من أقوالهن عبر ودروس- الحلقة الأخيرة-شمس تغرب وشمس تشرق
November 30, 2010

من أقوالهن عبر ودروس- الحلقة الأخيرة-شمس تغرب وشمس تشرق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مستمعينا الكرام من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير وأهلاً بكم معنا في الحلقة الأخيرة من برنامجنا "من أقوالهن عبر ودروس" . والتي أختمها بهذه الحلقة والتي أسميتها " شمس تغرب وشمس تشرق" ، لنعتبر مما حصل يوم ضاعت هيبة المسلمين ،، ونعمل لما سيحصل من خير بإذن الله تعالى باستعادة مجد المسلمين ، لنجدد الأمل والعمل ونؤكد الثقة بوعد الله تعالى وبشرى رسوله صلى الله عليه وسلم .

فمحطتنا الأخيرة في رحلتنا هذه ستكون في الأندلس ، الفردوس المفقود كما أسموه ونلتقي في غرناطة آخر معاقل المسلمين في هذه البلاد وفي قصر الحمراء شاهد عز المسلمين وحضارتهم وتاريخهم ، لنرى المشهد الأخير حين سار السلطان المنكسر أبو عبدالله الصغير مع نفر من أتباعه إلى خارج غرناطة ليسلم المدينة إلى الإسبان وينهى آخر عهد للمسلمين بالأندلس، وحين سلمها ألقى على المدينة آخر نظرة وداع عليها فهاجت نفسه وسالت العبرات من عينيه وبكى، فتراه أمه عائشة في هذه الحالة فتقول له:


"إبكِ مثل النساء ملكًا مُضاعًا لم تحافظْ عليه مثلُ الرجال " وصدقت، فالملك لا يحفظه إلا الرجال والدين لا يحفظه إلا الرجال ، والمجد لا يحفظه إلا الرجال ، ولا أعني بذلك جنس الرجال ، فرب أمرأة بألف من الذكور ، أما أشباه الرجال فليس هذا ميدانهم ولا بضاعتهم، إنما مكانهم في الخلف مع القاعدين .

ولو نظرنا لأسباب ضياع هذا الملك وسقوط الأندلس لرأينا أسباباً مشابهة لوضع المسلمين وقت هدم الخلافة وهذه الأيام حيث فقدوا العزة والكرامة بعد أن فقدوا الدولة والأمان :


ذهبت الأندلس لما ضعفت العقيدة في نفوس المسلمين فحل بهم الهوان وحلت بهم الذلة وحل بهم الضعف ، وركنوا إلى الدعة والترف وانغمسوا في الشهوات وحب الدنيا وانشغلوا بالدور والقصور وبالمعاصي والغفلة وابتعدوا عن الله وحكمه وأوامره وارتكبوا الذنوب وعملوا نواهيه ، وهذا هو حال المسلمين الآن حال محزنة ومؤسفة ، لهو وعبث وضياع وانقياد للدنيا ومفاتنها إلا من عصم الله سبحانه وتعالى .

ومن الأسباب الأخرى لسقوط الأندلس التناحر على المناصب والسلطة حتى ولو بطريق التعاون مع الأعداء ضد الأهل والمسلمين ، فكانت الفتن والمؤامرات وحب الملك والسلطان واستعانة الأخ على أخيه بالعدو وصارت طوائف تقاتل بعضها بعضا ويحقد بعضها على بعض وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تفتح الدنيا عليكم فتتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"، تنافسوا الدنيا ونسوا صيانة الدين والدولة فأهلكتهم وجعلتهم أثراً بعد عين ، وقد بلغت دول الطوائف في فترة من الفترات سبعاً وعشرين طائفة أو إمارة أو دويلة تتنافس فيما بينها ، وبعد أن كانت الأندلس دولة واحدة تحولت إلى إلى سبعٍ وعشرين دويلة.


