الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثانية والعشرون
الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثانية والعشرون

وهي جملة مفاهيم تحدد موقف الإنسان من مجموعة من القضايا الكبيرة في حياة الإنسان، وتصوغ عدداً من الدوافع عند الإنسان، فتحدث له الطمأنينة والسكينة في أمور تؤرقه وتقلقه، في حاضره ومستقبله. ...

0:00 0:00
السرعة:
October 17, 2021

الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك الحلقة الثانية والعشرون

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثانية والعشرون

مفاهيم العقيدة الفرعية

وهي جملة مفاهيم تحدد موقف الإنسان من مجموعة من القضايا الكبيرة في حياة الإنسان، وتصوغ عدداً من الدوافع عند الإنسان، فتحدث له الطمأنينة والسكينة في أمور تؤرقه وتقلقه، في حاضره ومستقبله.

1- الموت والأجل: يندفع الإنسان بدافع غريزة البقاء للمحافظة على حياته واستمرارها، ويخاف عليها، ويخشى أن يهددها أي شيء، وبما إن الموت حتمي على كل إنسان فهو مصدر قلق،  وعقدة من العقد الصغرى عند الإنسان، فكان الحل من العقيدة أن الموت لا يقع إلا بانتهاء أجل الإنسان، وأن الله تعالى قد كتب هذا الأجل، وأن الموت سيقع حتماً إذا انتهى الأجل، لا يؤخره خوف أو أي شيء، ولا يقدمه إقدامٌ أو شجاعة أو قتال أو قولة حق، وبما أن المؤمن يعمل للفوز في الآخرة بالجنة والنعيم المقيم فإن الموت بالنسبة له ليس نهاية حياة، بل هو بداية الحياة الحقيقية، حياة الجزاء على عمله الصالح في الدنيا، وتلك الحياة هي حياة الخلود في النعيم الدائم الذي لا ينقطع، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

يقول الله سبحانه وتعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، ويقول سبحانه: (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها)، ويقول عز وجل: ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر)، وغير ذلك من عشرات الآيات التي تدل دلالة قطعية على أن الموت متعلق بالأجل، وأن الأجل بيد الله وحده، لا سلطان لأحد غير الله تعالى أن يحيي أحداً جاء أجله، أو يميت أحداً لم يحن أجله، فيسير الإنسان في هذه الحياة الدنيا آمناً مطمئناً لا يخاف دون الله أحداً على حياته واستمرارها، ويقول دائما: (إنا لله وإنا إليه راجعون).....

2- القضاء والقدر:  يختلف الإيمان بالقضاء والقدر عن الإيمان بالقدر الوارد في أركان الإيمان، فالإيمان بالقدر متعلق بخواص الأشياء وخواص الإنسان وما ينتج عنها من خير أو شر، أما الإيمان بالقضاء والقدر فمتعلق بالأفعال التي تقع من الإنسان أو عليه رغماً عنه، مع أن هذه الأفعال تكون باستخدام خواص الإنسان وخواص الأشياء، فيؤمن العبد أن الأفعال التي تقع منه أو عليه جبراً عنه ولا يملك دفعها ولا منع وقوعها إنما هي قضاء وقدر من الله تعالى، ويتحدد موقفه منها بالرضا والتسليم، والصبر والاحتساب، فينال أجر الصابرين.

وهذه الدائرة تشمل نوعين:

أولهما: ما يقتضيه نظام الوجود كما قدره الله تعالى، فالإنسان ولد رغماً عنه، ولم يختر أبويه أو أحدهما، ولم يختر المكان ولا الزمان اللذين ولد فيهما، ولم يختر شيئاً من خواصه الشكلية أو البيولوجية أو النفسية أو العقلية، وفرض عليه أن يعيش على الأرض بجاذبيتها وحراراتها والضغط الجوي فيها، يتنفس من هوائها، ويشرب من مائها ويأكل من طعامها، ولديه الخصائص التي تمكنه من التأقلم مع بيئته، واستثمار كل هذه الخواص، فلا يحاسب الإنسان على وجود تلك الخصائص فيه وفيما حوله على تلك الهيئة، وهي ضمن القضاء والقدر، ولكنه يحاسب على استخدام تلك الخواص.

ثانيهما: الأفعال التي تقع من الإنسان أو عليه رغماً عنه ولا يستطيع دفعها ولا ردها ولا السيطرة عليها، كسقوطه بالخطأ من مكان مرتفع وتأذيه أو تأذي غيره من سقوطه، أو وقع حادث بمركبة لم يعلم عنه ولم يتوقعه ولا يملك له دفعاً، أو تعرضه للأذى من غيره دون استطاعته منع وقوع ذلك الأذى، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة المشاهد والمحسوس وقوعها من البشر باستمرار، فهذه كلها لا تدخل ضمن الثواب والعقاب، ولا يحاسب الإنسان على وقوعها.

ويترتب على الإيمان بالقضاء والقدر صياغة شعور الخوف مما يمكن أن يقع من الإنسان أو جبراً عنه في الحاضر والمستقبل، فلا يخاف من شيء دون الله تعالى، فلا يخاف من حوادث مفاجئة، ولا من سجن أو تعذيب، ولا يخاف على نفسه ولا على أهله وأولاده، لأنه يؤمن أنه (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)، فلا يمنعه خوف، ويوقن أن ما سيقع لا بد أن يقع فيشحذ العبد إيمانه مستقبلا كل ما يمكن أن يصيبه قضاءً وقدراً بالرضا والصبر، فينال الخير، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن، كل أمره خير له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، ولا يكون هذا إلا للمؤمن). وبهذا الإيمان مع الإيمان بالأجل يعيش الإنسان في حياته مقبلاً غير مدبراً، مطمئناً لا يخشى شيئاً، فيعمل الصالحات، ويجتنب المنهيات، ويقول الحق أينما كان، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،  ويعمل في الدعوة إلى الله،  ويجاهد في سبيله، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يخشى خطراً أو سوءاً، فكل ما يصيبه إنما هو خير له.

ولنقف قليلاً مع واقع البلاء للمؤمن:

واقع ما يقع من البلاء مما هو ضمن القضاء والقدر كما دلت النصوص الشرعية أنه قد يكون عقوبة من الله تعالى على معصية من العبد، فيعجل له العقوبة في الدنيا بدل الآخرة. وقد يكون اختباراً وتمحيصاً لإيمان العبد، وقد يكون تكفيراً لسيئات العبد، ورفعاً لدرجته عند الله تعالى، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل )، ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: (يبتلى العبد على قدر دينه) فإن كان فيه صلابة زيد في البلاء،  وإن كان فيه رقة خفف عنه، وفي رواية الترمذي: (فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة).

ويقول الله سبحانه وتعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).

وأخبر سبحانه عن عقوبات الأقوام السابقين من مثل قوله سبحانه: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل). وقوله سبحانه: (ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون).

ويقول سبحانه وتعالى في البلاء التمحيصي: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، ويقول سبحانه: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاُ).

وبمعرفة هذا الميزان، يلتزم العبد الطاعات، ويجتنب المعاصي، حتى لا يقع عليه القضاء والقدر عقوبةً، وحين يقع عليه القضاء والقدر يستقبله بالرضا التام مع رجاء الرحمة من الله تعالى، وأن يجعله له كفارة ورفعاً لدرجته.

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.