الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة الثالثة عشرة
الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة الثالثة عشرة

والميزان الأساسي للفكر {التفكير} اتخاذ قاعدة واحدة للتفكير، فينشأ لدينا مصطلح (العقلية)، وتوصف عقلية أي إنسان بوصف القاعدة أو القواعد التي يستند إليها في تفكيره، فالذي يتخذ المصلحة قاعدة وأساساً لتفكيره توسم عقليته بأنها مصلحية، ومن يتخذ الحل الوسط قاعدة وأساساً لتفكيره توسم عقليته بأنها وسطية ترقيعية، ومن يتخذ الواقع قاعدة ومصدراً لتفكيره توسم عقليته بأنها واقعية منحطة، فإن اتخذ مبدأً معيناً قاعدة لتفكيره وسم تفكيره

0:00 0:00
السرعة:
October 08, 2021

الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة الثالثة عشرة

الميزان


ميزان الفكر والنفس والسلوك


الحلقة الثالثة عشرة


بسم الله الرحمن الرحيم


والميزان الأساسي للفكر {التفكير} اتخاذ قاعدة واحدة للتفكير، فينشأ لدينا مصطلح (العقلية)، وتوصف عقلية أي إنسان بوصف القاعدة أو القواعد التي يستند إليها في تفكيره، فالذي يتخذ المصلحة قاعدة وأساساً لتفكيره توسم عقليته بأنها مصلحية، ومن يتخذ الحل الوسط قاعدة وأساساً لتفكيره توسم عقليته بأنها وسطية ترقيعية، ومن يتخذ الواقع قاعدة ومصدراً لتفكيره توسم عقليته بأنها واقعية منحطة، فإن اتخذ مبدأً معيناً قاعدة لتفكيره وسم تفكيره بسمة ذلك المبدأ، فالذي يتخذ المبدأ الرأسمالي قاعدة وأساساً لتفكيره وصفت عقليته بأنها رأسمالية، ومن اتخذ المبدأ الإسلامي قاعدة وأساساً لتفكيره وصفت عقليته بأنها إسلامية، ومن اتخذ قواعد متعددة لتفكيره وصفت عقليته بالفوضوية، كالذي يستند إلى الإسلام في العبادات، ويستند إلى الرأسمالية في التعاملات وباقي الأفكار، فإن عقليته تصبح متناقضة وتوصف بأنها عقلية فوضوية.
يقول الله سبحانه وتعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) فالأصل في المسلمين إذا جدّ عليهم جديدٌ من الأمنِ أو الخوف أن يردّوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو المبلغ للتشريع عن الله، أو يردّوه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أولي الأمر منهم (الحقيقين- وليس أولياء الأمر اليوم) حتى يستنبطه الذين يعلمون من مصادره الشرعية.


والواجب على المسلمين أن يتخذوا العقيدة الإسلامية قاعدة فكرية وحيدة لتفكيرهم لتعود عقلياتهم إسلامية كما أراد الله سبحانه وتعالى، وكما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وتابعوهم بإحسان، وذلك بأن يتخلصوا من رواسب التفكير الأخرى غير الإسلام، وأن يجعلوا العقيدة الإسلامية هي القاعدة الوحيدة والأساس الوحيد لتفكيرهم.


ويكون ذلك بأن يقيسوا كل فكر وكل رأي على العقيدة الإسلامية، ويكون القياس على العقيدة الإسلامية بتحقيق الشرطين المذكورين في أول هذا الباب،وهما:


- إدراك مطابقة الفكرة لواقعها.


- وبناء تلك الفكرة على العقيدة الإسلامية أو انبثاقها منها.


فإن فعلوا ذلك في كل فكر وفي كل رأي، واستبعدوا أي قاعدة فكرية أخرى، وطبقوا ذلك على كل الأفكار والآراء التي يتبنونها ويقولون بها، واتخذوا ذلك سنةً وطريقة مطردة صارت عقلياتهم إسلامية لا تشوبها شائبة، ولا يتطرق الخلل عندهم لأي فكر أو رأي، ولا يقعون في أي تناقض بين الأفكار أو الآراء.


وقد نعى القرآن الكريم على الكفار في مواضع كثيرة منه اتخاذ قواعد أخرى أساساً لتفكيرهم، فمن ذلك اتباعهم آباءهم، وقولهم بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، وقولهم إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، ونعى عليهم اتباع كبرائهم، فقال سبحانه نقلاً عن الكفار: (إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا). ونعى عليهم اتباع غيرهم في العقيدة وإنهم سيتبرأون منهم، فقال سبحانه: (وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار).


ونعى عليهم اتخاذ الوسطية أساساً للتفكير، فلمّا عرض الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا إلهه سنة ويعبد آلهتهم سنة، خاطب الله سبحانه رسوله بقوله: (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين). فليس هناك حل وسط في العقيدة ولا في الأمور التي يتوخى فيها الصواب.


كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.