ونحن اليوم وبعد تقسيم الكافر المستعمر لدولة الاسلام أصبحنا نيفاً وخمسين بلداً مسخ يسمونها دولة ،كل لها حاكم يدبر ويخطط ضد إخوانه وبني أمته حتى لو تحالف مع أعداء الإسلام وأبرم معهم الاتفاقيات والمعاهدات التي هي فعلاً مؤامرات ومخططات ضد الإسلام والمسلمين ، يلجأون لهم ضد إخوانهم ، وبدل أن يلتمسوا الحل الصحيح والعلاج الناجع عند رب العباد وشرعه ، تراهم يلتمسون الحلول لقضاياهم عند أصحاب الشرعة الدولية ومجلس أمنهم، يطلبون الحل من الجاني !! يلتمسون العدل عند الظالم!! يظنون أن طريق الصلاح عند أهل الكفر والضلال!! يلتمسون العزّة والكرامة عند من لا دين ولا أخلاق له !! يريدون الأمان عند من ينقضون العهود من الذين خانوا العهد مع الله سبحانه وتعالى فهل نأمل منهم أن يفوا بالعهود معنا ،وكأن هؤلاء لم يقرأوا قول الله تعالى :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ولم يفهموا ولم يستمعوا إلى قوله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ) فملوك الأندلس وحكام اليوم لم يتقوا الله سبحانه وتعالى :
( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)


وما أحوجنا اليوم إلى مثل موقف ابن عباد رحمه الله حين جاءه يهودي فأغلظ له القول وسب المسلمين ، فقام ابن عباد وقتله ، ومن مواقف ابن عباد الشُّجاعة أنه عندما أراد النصارى حصار إشبيلية وكان والياً عليها جاء واستنجد بابن تاشفين من المغرب، فجاءه بعض ملوك الطوائف وقالوا: يا ابن عباد، كيف تستنجد بابن تاشفين؟! قال: وماذا في ذلك ؟ قالوا : إنه إذا جاء ونصرك سيحتل ملكك، قال ما أفعل؟ قالوا: لو استنجدت بأحد ملوك النصارى كما يفعلون هم لقتال هذا الملك.


قال لهم كلمة خالدة تكتب بماء الذهب: "رعيُ الجمال خيرٌ من رعي الخنازير"، لأن أكون راعيا للجمال عند ابن تاشفين وهو مسلم أحسن من النهاية التي ستكون ، سأكون راعيا للخنازير عند هذا النصراني الذي سيأتي ويساعدني .

ونأتي لدور العلماء ، هذا الدور الأساسي والضروري لنهضة الأمة ، فإذا تخلى العلماء عن القيام بواجبهم ، حل بالأمة النكبة والدمار ، ففي الأندلس أطل العدو عليهم، يجوس خلال الديار ويقتل ويدمر ويستولي على البلد تلو البلد ، فما كان العلماء يذكرون الولايات التي تسقط من ولايات المسلمين، بل اهتموا بشكل مبالغ فيه بالفقه المذهبي وفروعه ، تناسوا القضية المصيرية واهتموا بالفرعيات .


أتعلمون - مستمعينا الكرام - عندما دخل الفرنسيون إلى سوريا ماذا كان يحدث ؟على ماذا اختلاف العلماء واهتمامهم ؟ هل اختلفوا في قضية محاربة الفرنسيين؟ لا، بل كان اختلافهم وكلامهم هل يجوز أن يتزوج الشافعي من حنفية ، أو يأخذ الحنفي شافعية ؟ كأنها من أهل الكتاب ، يهتمون بهذا والفرنسيون يبسطون نفوذهم على الشام.


وهذا حال غالبية العلماء هذه الأيام ،، المسلمون يُذبحون ويُقتلون وتنتهك الأرواح والأعراض وتُستباح الأراضي وتُباع بأبخس الأثمان وهم مشغولون بأحكام الحيض والنفاس ونواقض الوضوء ، يسبحون بحمد زعمائهم رغم أنهم يرون خيانتهم لله ورسوله ولأمتهم ، وحتى لو وُجد نفر من العلماء المخلصين الذين يقومون بواجبهم تجاه أمتهم، فهؤلاء الحكام لا يسمعون لهم وإلى نصحهم وتحذيرهم هذا إن لم يتخلصوا منهم.

