الميزان   ميزان الفكر والنفس والسلوك   الحلقة التاسعة عشرة   ميزان العقلية والنفسية
الميزان   ميزان الفكر والنفس والسلوك   الحلقة التاسعة عشرة   ميزان العقلية والنفسية

  نتناول في هذا الباب المفاهيم الأساسية المشتركة في بناء كل من العقلية والنفسية، ودور كل مفهوم في كل منهما. المفهوم الأول: حل العقدة الكبرى، مفهوم حل العقدة الكبرى مفهوم عام واسع يشمل مجموعة من المفاهيم، تسهم في تشكيل العقلية وبناء النفسية، وذلك أن دافعها نفسي ينطلق من غريزة التدين عند الإنسان، لكن حله لا بد أن يكون عقلياً، حلاً يقنع العقل ويطمئن النفس، فيصبح الحل هو الأساس الفكري للإنسان يبني عليه أفكاره ومفاهيمه، وتحدث الطمأنينة والسكينة للنفس، ويصبح الأساس للمفاهيم المتعلقة بصياغة النفسية.

0:00 0:00
السرعة:
October 14, 2021

الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة التاسعة عشرة ميزان العقلية والنفسية

الميزان


ميزان الفكر والنفس والسلوك


الحلقة التاسعة عشرة


ميزان العقلية والنفسية


نتناول في هذا الباب المفاهيم الأساسية المشتركة في بناء كل من العقلية والنفسية، ودور كل مفهوم في كل منهما.


المفهوم الأول: حل العقدة الكبرى، مفهوم حل العقدة الكبرى مفهوم عام واسع يشمل مجموعة من المفاهيم، تسهم في تشكيل العقلية وبناء النفسية، وذلك أن دافعها نفسي ينطلق من غريزة التدين عند الإنسان، لكن حله لا بد أن يكون عقلياً، حلاً يقنع العقل ويطمئن النفس، فيصبح الحل هو الأساس الفكري للإنسان يبني عليه أفكاره ومفاهيمه، وتحدث الطمأنينة والسكينة للنفس، ويصبح الأساس للمفاهيم المتعلقة بصياغة النفسية.


وأسئلة العقدة الكبرى ثلاثة، تشكل صلة الإنسان بما قبل الحياة الدنيا، وصلته بما بعد الحياة الدنيا، وتصوغ نظرته للحياة الدنيا وتحدد سلوكه فيها، فالسؤال المتعلق بما قبل الحياة الدنيا هو: (من أين جئت؟)، والسؤال المتعلق بالموقف من الحياة الدنيا والنظرة إليها هو: (لماذا ؟)، والسؤال المتعلق بما بعد الحياة الدنيا هو: (إلى أين؟) .


قلنا إن الدافع لهذه الأسئلة عند الإنسان هو غريزة التدين، وهي تبدأ مع كل إنسان في طفولته مع بداية إدراكه وتفكيره، توقع الإنسان في الحيرة تجاه نفسه وتجاه كل ما حوله، حتى يجد لها الحل الصحيح فتنقطع حيرته وتزول، لكن إن لم يجد لها الحل الصحيح فسيبقى في حيرته، وستبقى الأسئلة معه تثور عليه كل حين وتقلقه مهما بلغ من العمر، وهذا مشاهد محسوس في من لم يحلوا العقدة الكبرى لديهم، ولعلنا نعرض شواهد على ذلك في موضعها بعون الله تعالى.


يقول الشيخ تقي الدين النبهاني –رحمه الله- في كتاب نظام الإسلام: (وإذا حلت هذه العقدة حلت باقي العقد)، وقد كتبتُ في شرح هذه العبارة كتابا بعنوان (العقدة الكبرى والعقد الصغرى)، خصصت به إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير، بث فيها على حلقات زادت عن الأربعين. بَيَّنتُ فيه واقع العقدة الكبرى عند الإنسان وعلاقتها بباقي العقد، وكيف أنه بحلها تحل باقي العقد الصغرى، وكيف أن الإنسان يقع في الشقاء والقلق المستمر إن لم يحلها مهما ملك من الدنيا، ومهما بلغ فيها من مكانة. مصداقاً لقوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ).


ويشترط في الحل الصحيح للعقدة الكبرى شرطان مرتبطان بمصدر هذه العقدة، وبأداة حلها، وهما قناعة العقل وموافقة الفطرة، ذلك أن الحل لا يكون صحيحاً إن لم تنته وتتوقف تساؤلات العقدة الكبرى الثلاث، وكذلك لا يكون صحيحا إن لم يقتنع العقل بهذا الحل، وإن لم يوافق هذا الحل قوانين العقل وقوانين الكون التي يدركها العقل.


وهذان الشرطان لا يتوافران إلا في العقيدة الإسلامية، فقد أجابت عن هذه الأسئلة إجابات تقنع العقل وتوافق الفطرة. وهذه الإجابات ترافق الإنسان حياته كلها مهما طالت، لا يتطرق إليها شك، بل يزداد ثقة وطمأنينة بهذا الحل كلما ازدادت علومه ومعارفه واطلاعه في هذا الكون. وهذا الحل للعقدة الكبرى يحل كل العقد الصغرى عند الإنسان.


كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.