الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثالثة والثلاثون
الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثالثة والثلاثون

إن الإنسان المجرد من نظام الله تعالى مفهومه عن الخير والشر قاصر، فهو ينظر إلى ما يحبه أنه خير، وما يكرهه أنه شر، وينظر إلى ما ينفعه أنه خير، وما يضره أنه شر، وهذه نظرة قاصرة ضيقة محدودة، وذلك لمحدودية علم الإنسان، فلا يدري ماذا يمكن أن يحصل لاحقاً أو مستقبلاً، ولا يدري عن نتيجة الذي ظنه أنه خير فلعله ينقلب شراً وهو لا يدري، ولذلك فإنه مقياسه هذا وميزانه للخير والشر مقياس قاصر وميزان خاطئ لا يعطيه النتائج الصحيحة، وبجعله متقلباً متردداً في أحكامه على ما يقع منه أو ما يقع له. ...

0:00 0:00
السرعة:
October 02, 2024

الميزان ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثالثة والثلاثون

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثالثة والثلاثون

بسم الله الرحمن الرحيم

ثانياً : مفهوم الخير والشر

إن الإنسان المجرد من نظام الله تعالى مفهومه عن الخير والشر قاصر، فهو ينظر إلى ما يحبه أنه خير، وما يكرهه أنه شر، وينظر إلى ما ينفعه أنه خير، وما يضره أنه شر، وهذه نظرة قاصرة ضيقة محدودة، وذلك لمحدودية علم الإنسان، فلا يدري ماذا يمكن أن يحصل لاحقاً أو مستقبلاً، ولا يدري عن نتيجة الذي ظنه أنه خير فلعله ينقلب شراً وهو لا يدري، ولذلك فإن مقياسه هذا وميزانه للخير والشر مقياس قاصر وميزان خاطئ لا يعطيه النتائج الصحيحة، ويجعله متقلباً متردداً في أحكامه على ما يقع منه أو ما يقع له.

والنظرة الصحيحة والميزان الدقيق للخير والشر مبني على الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعن علاقتها جميعها بما قبلها، وعن علاقتها جميعها بما بعدها، فهي أولاً متعلقة بالركن السادس من أركان الإيمان: (الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى) فيؤمن العبد أن الله تعالى خلق في الإنسان وفي الأشياء حوله خواصَّ مفروضةً عليها لا تتخلف، وأن ما ينتج عن هذه الخواصّ من خير أو شر إنما هو من عند الله تعالى، ثم ثانياً كل ما يقع منها على المؤمن فإنما هو خير له، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن، كل أمره خير له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرَاء صبر فكان خيراً له، ولا يكون هذا إلا للمؤمن)، فالمؤمن لا ينظر إلى نتائج الأشياء والأعمال إلا إنها خير له، فإن كان يسير أعماله بحسب أوامر الله ونواهيه كانت له خيراً بغضّ النظر عن المنفعة فيها وبغض النظر عن حبه أو كرهه لها، فيكون ما يكرهه مما يقع منها كفارةً له عن سيئةٍ اقترفها، أو معصيةٍ وقع فيها، أو تكون محبَّةً من الله تعالى للعبد ليرفع درجته، أو تمحيصاً واختباراً للعبد.

وعليه لا تكون نظرة المؤمن لنتائج الأعمال من منطلق المنفعة والمضرة، ولا من منطلق المحبة والكره، بل من منطلق أنها من عند الله تعالى، فتكون خيراً للمؤمن المطيع.

يقول الله سبحانه وتعالى: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) فكل ما يصيب المؤمن هو من عند الله كتبه الله له ليكون خيراً له.

ويقول سبحانه وتعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، فالإنسان لا يعلم حقائق الأشياء ولا الأمور، ولا ما تؤول إليه، فيجعل الشر ّخيراً للمؤمن، ويجعل ما يكرهه خيراً، فهو سبحانه القادر على ذلك بعلمه المحيط وقدرته المطلقة، وبالغِ حكمته، هو سبحانه الذي يخلق الفرج من رحم الشدة، ويخلق النصر من رحم الهزيمة، ويخلق الخير من رحم الشر.

لقد أمر الله سبحانه الرجال بحسن معاشرة أزواجهم، حتى لو كره أحدهم امرأته، فعليه أن يعاشرها بالمعروف في كل الأحوال، ذلك أنه لا يدري أين الخير، فقد يكون الخير في ما يكرهه الإنسان وليس في ما يحبه، يقول الله سبحانه وتعالى: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ اللهُ فيه خيراً كثيراً)، وضرب الله سبحانه لنا مثلاً في المؤمنين (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)، فماذا كانت النتيجة؟ (فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم) وحقيقة الأمر يبينها العليم الخبير سبحانه بقوله: (إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين).

وضربَ الله سبحانه وتعالى للمسلمين مثلاً رائعاً في النظرة إلى الخير والشر، وذلك في حادثة الإفك التي اتُّهِمت فيها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقال سبحانه وتعالى: (إنَّ الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم، لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم) فالذين اخترعوا الإفك لهم حسابهم على الإثم الذين اكتسبوه، والذي تزعم كِبرَ ذلك الإفك له عذاب عظيم، أما الرسول صلى الله عليه وسلم، وعائشة أم المؤمنين فلهم الأجر والثواب على صبرهم على ذلك الإفك، ووصفه الله سبحانه بأنه خير ونهى المسلمين أن يحسبوه شراً لهم.

إن مقاييس الإنسان مجرداً من نظام الله تعالى مقاييس محدودة، ونظرته ضيقة، فهو بحاجة إلى نظام الله تعالى، فيصبح يرى كل ما يقع له خيراً، ويُثاب ويؤجر على صبره فيما يقتضي الصبر، وعلى شكره فيما يقتضي الشكر.

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد

الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.