ولا يغيب عن بالنا هؤلاء النفر السلبيون الأنانيون من الناس الذين يغلِّبون مصالحهم الشخصية على مصالح المسلمين فهناك مثلاً من تأتيه وتحدثه عن واقع المسلمين ، تحدثه عن المآسي و الفواجع ووجوب الحل الجذري لهذا ، فلا يتحرك!! يفكر في وظيفته ، في راتبه ، في مصلحته ، عائلته ، وتراه لو أوتي في دنياه لأقام الدنيا ولم يقعدها ، أما في أمور المسلمين فلا ، وكأنه ليس من المسلمين حتى يهتم بأمرهم .

ونرجع إلى قول عائشة أم عبد الله الصغير " إبكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال" لنذكر أيضاً ونًذكِّر ونؤكّد على أهمية دور المرأة في شحذ الهمم والدفع إلى الأمام كما ذكرنا في حلقة سابقة عن صانعات الرجال .

ولكن رغم كل هذا ، فهناك شمس تغرب وشمس تشرق، ففي الوقت الذي سقطت فيه الأندلس، وسُلمت على صحفة من ذهب إلى الإسبان الكفار ، كان محمد الفاتح قد فتح القسطنطينية وبزغ نور الإسلام هناك ، وفى الوقت الذي تصورت أوروبا أنها محت الإسلام من الغرب ، جاءها الإسلام من الشرق عن طريق بلاد الأناضول - تركيا حاليا- وهذا دين الله سبحانه وتعالى.

فالأمل الأمل!! والثبات الثبات !! والنصر النصر !! والنجاة النجاة !! هذا دين الله ، ولكن أين العاملين؟ أين الساعين لإعادة تحكيمه على الأرض ؟ أين الراغبين بعز الدنيا ونعيم الآخرة ؟ أين المضحين بالأرواح والأنفس والثمرات ؟ فبشرهم بنصر من الله وفتح قريب بإذن الله تعالى. فهذه تباشير الصبح قد ظهرت، وهذه مبشرات النصر قد أطلت ، وأسأل الله أن نكون من شهودها وجنودها ، وأن نبايع الخليفة قريباً ، الإمام الجُنة الذي يقاتل من ورائه ويُتقى به ، والذي سنعيد معه وبه أيام المجد إن شاء الله تعالى .


بهذا مستمعينا الكرام ننهي سلسلة حلقات " من أقوالهن عبر ودروس " أسأل الله تعالى أن تكونوا قد استفدتم منها وأن يكون فيها الأجر والثواب بإذن الله تعالى .
بارك الله فيكم على حسن استماعكم . وإلى اللقاء في سلسلة أخرى بحول الله تعالى .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مسلمة

المزيد من القسم null

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة

لقد بينا في الإضاءة السابقة أن الدولة الأموية تركت بصماتها على تاريخ المسلمين، بل وعلى تاريخ العالم أجمع، وقد تعاقب على حكمها عدد من الخلفاء العظام، الذين ولوا رجالا عظاما، كولاة وقادة للجند، وإنه رغم فترة حكمها القصيرة نسبياً، فقد أظهر رجالاتها العظام، مقدرة فائقة على الحكم، سنبين في هذه الإضاءة بعض إبداع بعض الخلفاء في حسن سياستهم للرعية، مما يجعلنا نؤكد أنهم كانوا يتمتعون بعقليات فذة في الحكم، فهذا معاوية بن أبي سفيان مثلاً، والذي ساس الرعية سياسة رائعة، لا تزال مضرب الأمثال، فقد كان بارعاً في استمالة الخصوم، ومعرفة الرجال، وكيفية قيادة الجماعات، اسمعوا قوله المشهور: (والله لو كان بيني وبين الناس شعرة ما قطعتها فإن أرخوها شددتها وإن شدوها أرخيتها) لقد أصبحت شعرة معاوية مضرب المثل للسياسيين في كل عصر فأي خبرة أعظم من هذه الخبرة في قيادة الجماعات كما استطاع رغم شدة الخصوم من استمالة أشد خصومه، فاستمالة رجل كالأحنف بن قيس وابن الزبير وعقيل بن أبي طالب وغيرهم تنبئ عن حلم وعلم وحزم وبراعة في استمالة الخصوم فسعة الصدر والعفو عن الخصوم وسعة الحيلة والحزم حيث ينفع الحزم والعفو حيث يقتضي العفو كل هذا لا بد منه فيمن يتصدى لقيادة الأمة.


