأخطار التي تصوروا أنها محيطة بهم لقد استعانوا بالكافر المستعمر على بني دينهم وقومهم وكأنه لم يحذرنا رسول الله  أشد تحذير من الاستنصار بالكافر بقوله عليه الصلاة والسلام (لاتستضيئوا بنار المشركين)، وكأنهم ما قرأوا الآيات الكريمة في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:51-52) فانظروا أيها المسلمون، النتيجة الفظيعة التي أوصلنا إياها هؤلاء الحكام الجبناء الظلمة فهل رضخ معاوية لطلب لإمبراطور الروم وكان في أمس الحاجة إليه لمساعدته أو شراء سكوته؟.


صحيح أن معاوية جعل الحكم في بني أمية في سابقة لم يألفها المسلمون ولكنه ومع ذلك ظل يحكم بالإسلام وظل يدير الدولة إدارة رائعة فينظم البريد على أحسن ما كان في ذلك الوقت وينشر الأمن والأمان في ربوع الدولة الإسلامية المترامية الأطراف.


أما مروان بن الحكم فرغم قصر مدة حكمه التي كانت أقل من عدد أصابع اليد الواحدة غير أنه أعاد للدولة ولايات خرجت عنها بفضل حزمه وعزمه أعاد الأمور إلى نصابها بالنسبة للأمويين وقد مهد لعمله هذا لولده عبد الملك أن يوحد الدولة ويعيد جميع الولايات التي خرجت عن طاعة الدولة الأموية كما أنه واجه المشاكل مواجهة الرجال فقد استطاع مثلا أن يحبط مخطط الإمبراطورية البيزنطية الذي كان يراد منه تحطيم اقتصاد الدولة الإسلامية بصك دينار ذهبي رومي مغشوش وجعله متداولا في الدولة الإسلامية فنهض عبد الملك بكل همة وجمع الدنانير المغشوشة وأمر بصك دينار إسلامي وذلك ليرفع بعمله هذا تبعيته الاقتصادية للروم كما أنه عرب الدواوين ليستغني أيضاً عن تحكم بعض أهل الكتاب من أهل الذمة بدواوين الدولة، قارنوا أيها السادة إن شئتم بين موقف عبد الملك وضربه الدينار الذهبي الإسلامي وبين بعض حكام المسلمين الذين يتربعوا على كنوز سليمان، والذين لديهم من الثروات لو أحسنوا استخدامها لجعلوا المسلمين سادة العالم اقتصادا، انظروا كيف يتركون عملاتهم تتهاوى تبعا لتهاوي الدولار وكم يخسرون من البلايين والبلايين من الدولارات شهريا أو كل عام وكأن هذا المال ليس لأبناء الأمة يخسرون كل هذا لجبنهم وهلعهم من الكافر المستعمر رغم أن هناك دولاً وشعوبا أقل منهم شأنا في كل شيء استطاعت أن تتخذ قرارات تحفظ عليها سيادتها وتمنع بها المستعمر من التدخل في شئونها.


أما عمر بن عبد العزيز فقد علم الدنيا كيف يكون العدل، وكيف تساس الرعايا وكيف تكون العفة عن أموال الدولة وأموال الرعية، اقرأوا إن شئتم رسالته لأحد الولاة الذي تردد في وضع الضرائب غير الشرعية عن كاهل الرعية، خوفاً من تقليل واردات بيت المال إذ كتب له رضي الله عنه "إن محمدا بعث هاديا لا جابيا" أيها الرأسماليون في الكرة الأرضية يا عملاء الرأسماليين يا من تحكمون المسلمين في العصر الحاضر أهكذا تسوسون رعاياكم؟ ماذا أبقيتم لرعاياكم إلا الفقر والذل والهوان والاستجداء والنفاق عودوا إلى رشدكم واتركوا غيكم وضلالكم فبل أن تحاسبكم أمتكم في الدنيا الحساب الذي تستحقون وقبل أن تحاسبون في الآخرة حيث لا ينفع مال ولا بنون.


يا حكام الدنيا اقرأوا عن عمر بن عبد العزيز ماذا رد على أحد الولاة في الدولة الإسلامية عندما أبلغه أن الزكاة لا تجد فقيرا أو مسكينا أو غارما يأخذها فماذا أجابه ابن عبد العزيز قال له: أنفقها في باقي الأصناف الأخرى أنفقها في الجهاد وفي تحرير الرقاب من الرق تمعنوا أيها السادة في هذه السياسة ولاية واسعة تتمتع بالخير والأمن والاكتفاء في نفقاتها وأمورها الاقتصادية لا تجد فيها فقيرا أو مسكينا بل لا تجد فيها من يكذب ليأخذ من مال الزكاة وهو لا يستحقه فأية عفة هذه وأي نقاء كان هذا النقاء وأية أمانة تلبس بها من كانت بيده أموال المسلمين، كيف نضع هذا الموقف وما هو عليه المسلمون في الوقت الحاضر في عصر التكنولوجيا والعصر الصناعي وفي بلادهم من الكنوز ما لا يحصيها إلا الله ومع ذلك تجد أكثر من نصف المسلمين فقراء يستحقون أخذ الزكاة.


