الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الرابعة والعشرون
الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الرابعة والعشرون

1- عقيدة التوكل: بهذه العقيدة وهذا الميزان صنع المسلمون في زمن قياسي ما عجزت عنه باقي الأمم في قرون طويلة. ذلك أن الإنسان يحس بفطرته في غريزة التدين بالضعف والنقص والمحدودية والاحتياج والعجز، فهو بحاجة دوماً للقوة والعون، وبحاجة لمن يسد له ضعفه ونقصه ومحدوديته واحتياجه وعجزه، وذلك أن حاجته للطعام مثلاً ليست للطعام فحسب،  بل إن احتياجه أيضاً هو للخالق سبحانه وتعالى، الذي خلق الطعام، ووضع فيه خاصية الإشباع، ...

0:00 0:00
السرعة:
September 23, 2024

الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الرابعة والعشرون

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الرابعة والعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم

1- عقيدة التوكل: بهذه العقيدة وهذا الميزان صنع المسلمون في زمن قياسي ما عجزت عنه باقي الأمم في قرون طويلة.

ذلك أن الإنسان يحس بفطرته في غريزة التدين بالضعف والنقص والمحدودية والاحتياج والعجز، فهو بحاجة دوماً للقوة والعون، وبحاجة لمن يسد له ضعفه ونقصه ومحدوديته واحتياجه وعجزه، وذلك أن حاجته للطعام مثلاً ليست للطعام فحسب،  بل إن احتياجه أيضاً هو للخالق سبحانه وتعالى، الذي خلق الطعام، ووضع فيه خاصية الإشباع، واحتياجه كذلك للخالق الذي خلقه محتاجاً لهذا الطعام، ومحتاجاً لمن يمكنه من هذا الطعام وما يمكنه منه، وهكذا مع كل ما يحتاجه الإنسان في حياته الدنيا، ومع ما يريد تحقيقه في هذه الحياة الدنيا، فيستعين بالله سبحانه وتعالى لسد حاجاته، ويستعين به لتحقيق أهدافه وغاياته، ويوقن أنه ليس بالأسباب وحدها يسد حاجاته ويحقق ما يريد, وأن قوته مهما بلغت فإنها لا تكفي لتحقيق ما يريد، بل بإرادة الله سبحانه وتعالى وحسن توفيقه وبعونه، انظر معي إلى قول الله العلي العظيم: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين).

يقول الله سبحانه وتعالى: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) فلا تنفع أسباب إن لم يشأ الله سبحانه للأمر أن يقع، ولا تنفع إرادة العبد في تحقيق شيء إن لم يأذن الله سبحانه وتعالى بوقوعه. وقد أخبرنا سبحانه أنه بطاعته وتقواه تنفعل الأسباب للعبد وتصبح طوع بنانه، وبكفره أو معصيته تستعصي عليه الأسباب.

فهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اغترَّ بعضهم بكثرتهم، فلم يسبق لهم أن قاتلوا بمثل هذا الجيش، حتى قال قائلهم: (لن نغلب اليوم من قلة)، ولكن تلك الكثرة لم تغن عنهم شيئاً، واستعصت عليهم الأسباب، ولم تنفعل معهم كما كانت في الغزوات السابقة، فالواجب على المسلم أن يبقى مدركاً لصلته بالله تعالى قبل العمل وحين العمل وبعد العمل، ويسأل نفسه دوماً: لماذا تعسَّر معي الأمر الفلاني؟ ولِمَ لم يتيسر الأمر الفلاني؟ ولعل هذا السؤال يرشد العبد لأن يستدرك ما حصل من نقص أو خلل في نفسه وإيمانه وتوكله، فلا يتكرر الأمر.

وأولئك هم الصحابة رضوان الله عليهم في أحد، وبعد ما تحقق لهم النصر، تحوّل النصر إلى هزيمة بمعصية بدرت من بعضهم ممن كانوا على الجبل يحمون ظهر المسلمين، وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه وتعالى:(ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين)(آل عمران/152)

وبامتثال أوامر الله سبحانه وتعالى واجتناب معاصيه، وحسن التوكل عليه تنفعل الأسباب للعبد، وتصبح مطواعة له، وقد ضرب الله سبحانه وتعالى أروع الأمثلة من الأنبياء والصالحين، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار حين الهجرة، يصف ربنا سبحانه ذلك الموقف بقوله عز وجل: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار! إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا. ..) الأنفال.

وها هو وحده صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية يمتثل أمر الله تعالى، ومخالفاً رأي كثير من الصحابة، فيصبح ذلك الصلح فتحاً مبيناً كما وصفه الله سبحانه.

وها هو صلى الله عليه وسلم في تبوك، مع جيش العسرة يقول: (نصرت بالرعب من مسيرة شهر).

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد

الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.