أما موقفه مع الروم حتى قبل أن يتولى الخلافة فحدث عنه ولا حرج وملخصه لما انشغل المسلمون عن الجهاد ضد الروم بسبب انشغالهم بالفتن الداخلية طلب الروم من معاوية وكان واليا على الشام جزية ثمن سكوتهم عن مهاجمة الثغور فكتب معاوية للإمبراطور كتاب تهديد قائلا: إنني أرفض طلبك والله لو حركت ساكنا وهاجمت الثغور لأصالحن ابن عمي ولأتولين قيادة جيش تحت أمرته ولأخلعنك عن كرسيك الذي تجلس عليه فأدرك حاكم الروم تصميم معاوية وأقلع عن طلباته وتهديداته، فقارنوا أيها السادة هذا الموقف الحازم بمواقف حكام المسلمين في الوقت الحاضر، ممن ابتلينا بهم، وكيف باعوا البلاد والعباد وباعوا كرامتنا، وكرامتهم، واستنجدوا بالكافر المستعمر ليحميهم من بعض الأخطار التي تصوروا أنها محيطة بهم لقد استعانوا بالكافر المستعمر على بني دينهم وقومهم وكأنه لم يحذرنا رسول الله  أشد تحذير من الاستنصار بالكافر بقوله عليه الصلاة والسلام (لاتستضيئوا بنار المشركين)، وكأنهم ما قرأوا الآيات الكريمة في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:51-52) فانظروا أيها المسلمون، النتيجة الفظيعة التي أوصلنا إياها هؤلاء الحكام الجبناء الظلمة فهل رضخ معاوية لطلب لإمبراطور الروم وكان في أمس الحاجة إليه لمساعدته أو شراء سكوته؟.


صحيح أن معاوية جعل الحكم في بني أمية في سابقة لم يألفها المسلمون ولكنه ومع ذلك ظل يحكم بالإسلام وظل يدير الدولة إدارة رائعة فينظم البريد على أحسن ما كان في ذلك الوقت وينشر الأمن والأمان في ربوع الدولة الإسلامية المترامية الأطراف.


أما مروان بن الحكم فرغم قصر مدة حكمه التي كانت أقل من عدد أصابع اليد الواحدة غير أنه أعاد للدولة ولايات خرجت عنها بفضل حزمه وعزمه أعاد الأمور إلى نصابها بالنسبة للأمويين وقد مهد لعمله هذا لولده عبد الملك أن يوحد الدولة ويعيد جميع الولايات التي خرجت عن طاعة الدولة الأموية كما أنه واجه المشاكل مواجهة الرجال فقد استطاع مثلا أن يحبط مخطط الإمبراطورية البيزنطية الذي كان يراد منه تحطيم اقتصاد الدولة الإسلامية بصك دينار ذهبي رومي مغشوش وجعله متداولا في الدولة الإسلامية فنهض عبد الملك بكل همة وجمع الدنانير المغشوشة وأمر بصك دينار إسلامي وذلك ليرفع بعمله هذا تبعيته الاقتصادية للروم كما أنه عرب الدواوين ليستغني أيضاً عن تحكم بعض أهل الكتاب من أهل الذمة بدواوين الدولة، قارنوا أيها السادة إن شئتم بين موقف عبد الملك وضربه الدينار الذهبي الإسلامي وبين بعض حكام المسلمين الذين يتربعوا على كنوز سليمان، والذين لديهم من الثروات لو أحسنوا استخدامها لجعلوا المسلمين سادة العالم اقتصادا، انظروا كيف يتركون عملاتهم تتهاوى تبعا لتهاوي الدولار وكم يخسرون من البلايين والبلايين من الدولارات شهريا أو كل عام وكأن هذا المال ليس لأبناء الأمة يخسرون كل هذا لجبنهم وهلعهم من الكافر المستعمر رغم أن هناك دولاً وشعوبا أقل منهم شأنا في كل شيء استطاعت أن تتخذ قرارات تحفظ عليها سيادتها وتمنع بها المستعمر من التدخل في شئونها.


