الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثالثة
الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثالثة

وحكم العقل البشري على الأشياء من جهة وجودها أو عدمه حكم قطعي لتعلقه بالحس المباشر، والحس الصحيح المباشر لا يخطئ، فالحكم من جهة وجود المحسوس قطعي، بصرف النظر عن ماهيته، لأن الحكم على الماهية يتعلق بالمعلومات السابقة، أما الحكم على الوجود فلا يتعلق بالمعلومات السابقة. ...

0:00 0:00
السرعة:
September 28, 2021

الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثالثة

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

وحكم العقل البشري على الأشياء من جهة وجودها أو عدمه حكم قطعي لتعلقه بالحس المباشر، والحس الصحيح المباشر لا يخطئ، فالحكم من جهة وجود المحسوس قطعي، بصرف النظر عن ماهيته، لأن الحكم على الماهية يتعلق بالمعلومات السابقة، أما الحكم على الوجود فلا يتعلق بالمعلومات السابقة.

ويستطيع العقل البشري أن يحكم على الأشياء من جهة موافقتها لطبعه أو منافرتها له، من جهة محبته لها وكرهه إياها، وهذه يختلف فيها الناس بحسب طباعهم وعاداتهم.

أما الحكم على الأشياء من جهة الحسن والقبح، أي من جهة الأخذ والترك، فإن العقل لا يملكها، لأن هذه تحتاج إلى مقاييس مطلقة لا يملكها الإنسان، وإن حكم عليها فإنما يحكم من جهة موافقة الطبع أو منافرته، أو من جهة المحبة والكره، أو من جهة منفعتها أو مضرتها كما يراها، ولذلك نجد الناس يختلفون في أحكامهم على الأشياء من جهة الأخذ والترك، أي الحسن والقبح.

يقول الله سبحانه وتعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حلالاً وحراماً، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون؟).

ويقول سبحانه وتعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون). فعلم الناس متعلق ببعض ظاهر الحياة الدنيا، ولا يتجاوزه إلى غيره، فلا يصل إلى مستوى العلم الحقيقي المطلق بالحياة الدنيا، ولا العلم بالآخرة، فهي فوق إدراك البشر وفوق إحساسهم.

وقد يقول قائل: نظراً لهذا الواقع في الحكم عند العقل البشري فالصواب أن يؤخذ رأي الأكثرية، أو الأغلبية، أو رأي مجموعة من الناس، أو لجنة من المتخصصين. والجواب عن ذلك أن أي رأي يؤخذ من البشر إنما يصدر إما عن عقل بشري، وإما عن مشاعر بشرية، وقد بينا افتقار الإنسان لمقاييس مطلقة للحكم على الأشياء من جهة الأخذ والترك، حتى لو اتفق على هذا الرأي أو الحكم اثنان أو ثلاثة أو مئة أو ألف أو ملايين، وتكون موافقة من وافق إما لموافقة الرأي لهواه أو طبعه، أو لحكم عقله أنه أحسن من غيره، أو دفعاً للخلاف، وليس لأنه الصواب والحق.

والمشاهد المحسوس هو الشقاء الذي وصلت إليه البشرية نتيجة لاتباع ما يسمونه برأي الأكثرية أو الأغلبية، ومشاهد محسوس أيضاً تغيير القوانين وتعديلاتها مع الزمن، لأنها –على حد قولهم- أصبحت لا تناسب العصر، ولا تغطي حاجات الناس، ولكن الحقيقة هي لأنها من وضع عقول قاصرة ناقصة عاجزة، لا تمتلك المقاييس المطلقة للحكم على الأشياء من جميع الجهات.

انظروا معي إلى قوم لوط في قولهم الذي نقله الله تعالى عنهم: (أخرجوا آلَ لوطٍ من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)، فانظروا كيف صار التطهّر جريمة، وصار الفجور كرامة وشرفاً، والفجور نفسه نراه اليوم في برلمانات عدد من دول العالم، تقرّه عقول البشر الناقصة القاصرة، فصار إتيان النوع الواحد فاعلاً أو مفعولاً حقاً شخصياً، وحرية شخصية، وهو مما تأباه نفوس الحيوانات ولا تقوم به فضلاً عن الفطرة البشرية السليمة، وصارت الخمرة حرية شخصية، وكذلك الخنزير، وصارت البنوك الربوية هي لحركة الاقتصاد بزعمهم، مع أن الأزمة المالية العالمية التي بدأت ولم ولن تنتهي كانت البنوك الربوية سبباً رئيساً فيها.

وهؤلاء قوم نوح يقولون لقومهم: (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)، فبحسب مقاييسهم البشرية الضيقة جعلوا من الرسول الذي يحمل لهم المقاييس الصحيحة ضالاً، وجعلوا من أنفسهم مهتدين، وهؤلاء قوم عاد يخاطبون نبيهم هوداً عليه السلام بقولهم: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) يتهمون رسولهم الذي يحمل إليهم المقاييس الصحيحة بالسفاهة والكذب، وهم السفهاء باتباعهم ما وجدوا عليه آباءهم من الضلال والسفه. وهذا فرعون الذي ادّعى السداد والصواب والحق، يقول لقومه: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، ويقول عن موسى عليه السلام: (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون)، وهؤلاء حكام اليوم يتهمون كل من خالفهم بأنه يحمل (الفكر الضالّ)، وهؤلاء سدنة الأنظمة المتسلطة في بلاد المسلمين يتهمون كل من يعمل لإعادة الإسلام والحكم به بالفرية التي علمهم إياها كبيرهم بوش فرية الإرهاب، وأصبحوا يتهمون كل من يعمل لإعادة الإسلام بأنه إرهابي، ولم يبق إلا أن يقولوا: أخرجوا المتقين العاملين للإسلام من قريتكم إنهم أناس يتطهرون..

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.