الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الخامسة عشرة
الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الخامسة عشرة

النفس في الإنسان هي مجموعة الدوافع والمشاعر والميول. فالمشاهد المحسوس على الإنسان أن لديه دوافع من حاجات عضوية يسعى لإشباعها حتى لا يموت، ولديه غرائز تدفعه لإشباعها، ويصاحب تلك الدوافع مشاعر وميول، ولذلك قلنا إن النفس هي مجموعة الدوافع والمشاعر والميول، فهذا التعريف مطابق لواقعه. ...

0:00 0:00
السرعة:
October 10, 2021

الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الخامسة عشرة

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الخامسة عشرة

ميزان النفس

النفس في الإنسان هي مجموعة الدوافع والمشاعر والميول.

فالمشاهد المحسوس على الإنسان أن لديه دوافع من حاجات عضوية يسعى لإشباعها حتى لا يموت، ولديه غرائز تدفعه لإشباعها، ويصاحب تلك الدوافع مشاعر وميول، ولذلك قلنا إن النفس هي مجموعة الدوافع والمشاعر والميول، فهذا التعريف مطابق لواقعه.

ومن جهة بنائه على العقيدة، فهناك الكثير من الآيات دلّت على هذا المفهوم، نذكر بعض الآيات. يقول الله سبحانه نقلاً عن السامريّ: (وكذلك سوّلت لي نفسي)، فالذي سوّل له اتخاذ العجل هو نفسه، أي دوافعه الغريزية. وقال سبحانه على لسان يعقوب عليه السلام: (وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) فأنفسهم هي التي سوّلت لهم ما فعلوا، أي دفعتهم لفعل ذلك. ووصفت النفس بأنها أمارة بالسوء كما نقل سبحانه عن امرأة العزيز قولها: (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقال سبحانه عن أهل الجنة: (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ)، فالنفس فيها الشهوة وهي التي تدفع صاحبها ليقوم بالأعمال إشباعاً لتلك الدوافع النفسية أو الجسمانية.

قلنا إن المشاهد المحسوس في الإنسان أن لديه نوعين من الدوافع، هما: 

- الدوافع الناتجة من الحاجات العضوية.

- الدوافع الناتجة من الغرائز.

ومع أن كلاً منهما نابع من نفس الإنسان، ولكن لا بد من درسهما منفصلين نظراً لاختلافهما في ناحيتين:

الأولى: ناحية جهة الإثارة لكل نوع منهما، أو مصدر الإثارة.

الثاني: ناحية ضرورة إشباع الدافع أو عدم ضرورة إشباعه.

فالحاجات العضوية حاجات يتطلبها جسم الإنسان لاستمرار حياته، كالأكل والشرب والنوم والإخراج.

وإثارتها داخلية، أي يطلبها جسم الإنسان، يطلب إشباعها، ففي حالة الجوع مثلاً ترسل إشارات عصبية للدماغ لطلب الطعام، فيأمر الدماغ بإفرازات معينة تجعل الإنسان يحس بالجوع ليندفع للإشباع، وكذلك باقي الحاجات المذكورة هنا، وغيرها من الحاجات العضوية فإثارتها داخلية.

ولا بد من إشباع هذه الحاجات، ولا يتوقف طلب الإشباع إلا بالإشباع، وإن استمرت حالة الطلب فترة من الزمان دون إشباع فإنه سيصل إلى حد الموت لعدم الإشباع.

فالحاجات العضوية إثارتها داخلية وإشباعها حتمي.

أما الغرائز فليست كذلك، فإن إثارتها خارجية، أي من الواقع الخارجي بالنسبة للإنسان، ويلحق بالواقع الخارجي الفكر، لأن حكمه من هذه الجهة كحكم الواقع الخارجي، فليس طلب إشباع مظهر غريزي ناتجاً عن نقص عضوي في جسم الإنسان، بل هو ناتج عن مشاهدة مثير ما، فيحس الإنسان بحاجته لإشباع ذلك المظهر الغريزي، أو هو ناتج عن التفكر في مثيرٍ ما، فيحس بالحاجة لإشباع ذلك المظهر الغريزي الذي أثاره المثير.

وبعد الإثارة للدافع الغريزي فالإنسان إما أن يشبع المظهر الغريزي، وإما ألا يشبعه، وفي حال عدم إشباعه تصيب الإنسان حالة من القلق والتوتر، وينتهي الأمر عند الإنسان في حالة عدم الإشباع بتغيير الجوّ النفسي بأن يفكر في أمر آخر، أو يقوم بعمل يخرجه من الجوّ الذي كان فيه.

فإشباع الغرائز ليس حتمياً، بل إن إشباعها يحقق للإنسان الرضا المؤقت أو الدائم بحسب بناء شخصيته. . وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً إن شاء الله.

فالغرائز إثارتها خارجية، وإشباعها غير حتمي.

والغرائز عن الإنسان ثلاث: البقاء، والنوع، والتدين.

غريزة البقاء بمظاهرها تدفع الإنسان للارتقاء بوجوده وبقائه واستمراره.

وغريزة النوع تدفعه لإيجاد علاقات مع بني نوعه الإنساني.

وغريزة التدين تدفع الإنسان للإحساس بالحاجة لمن هو أقوى منه وأعلم منه وأعظم منه، ولمن هو أقدر على التدبير والتنظيم.

وغريزتا البقاء والنوع متعلقتان بالحياة الدنيا.

وغريزة التدين تتعلق بما قبل الحياة الدنيا وبما بعدها.

ولكل واحدة منها مظاهر عديدة، فمن مظاهر غريزة البقاء: حب الحياة، وكراهية الموت، والتملك، والإيثار، والأثرة (الأنانية)، والعدوان، وحب السيادة، وحب الذات، وحب الذكر، وغير ذلك.

 ومن مظاهر غريزة النوع الميل الجنسي بين الذكر والأنثى، وحب الأولاد، والبنات والأحفاد، والآباء والأمهات والأجداد، وصلة القربى والأرحام، وصلة الجار والصديق. . وغير ذلك من العلاقات مع بني نوعه.

ومن مظاهر غريزة التدين: الإحساس بالضعف، والنقص، والمحدودية، والاحتياج، والإحساس بالعجز عن إكمال نقصه واحتياجه ومحدوديته وضعفه، ومن أهم مظاهر غريزة التدين مظهر التقديس.

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.