أما عمر بن عبد العزيز فقد علم الدنيا كيف يكون العدل، وكيف تساس الرعايا وكيف تكون العفة عن أموال الدولة وأموال الرعية، اقرأوا إن شئتم رسالته لأحد الولاة الذي تردد في وضع الضرائب غير الشرعية عن كاهل الرعية، خوفاً من تقليل واردات بيت المال إذ كتب له رضي الله عنه "إن محمدا بعث هاديا لا جابيا" أيها الرأسماليون في الكرة الأرضية يا عملاء الرأسماليين يا من تحكمون المسلمين في العصر الحاضر أهكذا تسوسون رعاياكم؟ ماذا أبقيتم لرعاياكم إلا الفقر والذل والهوان والاستجداء والنفاق عودوا إلى رشدكم واتركوا غيكم وضلالكم فبل أن تحاسبكم أمتكم في الدنيا الحساب الذي تستحقون وقبل أن تحاسبون في الآخرة حيث لا ينفع مال ولا بنون.


يا حكام الدنيا اقرأوا عن عمر بن عبد العزيز ماذا رد على أحد الولاة في الدولة الإسلامية عندما أبلغه أن الزكاة لا تجد فقيرا أو مسكينا أو غارما يأخذها فماذا أجابه ابن عبد العزيز قال له: أنفقها في باقي الأصناف الأخرى أنفقها في الجهاد وفي تحرير الرقاب من الرق تمعنوا أيها السادة في هذه السياسة ولاية واسعة تتمتع بالخير والأمن والاكتفاء في نفقاتها وأمورها الاقتصادية لا تجد فيها فقيرا أو مسكينا بل لا تجد فيها من يكذب ليأخذ من مال الزكاة وهو لا يستحقه فأية عفة هذه وأي نقاء كان هذا النقاء وأية أمانة تلبس بها من كانت بيده أموال المسلمين، كيف نضع هذا الموقف وما هو عليه المسلمون في الوقت الحاضر في عصر التكنولوجيا والعصر الصناعي وفي بلادهم من الكنوز ما لا يحصيها إلا الله ومع ذلك تجد أكثر من نصف المسلمين فقراء يستحقون أخذ الزكاة.


هكذا كانت سياسته في رعيته أما علاقته وسياسته مع الكفار فموقف مدينة سمرقند يدمغ كل حاكم ظالم وكل حاكم لا يحكم بشرع الله فمدينة سمرقند دخلها الجيش الإسلامي قبل حكم عمر بن عبد العزيز عنوة دون أن يعرض المسلمون على أهلها اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو القتال، يشكل أهل سمرقند وفداً يصل دمشق، يشكو قائد جند المسلمين والجيش الإسلامي في سمرقند فكتب معهم رسالة لوالي وقائد جند سمرقند يطلب منهم التقاضي عند القاضي (فلان) يجلس وفد سمرقند خصماً لوالي وقائد جند سمرقند ويستمع القاضي لحجة المتخاصمين فيحكم لأهل سمرقند ويطلب من الجيش الإسلامي الخروج من سمرقند يتأهب الجيش للخروج امتثالا للحكم فيهرع وفد سمرقند وأهالي سمرقند إلى الوالي وقائد جند المسلمين يعلنون الإسلام ويطالبون المسلمين بالبقاء في سمرقند، إن هذا الموقف النبيل أيها السادة جعل سمرقند وما حولها بل وبلاد أواسط آسيا قلعة من قلاع الإسلام إذ ظلت هذه المنطقة محافظة على دينها رغم شدة الخطوب والزعازع التي ألمت بهذه المنطقة وقد ظهر ذلك بوضوح بعد انهيار الحكم الشيوعي، الذي كان يحارب الإسلام، كيف عادت المنطقة إلى دينها تعيد بناء وافتتاح مساجدها وحمل دينها.