هكذا كانت سياسته في رعيته أما علاقته وسياسته مع الكفار فموقف مدينة سمرقند يدمغ كل حاكم ظالم وكل حاكم لا يحكم بشرع الله فمدينة سمرقند دخلها الجيش الإسلامي قبل حكم عمر بن عبد العزيز عنوة دون أن يعرض المسلمون على أهلها اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو القتال، يشكل أهل سمرقند وفداً يصل دمشق، يشكو قائد جند المسلمين والجيش الإسلامي في سمرقند فكتب معهم رسالة لوالي وقائد جند سمرقند يطلب منهم التقاضي عند القاضي (فلان) يجلس وفد سمرقند خصماً لوالي وقائد جند سمرقند ويستمع القاضي لحجة المتخاصمين فيحكم لأهل سمرقند ويطلب من الجيش الإسلامي الخروج من سمرقند يتأهب الجيش للخروج امتثالا للحكم فيهرع وفد سمرقند وأهالي سمرقند إلى الوالي وقائد جند المسلمين يعلنون الإسلام ويطالبون المسلمين بالبقاء في سمرقند، إن هذا الموقف النبيل أيها السادة جعل سمرقند وما حولها بل وبلاد أواسط آسيا قلعة من قلاع الإسلام إذ ظلت هذه المنطقة محافظة على دينها رغم شدة الخطوب والزعازع التي ألمت بهذه المنطقة وقد ظهر ذلك بوضوح بعد انهيار الحكم الشيوعي، الذي كان يحارب الإسلام، كيف عادت المنطقة إلى دينها تعيد بناء وافتتاح مساجدها وحمل دينها.


ألا فاليعلم العالم أجمع أن المسلمين أمة وسط شهيدة على الناس والرسول شهيد عليها، إن المسلمين في تاريخهم كله كانوا رحمة للعالمين فلسنا كالغرب الكافر فماذا فعل الغرب الكافر في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين، وكيف كان قضاؤهم إذا اعتدى احد جنودهم أو جيوشهم على من يحتلونهم وهم عزل من السلاح هل رفعوا ضيما، أو حققوا عدلا،ً إنهم يسجلون القضية ضد مجهول، أو يتهمون فاعلها بأنه يعاني من لوثة عقلية، إن أحكامهم كلها تدعو للسخرية والضحك فنحن قوم على مدار تاريخنا كله إذا سالمنا التزمنا بعهودنا وإذا حاربنا تقيدنا بأحكام ديننا.


وإليكم هذه الإضاءة الرائعة:
بعد توليه الخلافة قرر أن يسكن الفتن بل ويقضي عليها بالعدل وعليه فلا بد أن يعطى كل ذي حق حقه فجاءه وفد من الشيعة ووفد آخر من الخوارج وناقشوه في أمور الحكم فبينوا له مثلا أنه لم يتول الخلافة بالبيعة فأقرهم على قولهم، ثم خلع نفسه، وطلب من أهل الحل والعقد أن يبايعوا خليفة غيره عن رضا واختيار فلما فعل ذلك فزع إليه أهل الحل والعقد وحتى الشيعة والخوارج وبايعوه بالخلافة كذلك طالبوه برد الحقوق والأموال التي اغتصبها بنو أمية من بيت المال وأول من بدأ بزوجته فخيرها بين أن تضع مجوهراتها وكل ما كانت تملكه بغير حق في بيت المال أو يطلقها ويبقي لها أموالها فاختارت رحمها الله عمر زوجا وتخلت عن كل مجوهراتها كذلك فعل بقرابته إذ أعاد الأموال والضياع لأصحابها، ولبيت المال ثم جرى حوار بينه وبين أحد الخوارج إذ قال الخارجي ماذا تقول في معاوية، قال عمر رضي الله عنه: أقول إنه عَمِل عَمَل سوءًا وعَمِل عَمَل خير وهو بين يدي الله سبحانه سيحاسبه على أعماله فإن رجحت حسناته على سيئاته أدخله الله الجنة وإن كان غير ذلك دخل النار. فقال له الخارجي لقد اقترف معاوية آثاماً كثيرة فلماذا لا تلعنه فقال له: يا هذا أيهم أشد بعداً عن الحق معاوية أم فرعون قال الخارجي: فرعون، قال عمر: نشدتك الله هل تلعن فرعون كل يوم قال الخارجي لا قال عمر: فلماذا تطالبني بلعن معاوية وأنت لا تلعن من هو أشد بعدًا عن الله من معاوية؟ فسكت الخارجي. بل ويقول التاريخ أن الشيعة والخوارج قالوا لأنفسهم ولبعضهم لم يترك هذا لنا عذرا في شق عصا الطاعة، كل هذا حدث أيها السادة في خلافته القصيرة، بل وإن عدداً من ملوك السند دخلوا في الإسلام بعد مراسلته لهم رضي الله عنه.


وكلمة أخيرة لم يحكموننا في الوقت الحاضر اقرأوا سيره هذا الخليفة العظيم وتعلموا منه كيف تساس الرعية وثقوا أن أمتنا عظيمة فإن أخلصتم لها كان إخلاصها لكم عجبا، ضعوا أيديكم في أيدي أمتكم وسوسوها بالإسلام لتروا بعدها كيف ستفديكم الأمة بأرواحها وبأغلى ما تملك إلا فاعلموا ألا عزة إلا بالإسلام ولا عدل إلا بالإسلام ولن يعود الإسلام لمعترك الحياة إلا بعد إقامة دولة الخلافة فالنعمل يداً واحدة لإقامتها وثقوا أن نصر الله قريب (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: من الآية40)


فاللهم عجل بالفرج واجعلنا ممن يعمل لإقامتها، لننال عز الدارين: الدنيا والآخرة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


أبو بكر