ألا فاليعلم العالم أجمع أن المسلمين أمة وسط شهيدة على الناس والرسول شهيد عليها، إن المسلمين في تاريخهم كله كانوا رحمة للعالمين فلسنا كالغرب الكافر فماذا فعل الغرب الكافر في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين، وكيف كان قضاؤهم إذا اعتدى احد جنودهم أو جيوشهم على من يحتلونهم وهم عزل من السلاح هل رفعوا ضيما، أو حققوا عدلا،ً إنهم يسجلون القضية ضد مجهول، أو يتهمون فاعلها بأنه يعاني من لوثة عقلية، إن أحكامهم كلها تدعو للسخرية والضحك فنحن قوم على مدار تاريخنا كله إذا سالمنا التزمنا بعهودنا وإذا حاربنا تقيدنا بأحكام ديننا.


وإليكم هذه الإضاءة الرائعة:
بعد توليه الخلافة قرر أن يسكن الفتن بل ويقضي عليها بالعدل وعليه فلا بد أن يعطى كل ذي حق حقه فجاءه وفد من الشيعة ووفد آخر من الخوارج وناقشوه في أمور الحكم فبينوا له مثلا أنه لم يتول الخلافة بالبيعة فأقرهم على قولهم، ثم خلع نفسه، وطلب من أهل الحل والعقد أن يبايعوا خليفة غيره عن رضا واختيار فلما فعل ذلك فزع إليه أهل الحل والعقد وحتى الشيعة والخوارج وبايعوه بالخلافة كذلك طالبوه برد الحقوق والأموال التي اغتصبها بنو أمية من بيت المال وأول من بدأ بزوجته فخيرها بين أن تضع مجوهراتها وكل ما كانت تملكه بغير حق في بيت المال أو يطلقها ويبقي لها أموالها فاختارت رحمها الله عمر زوجا وتخلت عن كل مجوهراتها كذلك فعل بقرابته إذ أعاد الأموال والضياع لأصحابها، ولبيت المال ثم جرى حوار بينه وبين أحد الخوارج إذ قال الخارجي ماذا تقول في معاوية، قال عمر رضي الله عنه: أقول إنه عَمِل عَمَل سوءًا وعَمِل عَمَل خير وهو بين يدي الله سبحانه سيحاسبه على أعماله فإن رجحت حسناته على سيئاته أدخله الله الجنة وإن كان غير ذلك دخل النار. فقال له الخارجي لقد اقترف معاوية آثاماً كثيرة فلماذا لا تلعنه فقال له: يا هذا أيهم أشد بعداً عن الحق معاوية أم فرعون قال الخارجي: فرعون، قال عمر: نشدتك الله هل تلعن فرعون كل يوم قال الخارجي لا قال عمر: فلماذا تطالبني بلعن معاوية وأنت لا تلعن من هو أشد بعدًا عن الله من معاوية؟ فسكت الخارجي. بل ويقول التاريخ أن الشيعة والخوارج قالوا لأنفسهم ولبعضهم لم يترك هذا لنا عذرا في شق عصا الطاعة، كل هذا حدث أيها السادة في خلافته القصيرة، بل وإن عدداً من ملوك السند دخلوا في الإسلام بعد مراسلته لهم رضي الله عنه.


وكلمة أخيرة لم يحكموننا في الوقت الحاضر اقرأوا سيره هذا الخليفة العظيم وتعلموا منه كيف تساس الرعية وثقوا أن أمتنا عظيمة فإن أخلصتم لها كان إخلاصها لكم عجبا، ضعوا أيديكم في أيدي أمتكم وسوسوها بالإسلام لتروا بعدها كيف ستفديكم الأمة بأرواحها وبأغلى ما تملك إلا فاعلموا ألا عزة إلا بالإسلام ولا عدل إلا بالإسلام ولن يعود الإسلام لمعترك الحياة إلا بعد إقامة دولة الخلافة فالنعمل يداً واحدة لإقامتها وثقوا أن نصر الله قريب (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: من الآية40)


فاللهم عجل بالفرج واجعلنا ممن يعمل لإقامتها، لننال عز الدارين: الدنيا والآخرة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


أبو بكر